السوريون يكسرون قيود “العادات والتقاليد” في الزواج
اختلاط عادات وجنسيات & الزواج

حسام محمد/ alquds- يعرّف علماء الاجتماع “الأسرة” بأنها “جماعة اجتماعية أساسية ودائمة ونظام اجتماعي ورئيسي، وهي ليست أساس وجود المجتمع فحسب، بل هي الأخلاق والدعامة الأولى لضبط السلوك والإطار الذي يتلقى منه الإنسان أول دروس الحياة الاجتماعية”.

وأن كل أسرة تعدّ وحدة فريدة من حيث طبيعة تركيبها والأدوار المختلفة لكل أفرادها، وتطرأ عليها تطورات تبعا للبيئة المحيطة والقيم الخاصة لأفرادها.

إلا أن الأسرة السورية، واجهت كتلة من المتغيرات الجوهرية التي طرأت على أسس وطرق تكوينها، بعد الثورة الشعبية التي اندلعت في البلاد، إضافة إلى انتشار الثورة التقنية التي كان لها دور فعال في تطبيق السلوكيات الجديدة، فهذه التبدلات ضربت الأسس التي كانت تسمى بين السوريين بـ “العادات والتقاليد” والتي يمكن تعريفها بالخطوط الاجتماعية الحمراء التي يصعب تجاوزها، إن صح التعبير، إلا أن آلية الوصول لتشكيل العائلة السورية اليوم لم يعد كالأمس، منها التجارب الإيجابية وأخرى كانت بنتائج عكسية لم تنجح في تحقيق المرجو منها.

أعباء المجتمع 

الباحثة في العلوم الإنسانية، الدكتورة سميرة مبيض، تعتقد أن التجارب والخطوات الجديدة التي يسير فيها الشباب، تكسب السوريين والسوريات التحرر من عبء مجتمعي يعقد خطوة تأسيس الأسرة عموما، ويربطها بالمجتمع أكثر مما يربطها بالأفراد المعنيين بها، كما أنه يقيد دور كل من الرجل والمرأة بحكم مسبق بما يتعلق بالمسؤوليات المادية، بينما يتيح الاستغناء عن كثير من هذه التعقيدات، مقابل التركيز على جوهر خطوة بناء أسرة أكثر من ظاهرها، وبأن لا تكون استجابة لضغوط مجتمعية بل نابعة عن إدراك للمسؤوليات المرتبطة بهذه الخطوة، بالإضافة إلى أنها تسمح بالبناء على أسس متساوية بين الطرفين ومسؤولية مشتركة على كافة الصعد.

كما قسمت مبيض خلال حديثها مع “القدس العربي” أسباب الانتقال في تكوين العائلة السورية الحديثة بعد المتغيرات الأخيرة إلى عدة عوامل وهي:

الأول: مواجهة العادات والتقاليد، التي سادت لفترة طويلة في سوريا، نتيجة الجمود والإنغلاق المجتمعي، لمجتمعات حديثة عبر انتقال شريحة كبيرة من الجيل الشاب للإقامة في دول أكثر حداثة وتطورا، ونتيجة لهذه المواجهة كانت التقاليد الحديثة أكثر موائمة وأقل عبئا على السوريين مما ساهم في تبنيها سريعا.

الثاني: الانفتاح الواسع على العادات والتقاليد العالمية عبر وسائل التواصل أو الوسائل الإعلامية المختلفة، والتي تعتبر أكثر حداثة وأقرب لتفكير الجيل الشاب.

الثالث: تراجع في شعبية التقاليد المستندة على الثقافات الدينية وتقدم في مفاهيم الثقافة الإنسانية.

الباحثة مبيض، قالت كذلك لـ “القدس العربي”: “يمكننا القول إننا في زمن ضمور عادات وتقاليد سادت لفترة طويلة، ولم يعد لها انعكاس في وعي السوريين اليوم ولا ذات الأهمية في الأوساط التي يتواجدون ضمنها”.

كما لم تستبعد وجود مقاومة لهذا التغيير في أوساط ما زالت تتمسك بالحفاظ على تقاليدها، لكنها ستضمر مع الزمن أو ستواجه صعوبات بالاستمرارية بحكم أنها ستقابل تدريجيا باستهجان ورفض مجتمعي.

تقييم صعب للنتائج 

لا يمكن الحكم على هذا الانتقال من وجهة نظر الباحثة بالإيجابية أو السلبية، فهو ببساطة استجابة لتطلعات الشرائح التي توجهت له بصورة طبيعية بالإضافة إلى أننا في طور زمني يتضمن مرحلة الانتقال، ولم يشمل كامل المجتمع السوري بعد، وقد تتجلى عنه تعبيرات مجتمعية تتخلى عن التعقيدات وتتبنى الحداثة بأشكال مختلفة تتغير حسب الثقافة التي تحملها كل فئة.

انقسام المجتمع 

في حين، أن الباحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام رشيد الحوراني، يرى أن هجرة السوريين نحو دول العالم لم تكن إرادية، رغم اختلاف بنيتها وطريقتها العامة، وعليه فإن المهتم بدراسة الظواهر الاجتماعية يلاحظ أن السوريين انقسموا إلى قسمين:

الأول: حافظ على عاداته وتقاليده وطريقة إختيار الزوجة أو الزوج مع قليل من الانفتاح على عادات البلد المضيف وخاصةً تركيا، فكثيراً ما نسمع عن شاب في ألمانيا يكلف أهله وأقاربه لاختيار شابة من سوريا أو العائلات السورية المقيمة في تركيا أو الأردن أو لبنان لتكون زوجة المستقبل له وهي النسبة الأكبر.

أما القسم الثاني ونسبته قليلة فقد تماهى مع عادات المجتمع الذي لجأ إليه، وفي كلا القسمين نلاحظ أن الشاب أصبحت لديه نظرة أكثر إيجابية عن المرأة ودورها مما كان عليه في سوريا الذي يعد مجتمعها أكثر المجتمعات ذكورية.

كما أن السوريين، وفق ما قاله الباحث رشيد لـ “القدس العربي”: اتجهوا إلى الاقتصاد في مظاهر الفرح والحفلات نظراً لما يعانيه مجتمعهم الأصلي من حرب وتنكيل، إضافة إلى توزع العائلة الواحدة على أكثر من بلد.

وبشكلٍ عام فيما يتعلق بمسألة الزواج فقد طفت على السطح مجموعة من الظواهر منها السلبي ومنها الإيجابي وهي على سبيل المثال:

– ارتفاع نسبة طلاق السوريات من أزواجهن وخاصةً في أوروبا وهذا يدل على عدم وعي بمفهوم الحرية والحقوق الممنوحة للمرأة في قوانين تلك البلاد.

– عزوف الشباب عن الزواج بسبب غلاء المهر الذي يطالب به أهل الفتاة لضمان وتأمين حياة ابنتهم في هذه الظروف المضطربة وغير المستقرة.

إضافةً، إلى نضج شخصية الفتاة عندما يتقدّم لخطبتها شاب وذلك من خلال مطالبتها الاعتراف بحقوقها التي تحاكي في جزأ منها عادات المجتمع المضيف كاستمرار تعلمها حتى التخرج في ولاية أخرى مثلاً يجري في تركيا في مجتمع السوريين.

مجتمع محافظ 

يعدّ المجتمع السوري، من وجهة نظر الدكتور والأستاذ الجامعي المتخصص في الصحة النفسية فواز العواد قبل الثورة السورية من المجتمعات المحافظة عموما، تلعب فيه العادات والتقاليد دورا هاما في توجيه سلوك الأفراد والأسر وخصوصا في قضية تكوين الأسرة وعادات الزواج.

حيث كانت الصورة المثالية للزواج أن تختار أسرة الشاب زوجة ابنهم بناء على العلاقات العائلية والقرابات من جهة الأب أو الأم، ليكون هذا الأسلوب هو الأكثر شيوعاً لعشرات السنوات الماضية، فالأسرة تنظر لابنها على أنه قاصر عديم الخبرة والحيلة ولا يعرف مصلحته وما يناسبه، فيتحرك الأبوان إلى التشبيك مع مجتمعهم المحلي من صداقات وأقارب لإيجاد الزوجة المناسبة، وغالبا ما يكون الاختيار للأم، فهي من تقدر مناسبة الفتاة لابنها. وفي المقابل كانت هذه الأسر وإلى وقت قريب تتحكم في اختيار زوج ابنتهم وفق معاييرهم وعاداتهم.

تصدّعات إبان الثورة 

ويقول العواد لـ “القدس العربي”: لا شك أنّ هذا الأسلوب التقليدي في تشكيل الأسرة في بعض البيئات السورية المحافظة كان له بعض المحاسن في بعض الحالات، إلا أنه لا يمنح ضمانة أكيدة لتكوين أسرة مستقرة، فالزوج لا يقابل شريكة عمره إلا لقاء واحداً أو اثنين ولمدة دقائق قبل الموافقة وبدء الحياة الزوجية المليئة بالتناقضات والأحداث.

لقد رافقت الثورة السورية تصدعات اجتماعية وأخلاقية كبيرة كانت الأسرة السورية أحد ضحاياها ـ حيث اضطر ملايين الناس للجوء والنزوح من داخل سوريا وخارجها بحثا عن الأمان والاستقرار والمعيشة، مما تطلب منهم العيش في بيئات جديدة ومع أناس مختلفين عنهم في العادات والقيم.

فيما صاحب ذلك كله أيضا اضطرار المرأة السورية إلى الخروج إلى العمل بكل طاقتها لتأمين متطلبات العيش لأبنائها أو أسرتها، خصوصا مع غياب عشرات الآلاف من الرجال والشباب في سجون النظام السوري، واستشهاد عشرات الآلاف أيضا في المواجهات الميدانية، ما اضطر المرأة السورية إلى الاختلاط مع مجتمعات جديدة واكتسابها ثقافة هذه المجتمعات المضيفة إيجابيا وسلبيا في أحيان أخرى.

وكما تقدم أن المجتمع المعاصر، وفق ذات المصدر، الذي تعد ثورة الاتصالات سمته المعاصرة أصبح موجها جديدا للقيم الشخصية للأفراد، وليس شباب سوريا وفتياتهم بمعزل عن هذا الفضاء الافتراضي الواسع وما يحمله من نظرة جديدة للحريات ومفاهيم جديدة للأسرة والعادات والتقاليد، الأمر الذي أظهر لنا أنماطا جديدة من السلوكيات ظهرت في المجتمعات السورية اللاجئة والمهاجرة.

ويعدّ تكوين الأسرة السورية أحد المؤشرات الساطعة على تغييرات جذرية في أنماط التفكير والتحرر من الطرق التقليدية في الزواج التي عرفت به الأسرة السورية قبل الثورة السورية.

لقد أصبحنا نجد أن الشاب يختار زوجته التي تعرف عليها من خلال الدراسة أو العمل ويتوجه لخطبتها بعض النظر عن موافقة أسرته أو رضاهم.

وفي المقايل نسمع عن حالات كثيرة لفتيات تفرض على أهلها زوجها الذي ترغب به، ولا شك أن للمرأة والفتاة الحق في اختيار زوج الحياة، لكننا كسوريين لم نشهد سابقا تحدي الفتاة لأسرتها بأنها ستتزوج في من ترغب وحتى في حالة عدم موافقتهم، الأمر الذي يعني مزيدا من التصادم داخل الأسرة وحدوث شروخ نفسية بين أفرادها.

مع يقيننا بأحقية الفتاة بأن تتزوج ممن تحب، ولكن مع ضرورة مراعاة قبول الأبوين ومباركتهم لهذا الزواج.

خطر العالم الإفتراضي 

إن أخطر ما يهدّد استقرار الأسرة عالميا اليوم والأسرة السورية على وجه الخصوص، وفق ما يقول الدكتور فواز العواد لـ “القدس العربي” هو الالتجاء إلى العالم الافتراضي لتكوين صداقات وقصص حب للوصول إلى شريك العمر والزواج به، وخصوصا في بلدان اللجوء التي تدفع بهؤلاء الشباب للانخداع بهذه العلاقات التي تكون في كثير من الحالات وهمية تخفي خلفها شخصيات مختلفة تماماً كتلك التي يرسمها كل طرف للآخر.

حيث يتم اكتشاف الحقائق بعد الزواج، ويظهر زيف الأخلاق وانحطاط التفكير ولربما تظهر أمراض نفسية صادمة. وهنا يمكننا القول إن تكوين الأسرة السورية اليوم أصبح ضمن إطارات جديدة بعيدة عن العادات والتقاليد المتعارف عليها، كان لهذه التغيرات مظاهر إيجابية إلى حد ما، من سهولة الزواج وانعدام الشروط التعجيزية لأسر الفتيات، إلا أننا في الوقت نفسه نلاحظ تصدعات هائلة في بنية الأسرة السورية من خلال مؤشر كثر حالات الطلاق بشكل مرعب. الأمر الذي يؤشر إلى خلل وعدم نضح في الاختيارات ابتداء وهنا يلزم الباحثين الاجتماعيين المزيد من الدراسات الميدانية للتوقف على هذه الظاهرة التي تجتاح الأسرة السورية في بلدان اللجوء خصوصا للوصول إلى الأسباب وعلاجها.

فالأسرة السورية هي صمام الأمان لتكوين جيل المستقبل لو تصدعت خسرنا الأمل في كل شيء.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”. 

اختلاط عادات وجنسيات & الزواج

اختلاط عادات وجنسيات & الزواج

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015