أن أكون أمّاً.. “بطلة الكون”
"ماما يا بطلة الكون"

جنى الدهيبي/ المدن- أفكّر بكائنةٍ جميلةٍ، كانتْ نُطفةً صغيرةً قبل أن تخرج من أحشائي، بتاريخ 4 حزيران 2012، لتجعلني أُمًا. أقتربُ على إتمام سبع سنواتٍ من الأمومة المتواصلة، يراودني فيها سؤالٌ واحدٌ في عيدي، الذي أتشاركه مع أمهات الأرض جميعًا: هل أنا أمٌ خفيفة الظلّ؟

لا مثالية

أدرك أنني أحتاج ربما لعقدٍ إضافي من الأمومة، حتّى أعثر على جوابٍ، يخفف من وطأة حيرتي. سأنتظر طفلتي حين تكبر. وحدها الموكلة بالإجابة عن سؤالي، لتخبرني إن كُنتُ أمًّا خفيفةً أو ثقيلة الظلّ. لن أسألها الآن. فهي طفلة تسيّرها براءتها ومزاجيتها ورغباتها وحشريّتها وشغفها الكبير بالاكتشاف والفرح. قد أؤجل السؤال إلى أن تبلغ 18 عامًا. خطرت لي هذه الفكرة السريالية، كأن أنتظر سنّها القانوني، حين تصبح “صبيّة” مسؤولةً عن نفسها، أُسلمها مثلًا دفتر قيادة السيارة بيدٍ، وأصطحبها لأول مرّةٍ إلى جامعتها بيدٍ أخرى. وقبل أن تحلّق من دوني في رحلتها نحو الحياة، أسألها: “لحظة، كان ظلّي خفيف عليكِ كلّ هل السنين؟”.

لن أتكهن جوابها. لكنّني أتخيله، فأضحك. سيكون في إحدى جُزئيّاته مشهدًا كوميديًا إن حصل، يشبه المشاهد التي تعقب أسئلتي الغريبة لطفلتي، حين ترفع حاجبيّها، تُبحلق عينيّها، وتضع يدها الصغيرة على جبينها قبل أن تردّ مستغربةً: “يا ماما شو عم تسألني؟”.

لا يُغريني أن أكون أمًا مثالية. المثاليّة وهمٌ تعاقب الأمهات أنفسهن به. أطمح أن أكون أُمًا خفيفة الظلّ وحسب، في حُبّها وعطائها وحرصها واهتمامها ومتابعتها وحتّى في تضحياتها. في عيدهنّ، غالبًا ما تنتظر الأمهات إطراءات “التقديس” لهن من أبنائهن وبناتهن. ثمّ أسأل نفسي دومًا: هل نفكر نحن الأمهات بالانطباع الأصلي والصريح لأبنائنا وبناتنا تجاهنا؟ هل يعتبن علينا؟ كيف يُقيمون أداءنا تجاههم/ن؟

نعم. سلوكنا قابلٌ للتقييم حتمًا. لا أحبّ فكرة تقديس الأمهات. الأمهات لسن قديسات. هذه الفكرة، مرهقة على كاهلهن وكاهل أبنائهن وبناتهن معًا. لا أحبُّ أيضًا أن أكون أمًا بقالبٍ مسكوبٍ سلفاً. ميزة علاقاتنا البشريّة في فرادتها. أن ندع علاقتنا تصنع ماهيّتها، متحررةً من قيود القوالب المسكوبة، في الحُبّ والعمل والصداقة والأخوة والأمومة أيضًا.

قالب ثلجٍ بارد، وماء دافئة

أعيش أمومتي مع طفلتي الصغيرة على طريقتي. التعريف مثل العنوان، أضعه بعد أن أبدأ. هكذا أفكّر في أمومتي، التي قرّرتُ أن لا أختار لها عنوانًا تعريفيًا مسبقًا قبل أن أبدأها، حتّى لا يُقيّدني. أفكر في “القيْد” كخطوةٍ نحو فشلٍ أتحاشاه. إنّني أمٌ تُكثر من الأسئلة لنفسها. في مرحلةٍ سابقة، كنت أعيش ظرفًا صعبًا، فعدْتُ لنفسي أسأل عن تعريفٍ وصفي لأمومتي. تكثفت في ذهني صورة شيئين لا ثالث لهما: قالب ثلجٍ بارد، وماءٍ دافئة. أهوى لعبة التناقض حين أفتّش عن اكتمالٍ لفكرة لا أرغبها ثابتة، فخرجت بالتعريف الآتي: “أنا أمٌّ صلبةٌ مصنوعةٌ من ماءٍ سائل”. للتعريف تحليلٌ خارج سياق النصّ، لكنّه يرادف قناعتي، بأنّ “صلابتي كأمّ لا تعيق مرونتي كإنسانة”. أن أُحبُّ وأٌحَب. أن أعطي وآخذ. أن أُضحي ويُضحى لأجلي. أن أتحمل ثمّ أتكئ على كتفٍ يتحملني. هل تعرفون معنى أن نُفرّغ أمومتنا الصلبة من مرونتها الإنسانية؟ ومعنى أن نتحول لكائنات تُصدّر من دون أن تستورد شيئًا لذاتها؟

“بطلة الكون”

أعود لأمومتي قبل أن أصبح أمّاً عزباء، كنت حينها أيضاً طالبةً جامعيةً تبلغ 19 عامًا. كنتُ مُنهمكةً في دراستي وامتحاناتي وأشياء أخرى استنزفتني، لكنّني قضيت مع طفلتي أوقاتًا طويلة واستثنائيّة. أجمل الأوقات كوّناها سويًا كانت عبر الرضاعة. أعشق هذا الفعل الأمومي الذي تقشعرُّ له أطرافي. أفكّر في الرضاعة كظرفٍ أعطاني على مدار عامين كاملين أن أتعرف على طفلتي عن قربٍ وأعرفها. كنت أراه نوعًا من التواطؤ اللذيذ، تأخذ منه قوتها اليومي وهي غارقةٌ في حضني بكامل حواسها. الآن حين تأكل تنظر إلى صحنها، من دون أن تلامسني، ومن دون أن تتعرق من شدّة الإلتصاق بجسدي، ومن دون أن تتشابك أصابعها في شعري لتضحك لي عيناها قبل أن تغفو.

أحنّ إلى فعل الرضاعة، بقدرٍ يقلُّ عن حُبّي لهذا التحوّل الذي يُترجم معنى أن يصبح الإنسان مستقلًا عن انتمائه الأول. أحبُّ أن أرسل لطفلتي إشارات من دون شرح. أخبرتها مرّةً أنّني أؤمن بـ”فرديّتها”، ثمّ وعدّتها أن أشرح لها الأمر في أمثلةٍ من يوميّتنا، حين أفسح مجالًا واسعًا لحقّها في اختيار أصدقائها وهواياتها وموسيقاها وآلاتها وألوانها وملابسها.

تغنّي لي طفلتي بصوتها البريء والعذب عبارة “ماما يا بطلة الكون”. أغصّ قليلًا. أعيد لها في كلّ مرّة أنني لستُ “بطلة” خارقة القدرة في التحمّل، وأنّ حتّى الأبطال يسقطون من تعبهم. تتجاهل شرحي، فتعيد الجملة مُغنّاةٍ عبر فرشاتها “الميكروفونية”، بعنادٍ يدهشني. أعتقد أنّها تصرّ على الفكرة كي تبرر فرط تعلّقها بي، وظنّها الطفولي أنّني “فانوسها السّحري” الوحيد. أتفهمها، ثمّ أخبرها أنني أعمل وأتعلم كي نستقلّ ونتكامل ونكبر وننمو سويًا.

سعادةُ طفلتي بي ومعي ليس ترفًا، وإنّما حقًّا. أخشى عليها وعلى جميع الأطفال والطفلات من فعل “التنمّر”. أصبحت تميّز وتلحظ الأمر بإفراط، وتخبرني أنّها تتناقش به مع زملائها وزميلاتها في المدرسة. سعيدةٌ بذلك. ربما أطمح أن تُخفف من أنانيّتها وتملّكها لي. ثمّ أتذكّر أنّهما فعلان بشريان نُهذبهما حين نكبر قدر المستطاع، لتبقى نسختهما الأصليّة، في محبّة أطفالنا لنا.

"ماما يا بطلة الكون"

“ماما يا بطلة الكون”

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015