التحوّل الجندري في الرواية العربية
التحوّل الجندري في الرواية العربية

نبيل سليمان/ diffah.alaraby- ما فتئ الجنس يحضر بقوة وبأشكال عديدة في الفورة الروائية العربية المتذرعة بالحداثة وما بعد الحداثة والتجريبية والتجاوز وما أدراك، وبحق نادرًا وبلا حق غالبًا، وربما كان العكس صحيحًا. ومن آخر ذلك، وأقلّه نصيبًا حتى الآن، هو التحول الجنسي الذي يُسمّى أيضًا بالعبور الجندري أو التحوّل الجندري، ويعني باختصار اختلاف الهوية الجندرية للإنسان عن جنسه عند الولادة. 

قد يكون المتحوّل جنسيًا، أو العابر الجنسي مثليًا، وقد يكون مزدوجًا، وهو من يريد تغيير جنسه الذي ولد به. ويعتبر مريضًا، إذ يولد المريض بأعضاء تناسلية داخلية غير الظاهرة. وبعبارات أخرى (عالمة): هذا هو مرض اضطراب الهوية الجنسية، حيث يولد المريض بهوية جنسية مغايرة للجنس البيولوجي. وفي سائر أحوال التحول أو العبور، تتلاحق الأسئلة وتتفجر مما قاربت الروايات المعنية النادرة أقلّه كما سنرى، كالسؤال عن حمل المتحولة، ورحمها، ودورتها الشهرية، وعن زرع الرحم، واستحالة نقل الأعصاب مع الرحم المزروع، وبالتالي انتفاء التقلصات المخاضية، وقبل ذلك وبعده: جراحة استحداث مهبل صناعي يُوصل بالرحم المزروع… إلخ.

من آخر ما تابعت من التعبيرات الأدبية عن التحوّل/العبور الجنسي، كانت المسرحية التونسية (عبور – 2019) للفنان منصف الزهراني. وفي أصدائها أن مصطلح الهوية الجنسية المغايرة قد برز بتأثير المسرحية.

روائيًا، وفي حدود متابعتي، جاءت من تونس أيضًا الرواية الأولى المتمحورة حول المتحول (ة) / العابر (ة) جنسيًا، في رواية (طرشقانة – 2006) لمسعودة بو بكر.

طرشقانة

تتعنْوّن هذه الرواية بواحد مما تلقب به العامية التونسية المخنث أو الخنثى. والعامية هي واحدة من لغات هذه الرواية، بالإضافة إلى ما يتوزع الفصحى من لغة الإخبار و(الشعرية) التي تلوّن المونولوجات، وكذلك لغة الحوار بين الشخصيات. وتتشابك الأزمنة في بناء هذه الرواية، حيث الزمن الفرنسي المترامي بين زمن الأب وزمن الابن المتحول/ العابر، وبين الزمن التونسي لهذا الابن مراد الشواشي. ولا بد هنا من متابعة خريطة أسرة الشواشي، من الأب أحمد الذي اغتيل في باريس في خمسينيات القرن الماضي لأسباب سياسية، إلى والدة مراد سيمون الفرنسية، وجديه منها اللذين سيؤويانه (ها) في باريس بعد جراحة التحول من ذكر إلى أنثى. وبالمقابل ثمة في تونس الجدة التي ترفض أن يتحول حفيدها، مثلها مثل الفقيه، وهي التي ربته صغيرًا بعد فقده لوالديه، فيصرخ بها كبيرًا: “نانا نحب نرتاح (….) نحب نبدل قشرتي”. كما يصرخ بلغات أربع بوجه العائلة: “نحب نولّي مرا، je veux devenir femme، I want to be a woman، vorrei Essere Donna”.  ويشارك في الرفض حمادي الغول صديق مراد الذي كان على علاقة جنسية معه، مثل ابن عمه غازي الشواشي، مدرس الفلسفة الفاشل، على العكس من كريم الشواشي الذي كان على علاقة أيضًا مع مراد. وكريم ممثل وأستاذ مسرحي، وزوج الصحافية نورة التي تساعد مراد في تدابير عملية التحول، وتكتب عنه رواية تسميه فيها ندى. وقد أغضبه ما جاء في الرواية عن عدم قدرة ندى على الإنجاب.

لمراد/ ندى صديقة موسيقية هي أنوشكا دوكلار، من أب فرنسي وأم روسية، تدرّس أصول الموسيقى في باريس، واشتهرت بعزفها لشوبان وباخ وشوبرت، وهي من أسرة سيمون والدة مراد/ ندى، وتكون له/ لها عونًا في تدابير الجراحة، مثل أنصار آخرين ساهموا في جمع تكاليف العملية بعد صراع مراد/ ندى مع أسرته من أجل الإرث، وبالتالي التكاليف.

من أصداء رواية (طرشقانة)، رصدتُ لنور الدين السويلمي في جريدة الفجر (3/10/2012) غضبته، لأن الكاتبة التي مجدت الطاغية (زين العابدين بن علي) تركت كل ما في تونس وكتبت عن التحول الجنسي. ومثل هذا غير بعيد عن الروايات النادرة التي تلت (طرشقانة) وشغلها هذا التحول/ العبور، بدعوى أن الأمر باتجاهيه – من الذكر إلى الأنثى وبالعكس – لا يزال نادرًا جدًا، وهو بالتالي ليس بذي شأن، وبخاصة في سنوات الزلزال/ الربيع العربي العشر الماضية. وبالمقابل يصدح خطاب التحول الروائي أو المجتمعي بحق الفرد في جسده، في واحد من أكبر تعبيراته تعقيدًا وحساسية.

البيت الأزرق

بعد (طرشقانة) بأكثر من عقد جاءت رواية (البيت الأزرق – 2017) لعبده وازن (لبنان)، ومن شخصياتها المحورية جورج الذي تحول إلى جولييت. ولأن هذه الأربعينية عانت من خيانة حبيبها ناجي لها فقد قتلته، فأودعتْ في سجن الذكور بدعوى أنها أنثى وذكر. لكن جولييت عاشت في السجن كأنثى ولقيت من السجناء ما لقيت من الاستغلال ومن سوء المعاملة. ومن المعلوم أن في لبنان منظمة (حلم) الأولى عربيًا التي تعمل على تحسين الوضع القانوني والاجتماعي للمثليين والمتحولين جنسيًا ولمزدوجي الميول الجنسية.

ينتهي المطاف بجولييت إلى (البيت الأزرق)، وهو السجن الخاص بالمرضى نفسيًا، حيث التقى ببول أندراوس المسكون بالقيم المثلى، والذي دمرته الخيبات، فهرب إلى المشفى دهرًا، ثم أضرب عن الكلام، فعن الطعام أخيرًا، وهو من اُتِهم بقتل سامية مسعود زورًا. وتجمع جولييت ببول علاقة إنسانية رهيفة، وقد أودعها بول مخطوطة رواية لم يكملها. ومع حكاية هذه المخطوطة تشتبك حكاية الروائي المحترف الذي يعجز عن إكمال رواية له. وهو على علاقة مع نسرين التي فقدت ثدييها. ومع هذا الجسد (الناقص) تأتي أيضًا المثلية في رواية (البيت الأزرق)، وذلك عبر عشق الأب ألبير لبول أندراوس.

انعتاق الرغبة

سجّل عام 1919 صدور ثلاث روايات تتمحور حول التحول/ العبور الجنسي، وهي رواية (انعتاق الرغبة) لفاتحة مرشيد (المغرب)، و(حابي) لطالب الرفاعي (الكويت)، و(بدون) ليونس الأخزمي (عُمَان).

في رواية (انعتاق الرغبة) تؤرشف صور الوالد عز الدين لتحوله إلى امرأة باسم عزيزة. وقد جرّ عليه ذلك أن زوجته طلبت الطلاق، فلبّاها، وتنازل لها عن كل شيء، وهاجر إلى بلجيكا. وقد سلمت عزيزة قبل أن تودي بها أزمة قلبية إلى صديقتها فادية دفترين، أحدهما لابنها الدكتور فريد سامي الذي سيلتقي بفادية في كندا بعد هجرته إليها. وكانت زوجته صوفيا قد طلبت الطلاق لأنها لا تحتمل عار أن يكون جدّ أولادها امرأة.

يروي عز الدين حكاية التحول، وهو من كان في طفولته يتشبه بالفتيات ويتقمص أدوارهن، كما كان يرتدي أثواب زوجته ويتشممها في غيابها. وقد كتب لابنه عن السعادة التي كانت تغمره حين يلبس ثياب أخته ويتقمص شخصية صديقتها، وكذلك حين يكون مع أخواته وهو في سن الخامسة. وفي وصف عملية التحول غير الجراحية، يأتي تناول (المريض) عز الدين لهرمون الأستروجين من أجل تنمية الصدر وتأنيث الصوت وتغيير لون الشعر وتنحيف الخصر وترقيق ملامح الوجه، وكل ذلك طلبًا للبرء من اضطراب الهوية الجنسية.

تكتب عزيزة لابنها فريد: “منذ وعيت بالدنيا وأنا سجين جسد ليس لي”. وتكتب: “لا أحد يشك في كوني أباك البيولوجي، لكن ما أسعى إليه هو أن أكون أباك الروحي”. وهنا قد ينبثق السؤال عما إنْ كان الأَوْلى أن تسعى عزيزة إلى أن تكون الأم الروحية وليس الأب الروحي.

يتخصص فريد في جراحة التحول الجنسي متخليًا عما أرادت أمه له من التخصص في جراحة التجميل. وفي كندا يعشق فادية التي تروي قصة اغتصابها من قبل معمر القذافي، مثل كثيرات من الفتيات اللاتي كان القائد (بابا) يمارس السحر الأسود بدماء بكارتهن.

حابي

يقسم طالب الرفاعي روايته (حابي) إلى قسمين (فصلين) عنوان أولهما (حا) والثاني (بي). وجماع العنوانين هو عنوان الرواية (حابي)، أي الاسم الجديد للشخصية الرئيسة المتحولة ريان. وزمن القسم الأول من الرواية هو ساعتان قبل عملية استئصال ثديي ريان، بينما يمتد زمن القسم الثاني ست ساعات هي مدة سفر ريان مع صديقته منذ الطفولة جوى التي اقترحت اسم حابي. وقد أجريت عملية التحول في عاصمة التحول الجنسي في العالم: بانكوك.

يشبك عنوان الرواية أو الاسم الجديد لريان الأسطورة بالجندرة. فمن إله الفيضان ذي الجسد الذكوري الأنثوي في الأسطورة المصرية تأتي الطاقة المثنوية، وقداسة الخنثى. ومن الجندرة تأتي حالة ريان ابتداءً باسمه الذي يتسمى به الجنسان في الكويت، لكنه لا يطلق إلا على الذكر في بلاد الشام (سورية، فلسطين، الأردن، لبنان)، بينما تطلق مثل هذه الأسماء على الإناث والذكور: نجاح – نضال – نهاد – براء – شمس – سمر – ورد – لجين – رضا… ونجاة أيضًا. ولهذه التسميات أن تنادي (إيفيس) الاسم المشترك بين الجنسين، من كتاب أوفيد (التحولات).

تتصدر رواية (حابي) بما تتحرز به درءًا لشرور السلطان الاجتماعي، ومنه الإشارة إلى عرض المخطوطة على محام قانوني. وقد تمثل هذا السلطان بشخصية الأب على الرغم من فتوى لجنة الإفتاء والمجتمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بجواز عمليات (التصحيح الجنسي) سواء بالجراحة أم بالهرمونات لمعالجة المرض المتمثل باجتماع علامات الذكورة والأنوثة في أعضاء المريض.

لقد وقّع الأب على أوراق الموافقة على عملية التحول وهو يعتبر ريان مسخًا وحيوانًا ويصيح بها: “تريدين أن تكوني ولدًا يا كلبة”. وبالمقابل وقفت الأم موقفًا شجاعًا مع ريان، ومثلها أخته زوجة المحامي الذي تولى قضية التحول قانونيًا.

لعل رواية (حابي) أن تكون أكثر نظيراتها إقلاقًا. بما هي رواية أسئلة الوضع الإنساني الحرج والدقيق والحساس والمعقد.  فهذا الشاب العاشق للقراءة والموسيقى والتأمل والذي يكتب سيرته منذ الطفولة، والذي تأخرت عليه الدورة الشهرية حتى السادسة عشرة، هذا الـ (ريان) نادى إلى الرواية لغة الأنثى فلغة الذكر معددًا لغات الرواية. كما نادى تسريد العلم، ورجَّ الأسرة/ المجتمع رجًّا، إلى أن مضى إلى أميركا برفقة جوى، كما مضت عزيزة في (طرشقانة) إلى باريس وكما سيمضي غيرهما فيما يلي.

العابرة

مثل ريان الكويتية تنتسب لمياء المصرية في رواية إبراهيم عبد المجيد (العابرة) إلى أسرة ثرية. وقد تميزت هذه التي تتقن عدة لغات بثدييها الصغيرين، وبخشونة صوتها، مما يؤشر إلى الذكورة. ومن ذكورة لمياء أيضًا انجذابها إلى زميلاتها وسلوكها معهن مما يُنظر إليه على أنه تحرّش.

تؤثر رواية (العابرة) القول بالعبور الجنسي على التحول الجنسي، وهو ما تفصل لمياء فيه: “قرأت عن الترانس جندر، يسمونهم عندنا (المتحولون)، لأنهم يولدون وبهم خصائص واضحة لجنس ذكوري أو أنثوي، بينما الخصائص غير الواضحة هي الأقوى لجنس آخر، وهي تعذبهم حتى يعبروا إليها، إلى حقيقتهم”. وتميز لمياء بين العبور الجنسي وبين المثلية التي تعدها مرضًا نفسيًا بخلاف العبور.

تولي رواية (العابرة) عناية خاصة للشأن العام، بينما لا تُعنى بما يتصل بأمر لمياء من العلم وتسريده، بخلاف ما فعلت رواية (حابي) بخاصة. وقد درست لمياء الفلسفة في الجامعة، وصارحت أستاذتها بحقيقة أمرها، وعاشت الطالبة والأستاذة علاقة مثلية. حتى إذا قتلت الأستاذة، وداهم الخطر الطالبة، رضخ الأهل، وأُجريت للمياء العملية، فتحولت إلى حمزة الذي سيُعتقل كمعارض، بينما تزدحم الرواية بالفانتازيا، كتشوه الأطفال في الإسكندرية، أو امتلاء ميدان رمسيس في القاهرة بالثعابين المهولة.

***

من أسفٍ أنني لم أتمكن من قراءة رواية (بدون) ليونس الأخزمي. لكن ما قرأته عنها يبيّن أنها تتمحور حول تحوّل عُلا علوان إلى علي علوان. وسواء أكانت ثمة روايات عربية أخرى للتحول/ العبور الجنسي، أم لا، فالمهم هو ما يعنيه هذا الاشتغال الروائي من تنقيب في الهامش، وفي الكينونة النفسية والجسدية، الفردية والمجتمعية.

التحوّل الجندري في الرواية العربية

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
ديما الكاتب/raseef22- يحرص مؤرخو الفنون، على الفصل بين الفن الإيروتيكي، والفنون الإباحية، مستندين إلى القول: “إن الفن متعدد الطبقات بالضرورة، في حين أن المواد الإباحية أحادية البعد؛ لديها وظيفة واحدة فقط للقيام بها، وهي الإثارة الجنسية، وبالتالي فهي تفتقر إلى التعقيد الرسمي ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015