القانون رقم 2 لعام 2020 بين القبول والرّفض
القانون رقم 2 لعام 2020 القاضي بإلغاء المادة 548 من قانون العقوبات وتعديلاته الخاصة بمنح العذر المخفف لجرائم الشرف.

المحامية سنابل سليمان/ مركز المواطنة المتساوية- قبل أيام ٍ صدر القانون رقم 2 / 2020 / القاضي بإلغاء المادة /548/ من قانون العقوبات السّوري والتي كانت تُعطي عذراً مخفّفاً لمرتكب جريمة قتل الزوجة أو أحد الأصول أو الفروع، إذا فاجأهم في جرم الزّنا المشهود.

وقد كان ذلك العُذر يخفّف العقوبة على الجاني بذريعة الشّرف على الرّغم من أنه ليس في ذلك أي معيارٍ للشّرف، إذ كيف يتحقق شرف الإنسان في قتله لإنسانٍ آخر؟، وكيف إذا كانت الضحية أحد أفراد عائلة القاتل؟. فختامها من يتجرّأ على القتل هو مجرّد مجرم يفتقد للإنسانية مهما كان السبب أو الدافع.

وتعود أصول المادة /548/  للقانون الفرنسي الذي استمد  قانون العقوبات السوري معظم التشريعات المدنية منه، وقد تخلّى القانون الفرنسي عن تلك المادّة، ومواد أخرى، منذ سبعينيات القرن الماضي، فيما بقيت بلادنا ترزح تحت وطأة تشريعات لم تعد صالحة لهذا العصر، رغم المحاولات الجادة والحثيثة التي يقوم بها بعض الحقوقيين لإلغاء الكثير من تلك التشريعات التي يتضمنها القانون السوري كعقوبة الإعدام مثلاً، وذلك تماشياً مع تطور المفاهيم والقوانين العالمية المعاصرة.

ويُعتبر هذا القانون في واقع الأمر خطوة جيدة، في اتجاه تطوير بعض القوانين ذات الطابع البدائي، وقد تُساهم بدورها في تطوير طريقة تفكير المجتمع شيئاً فشيئاً. وقد حقّق صدى المرسوم الكثير من التّأييد والرّضا والقبول لدى معظم السوريات والسوريين المهتمات والمهتمين بحقوق المرأة، حيث امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصّة الصفحات القانونية وصفحات منظمات المجتمع المدني، بعبارات السّرور والتّرحيب بهذا الإنجاز الذي يصبّ في مصلحة المرأة السّورية،  متطلّعةً بكثيرٍ من التفاؤل نحو إلغاء كافة المواد التّمييزية والمجحفة بحقّ المرأة، على أمل الوصول إلى تحقيق المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بينها وبين الرّجل.

ومن بين التعليقات المؤيدة لقرار إلغاء المادة، والتي ضجّت بها بعض صفحات الفيسبوك، جاء في تعليقٍ  للزميلة (س.س) ردّاً على بعض الزملاء الرافضين لقرار الإلغاء: “كلام يبعث في النفس الإشمئزاز والإحباط .. إذا الإنسان المتعلم والمثقف هيك رأيو وعم يشجع جرائم الشرف فما بالك بالجاهل؟ .. مجتمع ذكوري متخلف بامتياز”.

من جهتها ردّت (د.د) ، وهي زميلة أخرى مؤيدة لقرار الإلغاء، بقولها: “لماذا لا يعاقب الرجل على الخيانة؟، و لماذا تنعدم عنده كل قصص الشرف والأخلاق تحت شعار: (عيبو على سباطو)؟.. إذاً فليحاسب الجميع بالتساوي”.

وقد جاء في تعليق للزميل (ع .ح) : “القتل ليس حلاً، وعملية ربح قاتل طليق في المجتمع ليست مجدية. هذا المرسوم سليم بالمطلق وسياسي بامتياز”.

و في صفحةٍ أخرى علقت (ي ف) على القرار بقولها: “لسه رح نعمل شغلات كتير للظهور بمظهر حضاري”.

ورغم أهمية هذا القانون خرجت بعض الردود الغاضبة معلنةً رفضها واستنكارها لإلغاء تلك المادة، زاعمةً أنّه سيضرّ بأخلاق المجتمع وسيفتح المجال لإنتشار الرذيلة.

ففي صفحة “الجزّار للقانون” على موقع فيسبوك علق (ن.ن)، أحد المشتركين  في الصفحة، بتلك العبارة : “بداية النهاية للنخوة والشّرف”، وقد أيَّده (ن.أ) بالقول: “الشرق شرق والغرب غرب”. وهنا يُطرح سؤال: كيف يمكن للبعض إباحة القتل تحت عنوان النّخوة والشّرف؟. ومتى كان المجرم يحظى  بالشّرف أصلاً؟ ألا تكمن النّخوة في احتضان الآخر وحمايته وليس في قتله وازهاق روحه؟.

من جهة أخرى علقت الصديقة (ر.خ) عبر  صفحتها  على الفيس بوك ساخرةً من الأمر: “سورية تتجه نحو التأنيث، يا معشر الرجال احذروا من القادم فهو خطير  بحقكم”.  فيما علقت الزميلة (خ.ش) على القرار بقولها: “أنا ضدّ إلغاء هالمادة”.

ليس غريباً أنْ يُعارض بعض الرّجال هذا القانون، ولكن كيف لإمرأةٍ أن تُعارض تعديل قانونٍ من بين عشرات القوانين البدائية المتوارثة التي تنتقص من كرامتها وتنظر إليها بدونية وتعاملها كتابعة للرّجل، الذي تبقيه المُسيطر الوحيد في المجتمع؟. وكيف لإمرأة أنْ تكون ضدّ تمكين النّساء ونيلهنّ لحقوقهنّ معتبرةً الأمرَ تمرداً؟، وكيف ترضى بالرّضوخ تحت سلطة العبودية اقتناعاً منها بأهمية الشّرع والدّين والأعراف وضرورة السّير على خُطى السّلف، ناسيةً حقوقها الطبيعية بالمواطنة؟. وبالنّظر إلى ذلك يبدو أننا سنحتاج إلى وقتٍ طويلٍ من أجل تغيير هذه المفاهيم غير العادلة والمجحفة بحقّ المرأة كي يتقبل المجتمع أنّ المساواة حقٌّ وأمرٌ طبيعي للمرأة، وليست مجرد منحةٍ من الرّجل.

تُشكّل حرّية المرأة وانعتاقها من كافّة أشكال العنف حالة رُقيٍ وازدهارٍ لأسرتها ومجتمعها، ومن ثمّ لدولتها. لذا ينبغي علينا أنْ نرتقي بأنفسنا أولاً، وأنْ نسعى بكلّ ما نستطيع نحو الإرتقاء بمجتمعنا ثانياً، وذلك ابتداءاً بتعديل وتطوير القوانين التي تُشكّل حجر الأساس نحو أيّ تغيير. ومن هنا يجب استغلال أي منفذٍ، من أصغر حلقة في المجتمع لأكبرها، لنعبّر من خلاله نحو ما نسعى إليه ولنكون مؤثرين وفاعلين، سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي، أو منصات المجتمع المدني، مروراً بالدّوائر والمؤسّسات الرّسمية لنشكّل بذلك قوةً ضاغطةً على صنّاع القرار لكي تحصل المرأة على كامل حقوقها، والحلّ يبدأ من تنفيذ الاتفاقيات الموقعة على إلغاء كافّة أشكال التّمييز ضدّ المرأة.

القانون رقم 2 لعام 2020 القاضي بإلغاء المادة 548 من قانون العقوبات وتعديلاته الخاصة بمنح العذر المخفف لجرائم الشرف.

القانون رقم 2 لعام 2020 القاضي بإلغاء المادة 548 من قانون العقوبات وتعديلاته الخاصة بمنح العذر المخفف لجرائم الشرف.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015