القضاء على العنف ضد المرأة.. الطريق لا يزال طويلاً
مناهضة العنف ضدّ المرأة

مهرناز العوضي/ جريدة الرأي- يُعتبر سَنُّ قوانين لمناهضة العنف ضد المرأة في الدول العربية اتجاهاً جديداً إلى حدٍ ما. فلعقود خلت، لم تكن الدول العربيةتولي أهمية لاستحداث قوانين لمناهضة العنف ضد المرأة. فقد كانت هذه الدول تتعامل مع الحالات القليلة التي تصل إلى القضاء على أنها شأن أسري وخاص، وليس شأناً عاماً يضر بمقدّرات المجتمع كله. وعادةً ما كانت تلك الحالات تعالَج في إطار القانون الجنائي الذي يتعامل مع العنف الموجَّه من غريب في الشارع أو الموجَّه من رجل إلى رجل خارج إطار المنزل أو الأسرة. وأحكام القانون الجنائي بشكل عام في الدول العربية لا تلحظ خصوصية العنف الأسري الذي يكون موجهاً ضد المرأة من أقرب الناس إليها.

وبالتالي، فإن اللجوء إلى هذا القانون في معالجة حالات العنف ضد المرأة يعني استبعاد علاقات القوة والسيطرة الذكورية التي تحكم الأسرة والتي بطبيعتها تحول دون تمكُّن المرأة من حماية نفسها وتكرس معاملتها كتابعة، كما تعطي للرجل حقاً، نادراً ما تتم مجابهته، لممارسة العنف ضد أقرب الناس إليه.

ولطالما ندَّدت المنظمات النسوية ومنظمات حقوق الانسان بذلك النظام المجحف للمرأة والذي لا يأخذ في الاعتبار أثر علاقات السيطرة والقوة على تدنّي وضع المرأة في الأسرة والمجتمع وتهميشه. وبعد سنوات من النضال، بدأ يظهر بصيص من الأمل إذ بدأت الدول العربية تدرك الآثار الكاملة للعنف على السيدة المعنّفة والأسرة ككل. كما أصبحت هذه الدول تعي أن العنف ضد المرأة يضر بميزانية الدولة واقتصادها ورفاهها، بالإضافة إلى أنه يسيء إلى وضعها على المستوى الدولي. فقد أصبحت مكافحة العنف ضد المرأة معياراً تستخدمه المنظمات الدولية والجهات المانحة في قياس التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مختلف البلدان. وبالفعل، سنَّت ست دول عربية قوانين لمناهضة العنف الأسري، ونشهد حالياً ازدياداً ملحوظاً في عدد الدول العربية التي تناقش برلماناتُها مشاريع قوانين بهذا الخصوص.

ولكن، تبقى إشكالية أساسية مطروحة وهي ضعف تطبيق القوانين، مما يشكِّل ضربة قاضية للجهود الوطنية المبذولة. ولذا، من الضروري أن تُلحَق بالقانون مبادئُ إجرائية واضحة تضمن تفسيره وتطبيقه بشكل يحقق الإنصاف والعدالة للمرأة. كما يجب أن يتضمن القانون أوامر حماية كتدابير مؤقتة لحماية المرأة. وقد تشمل أوامر الحماية تدابير لضمان الحصول على تعهُّد من الجاني بعدم التعرض للضحية وبأن يتكفل بدفع تكاليف علاج الضحية إذا اقتضى الأمر. وقد يصل الأمر إلى ضمان ضرورة نقل الضحية إلى مكان آمن على نفقة الجاني إلى أن تستقر الأمور. فبدون تلك التدابير ستظل القوانين معطلة ويسهم تعطيلها في مواصلة الإضرار بالنساء.

ولتكتمل الدائرة وتصل جهودنا إلى السيدة المعنّفة، يجب تقديم حزمة من الخدمات القانونية والنفسية والصحية وضمان وصولها إلى السيدة وتطوير البرامج التأهيلية لمساعدتها على تجاوز ما مرت به وإعادة دمجها في المجتمع. ويجب أن تبدأ جهود توفير الحماية بتدريب العاملين في مراكز الشرطة والقضاء والمستشفيات على تقديم المشورة لضحايا العنف. فقوانين بلا خدمات كالثلج تحت حرارة الشمس، لا قيمة لها. ومن المهم أن تجد المرأة في مركز الشرطة مَن يسألها عن مشكلتها ويُسرع في تحرير محضر بالحالة ويقدم بعض التدابير المؤقتة إذا لزم الأمر. كما ينبغي على مقدمي الخدمة للضحايا الامتناع عن لعب دور في المصالحة أو الاستعانة بأهل الضحية. وإذا ذهبت المرأة إلى المستشفى، يجب أن تجد مَن يقدم لها الرعاية ويحترم خصوصيتها ويحيلها إلى الخدمات التالية عبر نظام إحالة وطني ورسمي. فالهدف من تقديم كافة الخدمات هو تمكين المرأة من أخذ القرارات الأفضل لها وليس سلبها هذا الحق باتخاذ القرارات عنها.

وبما أن العنف ضد المرأة يمارَس في ظل ثقافة مجتمعية لا تحترم المرأة ودورها، بما في ذلك المناهج الدراسية التي تكرس صوراً نمطية حول دور المرأة، ووسائل الإعلام التي تروِّج صورة للمرأة ذات الحضور الضعيف وغير القادرة على اتخاذ القرار. هذه الموروثات يجب معالجتها لحل جذور المشكلة. فقد حان الوقت لاحترام المرأة والتعامل معها على أنها إنسان كامل، فالموضوع لا يتعلق بحقوق جزء من المجتمع وإنما بالمجتمع ككل وفرصه في الارتقاء اقتصادياً واجتماعياً.

مهرناز العوضي؛ مديرة مركز المرأة التابع لـ (الإسكوا)

مناهضة العنف ضدّ المرأة

مناهضة العنف ضدّ المرأة

أترك تعليق

مقالات
محمد يسري/ رصيف22- تتفق معظم القوانين المنبثقة عن الدساتير المعاصرة، على تحديد سن أدنى للزواج، وذلك فيما يخصّ المرأة أو الرجل. تلك القوانين، راعت مصلحة الطرفين المشاركين في العلاقة الزوجيّة، بحيث لا يعاني أحدهما، من جراء تغوّل بعض العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعيّة، والتي قد تضرّ ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015