العنف ضدّ النساء عابراً للفرات
عنف يمارس على النساء في ظروف من الحرب والخوف والتهجير وشحّ لقمة العيش على ضفتي نهر الفرات

مرح البقاعي/alarab- هل هي الضغوط الاجتماعية الخانقة وبعض العادات والتقاليد الرثّة التي تمارس على نصف المجتمع الناعم حصرا، أم هو الوضع المعيشي الصعب وغياب الشعور بالأمن والتبعية الاقتصادية لأولياء الأمر، ما يدفع امرأة في ريعان العطاء والشباب لتقدم على إنهاء حياتها؟

لماذا تنتشر هذه الظاهرة المرعبة اليوم أكثر من أي يوم مضى، هل هي الحرب وغياب الشعور بالأمن والاستقرار في ظل الاقتتال المتنقّل والمباغت من مكان لآخر في سوريا؟ أم هو زواج القاصرات القسري الذي يدفع الفتيات الصغيرات إلى تفضيل الموت على دخول حياة غريبة عنهن وعن سنوات عمرهن الغضّة، بل وتناقض طفولتهن التي يسرقها زوج جانٍ من الطفلة – الزوجة المجني عليها؟ وللأسف الشديد تتم هذه الجريمة بتسهيل ورضا من أهل الفتيات القاصرات وتشريع من القانون.

شهدت مدينة كوباني السورية الواقعة  شرق الفرات مؤخرا تصاعدا مقلقا للغاية في إحصاءات العنف الممارس ضد النساء. وصل الأمر في بعض تلك الحالات إلى الانتحار، مع دخول بعض الفتيات حالة من اليأس والإحباط دفعت بهن إلى الإقدام على إنهاء حياتهن.

هيئة المرأة، في منطقة شرق الفرات، أطلقت جرس الإنذار إثر الإحصاءات التي أجرتها منذ بداية العام الحالي لرصد حالات الانتحار بين النساء وكانت النتيجة صادمة. فقد أقدمت امرأتان في كوباني على إنهاء حياتهما، بينما وقعت 11 محاولة انتحار، وحالتان للقتل العمد، وحالتان للاشتباه بالقتل أو الانتحار.

كما أظهرت الاستطلاعات أن أعمار النساء من الضحايا من أهل مدينة كوباني تراوحت بين 15 و35 عاما. آخر حادث مؤسف وقع في التاسع من شهر أغسطس الماضي حين قُتلت صبيّة تبلغ من العمر 30 عاما بطلق ناري غادر، ولم يعرف حتى الآن ما إذا كانت المرأة قد أنهت حياتها أم تم قتلها عمدا، لأن التحقيقات لا تزال مستمرة بحسب إعلام الأمن الداخلي في المدينة.

أما على الضفة الثانية من نهر الفرات، وفي قرية الركايا، من ريف إدلب، فقد تناقلت وسائل الإعلام صور قبر الأم الصبية، ميساء درباس، البالغة من العمر 33 عاماً، والتي أقدمت على الانتحار لأن أمومتها لم تعد تحتمل العنف الممارس عليها من طرف زوجها وابتزازه لأمومتها بحرمانها من لقاء فلذات كبدها. والمغدورة ميساء تزوجت منذ سبعة أعوام ولها ثلاثة أطفال من زوجها الذي منعها من مشاهدة أطفالها بعد أن طلّقها.

عنفٌ يُمارس على النساء في ظروف من الحرب والخوف والتهجير وشحّ لقمة العيش على ضفتي نهر الفرات، الذي يعبر سوريا ويشهد على هذا القهر والحزن اللذين يبدوان وحدهما ما يربطان الآن شرق النهر بغربه.

هذه الجرائم المسكوت عنها في سوريا لا بد أن تنتهي وإلى الأبد من مجتمع يرنو إلى تأسيس دولة المواطنة المتساوية، حيث تتمتع المرأة بحقوق وواجبات المواطنة كافة أسوة بالرجل. فالثورة السورية التي خرجت بنسائها ورجالها في العام 2011 لن تكتمل إلا إذا اقترنت ببرنامج حازم لتحرير الإنسان السوري، والمرأة أولاً؛ برنامج يضمن حقوق المرأة كاملة على الصعد الاجتماعية كافة، وكذلك مساواتها الدستورية والقانونية التامة مع الرجل في الحقوق والواجبات.

أما الدستور القادم في سوريا الجديدة، ومجموعة القوانين الديمقراطية التي ستنبثق عنه، فيجب أن تؤكّد على حرية المرأة واحترام خصوصيتها واحترام جسدها وعقلها وعواطفها، وتضمينها في القوانين والتشريعات كافة، وتمكين نفاذها عن طريق تفعيل الأدوات والمؤسسات الموازية وإنشاء الروادع القانونية والعقابية لكل من يستمر في الاعتداء على هذه الحقوق تحت أي مبرّر.

من المثير للقلق والألم في آن، أنه بالرغم من اعتماد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1979 لا يزال العنف ضد النساء والفتيات منتشرا في العالم، ومجتمعنا هو الأكثر هشاشة ضمن ظروفه الراهنة من هذا العالم.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن هناك دولتين فقط من أصل ثلاث دول من العالم قامتا بتجريم العنف الأسري، في حين لا تزال 37 دولة تعفي مرتكبي الاغتصاب من المحاكمة إذا كانوا متزوجين بالضحية أو أنهم يتزوجون في النهاية من الضحية إثر الاعتداء عليها وفقا لمصالحات تجري بين عائلتي الطرفين في هذا الشأن، بينما تحصي الأمم المتحدة 49 بلدا لا توجد فيها قوانين تحمي النساء من العنف المنزلي.

هذه الأرقام بحد ذاتها مرعبة، وتشير إلى وقوع الملايين من النساء في العالم تحت تهديد العنف المنزلي، والانتقام القائم على النظرة المتخلّفة والمتكبّرة للمرأة على أنها الطرف الأضعف، والاعتداء اللفظي أو الجسدي، وذلك دونما تجريم أو محاسبة للرجال مرتكبي هذا الفعل سواء كانوا من أقرباء الضحية أو من الغرباء عنها.

في هذا السياق، حددت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 25 نوفمبر يوما دوليا للقضاء على العنف ضد المرأة، ودعت الحكومات والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية إلى تنظيم فعاليات ذلك اليوم المخصص للتعريف بهذه المشكلة، ما يمهد الطريق نحو القضاء على العنف ضد النساء والفتيات في جميع أنحاء العالم.

العنف ضدّ المرأة هو حالة من الغريزية المرضية التي تحمل الرجل المصاب بهذه اللوثة الذكورية على تنصيب نفسه سيدا مطاعا وحاكما بأمره على نساء بيته، وتوحي له بأنه المسيطر والمتحكّم بأجسادهن وعقولهن ومستقبلهن بلا معترض أو منازع.

هذا المرض المجتمعي لا يمكن البرء منه إلا بإبرام قوانين محلية تندرج ضمن شرعية حقوق الإنسان العالمية وتضمن حقوق المرأة في مجتمعاتها مهما تغايرت الظروف الاجتماعية والسياسية من مكان إلى آخر، فالإنسانية واحدة في كل مكان، وهي لا تغيّر شرطها القائم على المساواة بين الجنسين والاحترام المتبادل ورعاية الحقوق.

عنف يمارس على النساء في ظروف من الحرب والخوف والتهجير وشحّ لقمة العيش على ضفتي نهر الفرات

عنف يمارس على النساء في ظروف من الحرب والخوف والتهجير وشحّ لقمة العيش على ضفتي نهر الفرات 

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015