الدراما السورية: قاصرات وتعدّد زوجات
تبالغ بعض المسلسلات في تصوير انهزام المرأة (فيسبوك)

نور عويتي/ العربي الجديد- في كثير من الأحيان، يبدو أن المنطق الذكوري يتحكم بالدراما السورية بشكل كبير، ويظهر ذلك بشكل واضح من خلال الأساليب التي عالجت بها الدراما السورية قضايا المرأة، مثل قضية تعدد الزوجات، وزواج القاصرات.

البيئة الشاميّة

حتى اليوم، لا يزال صنّاع مسلسلات البيئة الشامية يتعاطون مع موضوع زواج القاصرات وتعدّد الزوجات بطريقة سطحية، بحجّة أن ما يتم تقديمه هو أمر طبيعي في المرحلة الزمنية التي تدور بها أحداث حكاياتهم. لكن هذا ليس صحيحاً؛ ففي كل زمان كان هناك رافضون لتلك الأفكار، إضافةً إلى كونهم لا يصوّرون الأثر السلبي لتلك الممارسات.

على سبيل المثال، أغلب تلك الأعمال تصوّر الفتيات القاصرات متلهّفات للزواج، من دون أن تبيّن مخاطر هذه الخطوة التي قد تؤدّي إلى الموت أثناء الولادة، أو الانعكاس السلبي على نفسية المرأة، وإنما يمر الأمر بشكل طبيعي في جميع الأعمال من دون أي معالجة.

أما موضوع تعدّد الزوجات، فتمّ تصويره بأعمال البيئة الشامية كأمر واقع، ترافقه ردود فعل انهزامية من قبل المرأة، ويجري في بعض الأحيان تجريدها من المشاعر حيال هذا الموضوع؛ حيث غالباً ما تتقبّل الشخصيات النسائية في تلك الأعمال العيش مع باقي زوجات الزوج.

تُبالغ بعض المسلسلات بتصوير ردود الفعل الانهزامية للمرأة، من مساهمة المرأة بعملية تزويج زوجها من فتاةٍ أخرى، والمبالغة بتصوير العلاقات الوطيدة والتآلف ما بين الضرائر؛ كما هو الحال في مسلسل “ليالي الصالحية” (كتابة أحمد حامد وسلمى اللحام، وإخراج بسام الملا)، إذ تختار شخصية أم حامد (نبيلة النابلسي) عروساً ثانية لزوجها المختار أبو حاتم (رفيق السبيعي)، بعد أن يتعرّض ابنهما لحادث يؤدّي إلى وفاته، ليفقد المختار بالتالي وريثه بالمخترة، فتزوّجه أم حامد بفتاة صغيرة بالسن لنتجب له أطفالاً ذكوراً يرثونه، لكونها بعمر متقدّم لا يسمح لها بالإنجاب، وتصبح أم حاتم رمزاً للزوجة الصالحة والمثالية في الحارة بعد ذلك. كما أنه في المسلسل ذاته، تتفاخر زوجات الحلّاق أبو أحمد (سليم كلاس) بمحبتهم بعضهنّ لبعض.

الكوميديا

لم يهتم صنّاع الأعمال الكوميديا بقضايا المرأة، فالمهم بالنسبة لهم هو صناعة النكتة والتسلية، ولو كانت تلك النكتة مبنية على العنف ضدّ المرأة أو الاستهزاء من قضاياها. ربما نبالغ عندما نتوقّع من الأعمال الكوميدية أن تؤدّي مهمّات توعوية، لكن المشكلة تكمن في أن بعض تلك الأعمال صوّرت تعدّد الزوجات وزواج القاصرات كأنها أمور طبيعية، لا حاجة إلى انتقادها أو حتى السخرية منها؛ إذ لا يمكننا أن نغضّ البصر عما يحدث في مسلسل “قلّة ذوق وكثرة غلبة” (تأليف حكم البابا وإخراج هشام شربتجي)، حين تظهر لولو (نادين تحسين بيك) وهي ترتدي الزي المدرسي وتعدّ وجبة الفطور لزوجها صبحي (قصي خولي).

وفي سلسلة “مرايا”، هناك أيضاً عدد كبير من اللوحات التي تضرب عرض الحائط بقضايا المرأة بغية خلق الكوميديا، منها لوحة “مطلَّقة وأرملة وحردانة”.. في اللوحة، تتحدّث المطلَّقة (مها المصري) عن قصة طلاقها من زوجها الذي يُقارب عمره عمر جدّها، وتشير إلى أنها تزوّجته عندما كانت شابة يافعة، لكنها توضّح أن المشكلة بينهما لم تكن بسبب فارق السن، وتقول: “قول هي بسيطة، لأنّو مافي شيء مخالف للشريعة”.

قاع المدينة

تصوّر أغلب المسلسلات الاجتماعية المجتمع السوري بأكمله على أنه متقبّل لفكرة زواج القاصرات، أو فكرة تعدّد الزوجات، إضافةً إلى كون هذه الأعمال تمنح دائماً الرجل المبرّرات للزواج الثاني كمرض الزوجة الأولى، أوعدم قدرتها على إنجاب الأطفال، أو كِبَر سنّها.

غالباً، يتم تصوير المرأة على أنها على قناعة وقبول بأن تكون زوجةً ثانية. ففي مسلسل “قاع المدينة” (تأليف محمد العاص، وإخراج سمير حسين) تقبل شخصية سمر (صفاء رقماني) بأن تكون الزوجة الثانية لـ “أبو ربيع” (خالد تاجا) على الرغم من أنه يكبرها بكثير، وذلك فقط ليأسها من عدم تقدّم العرسان لها، كونها عاقراً.

في سداسية “غريزة” من مسلسل “عن الهوى والجوى”، يجري التعاطي مع تعدّد الزوجات بشكلٍ في غاية السطحية، إذ يُظهر المسلسل أن تعدّد الزوجات هو من غرائز الرجل، ومن الطبيعي له أن يبحث باستمرار عن نساءٍ للزواج، وعلى المرأة أن تتقبّل الأمر. هكذا، يتزوج بطل السداسية، محمد الأحمد، من امرأة ثانية، ويكذب على زوجته الأولى ويعرّفها على الثانية على أنها أخته. وبعد مضي الوقت تكتشف الزوجة الأولى الكذبة، لكن ردّة فعلها تبدو مبنيّةً على منطق ذكوري، إذ تعترف بعدم قدرتها على خسارته وخسارة زوجته الجديدة، التي أصبحت صديقتها، فتفضّل أن تتعايش مع ضرّتها بدلاً من خسارتها.

استثناءات

رغم أنّ الدراما السورية بالمجمل تتعاطى باستخفاف مع قضيتي تعدّد الزوجات وزواج القاصرات، إلا أنّ هناك العديد من الاستثناءات في تاريخ الدراما السورية؛ وأبرز مثال على ذلك المسلسلات التي أخرجها حاتم علي، مثل “الفصول الأربعة”، إذ ينتقد في حلقة “الممنوع مرغوب” قانون الأحوال الشخصية في سورية، الذي يسمح للرجل بالزواج من أربع نساء، وينتقد خضوع بعض النساء وتقبّلهن للأمر.

وكذلك الحال في مسلسل “عصي الدمع”، إذ يطرح العمل نموذجاً خاصاً للمرأة المتديّنة (صباح الجزائري) التي لا تتقبّل بالمطلق فكرة الزواج الثاني في حلقات الدروس الدينية، وترفض البقاء مع زوجها بعد عِلمها بزواجه بامرأة أخرى، رغم الصعوبات المادية التي تواجهها، لكنها تصرّ على موقفها وتتحدّى المجتمع والتقاليد.

 *جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”. 
تبالغ بعض المسلسلات في تصوير انهزام المرأة (فيسبوك)
تبالغ بعض المسلسلات في تصوير انهزام المرأة (فيسبوك)

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015