أول حكم قضائي يجرّم العنف النفسي بالمغرب
هيلدا الحياري - الأردن

المغرب/ legal-agenda- في سابقة تعد الأولى من نوعها أصدرت المحكمة الابتدائية بفاس بالمغرب أول حكم قضائي يعاقب على العنف النفسي طبقا لقانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، في إحدى حالات العنف القائم على أساس النوع خلال فترة الطوارئ الصحية التي تعيشها البلاد.

ملخص القضية

تعود فصول القضية إلى تاريخ 27/10/2020 حينما اتفق مجموعة من الأصدقاء على الاحتفال بعيد ميلاد صديقة لهم بإحدى مقاهي مدينة فاس. وبعد انتهاء الحفل في وقت متأخر من الليل، عرض أحدهم على صديقته فكرة إيصالها إلى منزله على متن دراجته النارية، فوافقت على ذلك. كما طلب منهما صديق ثالث مرافقتهما على متن الدراجة النارية. وبوصولهم إلى الحي الذي تقطنه الفتاة، تفاجأت بالمتهمين يعملان على منعها من النزول وأرغماها على مرافقتهما إلى مكان آخر قصد إتمام السهرة.

وخوفاً من أن يعرّضاها للضرب والجرح خاصة وأن الأول كان متحوّزاً بسلاح أبيض و في حالة سُكر انصاعت لهما. وبعد مرور الدراجة النارية بإحدى دوريات الأمن شرعت الفتاة في الصراخ، مما جعل الشرطة تتدخل لإنقاذها وألقت القبض على مرافقيها.

تابعت النيابة العامة المتهم الأول من أجل أفعال “السُكر العلني البين” و”حيازة سلاح” و”العنف النفسي في حق امرأة عن طريق الإكراه بغرض المس بحريتها وتخويفها”. كما تابعت المتهم الثاني فقط من أجل تهمة “العنف النفسي”.

قرار المحكمة

أثناء المحاكمة التي أجريت وفق نظام المحاكمة عن بعد استمعت المحكمة للمتهمين اللذين أنكرا المنسوب اليهما، فيما تخلفت المشتكية عن الحضور.

حاول الدفاع التماس البراءة لموكله، مؤكدا خلو الملف مما يفيد قيام جنحة العنف طبقا للفصلين 400 و404 من القانون الجنائي، في إشارة منه لتخلف المشتكية عن الحضور وعدم إدلائها بأي شهادة طبية تثبت مدة العجز اللاحق بها. كما طالب بإعادة تكييف الفعل من جنحة “عنف” إلى “محاولة عنف وايذاء”، ملتمسا التصريح ببراءة المتهمين لكون القانون الجنائي يشترط لقيام جريمة “المحاولة” وجود نص خاص حينما يتعلق الأمر بجنح، ولا وجود لأي نص جنائي يجرم فعل “المحاولة” في جنح العنف والإيذاء.

أثناء مناقشتها للقضية، اعتبرت المحكمة أن “قيام المتهمين بمنع المشتكية من التوجه إلى منزلها، رغبة منهما في قضاء ما تبقى من الليل معها، دون موافقتها”، يشكل في حد ذاته “عنفا نفسيا في حقها وذلك بسبب جنسها بمفهوم الفصل الأول من قانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء”.

وبناء على ذلك قضت المحكمة بمؤاخذة المتهمين من أجل المنسوب إليهما والحكم على الأول بالحبس النافذ لمدة خمسة أشهر وغرامة نافذة قدرها 1000 درهم، والحكم على الثاني بالحبس النافذ لمدة ثلاثة أشهر، وغرامة نافذة قدرها 1000 درهم.

تعليق على الحكم

يعتبر الحكم سابقة في تفعيل قانون محاربة العنف ضد النساء على مستوى إعمال الشق المفاهيمي في هذا القانون الجديد. فلأول مرة تتم متابعة متهم من أجل جنحة العنف النفسي في وقت تتركز فيه جهود أجهزة إنفاذ القانون على ملاحقة مرتكبي أفعال العنف الجسدي والجنسي والاقتصادي على وجه الخصوص.

من المعلوم أنه وفق اتفاقية إسطنبول ينبغي فهم تعبير “العنف ضد المرأة” على أنه انتهاك لحقوق الانسان، وشكل من أشكال التمييز ضد المرأة، وأنه يعني كافة أعمال العنف القائمة على أساس النوع، والتي تسبب أو التي من شأنها أن تسبب للمرأة أضرارا أو آلاما بدنية أو جنسية أو نفسية أو اقتصادية، بما فيه التهديد بالقيام بمثل هذه الأعمال، أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء أكان ذلك في الحياة العامة أو الخاصة، وهو ما يؤكد أن مجرد “التهديد” بارتكاب أفعال “عنف” يعتبر عنفا بمفهوم المعايير الدولية ذات الصلة.

تضمّن قانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء تعريفا للعنف النفسي، حيث حددت المادة الأولى من هذا القانون تعريفه في “كل اعتداء لفظي أو إكراه أو تهديد أو إهمال أو حرمان، سواء كان بغض المس بكرامة المرأة وحريتها وطمأنينتها، أو بغرض تخويفها أو ترهيبها”.

رغم أن قانون 103.13 في تعريفه للعنف النفسي لم يحدّد عقوبة خاصة لهذا الفعل، طالما أن التعريف ورد في المادة الأولى المتعلقة بتحديد الإطار المفاهيمي، فإن المحكمة ربطت تعريف العنف النفسي الوارد في قانون محاربة العنف ضد النساء بالفصول العامة الواردة في القانون الجنائي سواء المتعلقة بتجريم أفعال العنف (الفصل 400)، أو تجريم أفعال العنف ضد امرأة بسبب جنسها (الفصل 404)، وهو ما يؤكد أهمية الإطار المفاهيمي الوارد في قانون محاربة العنف ضد النساء في ملاحقة وتجريم عدد من حالات العنف المستجدة.

هيلدا الحياري – الأردن

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
محمود عبد الرحمن/legal-agenda- قبل أشهر، أثارت قضية تحرّش رجل بطفلة في حي المعادي ذعر المواطنين، وفي خضمّ تناول المواقع الصحافية للواقعة أخفت ملامح الرجل ولم تنشر بياناته الشخصية، لكن في حالات أخرى يراها المجتمع فضائح أخلاقية كانت تنشر بيانات وصور المرأة حتى إن كانت المجني عليها. ففي ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015