تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية » المرأة السعودية والشريعة
المرأة السعودية والشريعة
المرأة السعودية اليوم

لطيفة الشعلان/جريدة الحياة- دخلت مكتبي لأجد من ضمن البريد الجديد الذي ينتظرني ثلاثة كتب، الأول عنوانه «الرياضة والكشافة للبنات في المدارس والجامعات». والآخر عنوانه «حكم قيادة المرأة للسيارة». والثالث عنوانه: «حكم تقنين منع تزويج الفتيات أقل من 18 سنة». المشترك بين الكتب الثلاثة خلاصة واحدة وهي تحريم ما ورد في عناوينها. والكتب جميعها هي لمؤلف واحد، كما تكرر اسم المراجع نفسه على الأغلفة الثلاثة. بعد ذلك بأيام قلائل، تناقلت وسائل الإعلام السعودية خبر فسخ زواج رجل يبلغ الثمانين من عمره من قاصر في منطقة جازان، إثر تقدّم الرجل بدعوى لتطليقها، لعدم تمكينه من نفسها كما نص الخبر. استعادت ذاكرتي أثناء ذلك عنوان الكتاب الثالث المذكور آنفاً، وعبارة «الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة»، الممهورة على غلافه السميك الباهت.

ومع ما في حكاية الصبية من دراما شخصية موجعة، إلا أن الجوهري فيها يتجاوز ذلك إلى استمرار الوضع المتمثل في عدم منع زواج القاصرات بقوة القانون. فلا يخفى على أحد أن بعض المناطق السعودية على نحو خاص تشهد إتمام زيجات لبنات قاصرات يذهبن ضحايا للجهل وتخلّف الأعراف الاجتماعية.

كثيراً ما نسمع مقولة غامضة مفادها أن الشريعة كفلت حقوق النساء. وشخصياً، ليس في وسعي أن أحصي عدد المرات التي صادفتني فيها هذه المقولة خلال الأسابيع الأخيرة فقط، سواء في مناقشاتي مع آخرين، أو من خلال استشهادات بعضهم في المقالات والندوات ومواقع التواصل الاجتماعي. مقولة لا تحمل في ثناياها أي معنى محدد، ولا تُحيل إلى قيمة واضحة، إذ لا يعي إلا القلة القليلة من الناس ماهية هذه الحقوق التي كفلتها الشريعة للمرأة، وما هو مداها، وكيف يمكن تحويلها من أفكار نظرية إلى ممارسات تطبيقية، تقرر أهلية المرأة، وتخلق حالة من الوعي بكرامتها واستقلاليتها، وتساهم في تمكينها على المستويات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

فبيت القصيد ليس في البديع ولا في الشعارات المثالية التي تُرفع في وجه المطالبين بحقوق المرأة، في لعبة تيارات لا يُراد لها أن تنتهي. بيت القصيد هو في تعريف هذه الحقوق الشرعية وتفصيلها حقاً حقاً، وإنزالها إلى واقع النساء ومعاشهن، من خلال ترجمتها في مواد قانونية مكتوبة.

هذا المشروع الكبير تلزمه ابتداء غربلة الشروط المتخلفة التي تحكم أوضاع النساء، وقد سنّتها العادات والأعراف القبلية والاجتماعية لا النصوص الدينية. في إمكانك أن تُحدّث امرأة حتى قيام الساعة عن مكانتها السامية في الإسلام الذي صان كرامتها وحفظ لها حقوقها، لكن ما سيعنيها حقيقة هو ما تكابده فعلياً في حياتها اليومية، مثل ملفها العالق في المحاكم لسنوات مع زوج هجرها، أو استجدائها اليومي لسيارات الأجرة تحت الشمس الحارقة، أو التزويج القسري لفلذة كبدها القاصر، أو وقوعها تحت طائلة العنف الجسدي والنفسي، وهكذا.

أحياناً، أتذكر الإشارة الساخرة التي تلمح إلى مقدار ما يفتقده بعضنا من أساليب سليمة في التفكير والاستدلال، وربط هذا بعدم دراستنا المنطق في مراحلنا التعليمية كافة. في محاضرة لي قبل شهرين عن العنف الأسري، قاطعتني بغضب إحدى حاملات درجة الدكتوراه قائلة: أين أنتنّ من الأرقام الإحصائية لحوادث العنف المنزلي في بريطانيا والولايات المتحدة؟!

أجبتها بأن العنف ضد النساء يوجد بنسب متفاوتة في كل مكان على كوكب الأرض، لكن هذا ليس القضية. القضية تنحصر في أبعاد ثلاثة: في الثقافة التي تشرعن أو تتسامح مع هذا العنف تحت أية مبررات. وفي الحماية الحقوقية والمؤسسية للمرأة التي تقع ضحية للعنف. وفي القانون العقابي الرادع الذي يحاكم به من يقترف هذه الجريمة ضد النساء، أياً كان أصله أو معتقده. بالتالي، لا يوجد سياق منطقي للمقارنة بهذه الدول.

نحن في حاجة ماسة إلى العزيمة الصادقة والمرونة العقلية في قراءة الموروث الإسلامي، وإلى فحص رحابة الاختلاف بين اجتهادات الأئمة الأربعة، لنفهم ما يُردد آلياً ويومياً على مسامعنا عن الحقوق التي كفلها الإسلام للمرأة. لن يكون الحديث عن هذه الحقوق ذا معنى من دون فقه واقع وفقه موازنات، ومن دون ضخ دماء شابة واجتهادات منفتحة في جسم الفتوى. الملاحظ أن الفتوى المستنيرة في موضوعات المرأة تواجه مع ندرتها ضغوطات غير خافية، إذ سرعان ما يقول أحدهم إن اجتهاده خضع للتحريف أو لسوء الفهم، أو يبادر بالتعويض في مناسبة أخرى بفتوى متشددة في موضوع مقارب، والأمثلة عديدة لمن يشحذ ذاكرته قليلاً.

كما لن يكون الحديث عن هذه الحقوق ذا معنى من دون مواءمة معقولة، كالتي قام بها بعض العرب والمسلمين بين النصوص وروح الإسلام، وما ترتب على ذلك من عصرنة لمدونة المرأة الفقهية. وعلينا أن نسأل أنفسنا دائماً ذلك السؤال المكرور: هل أصبحت هذه المجتمعات في مصر وتركيا وتونس، مجتمعات خارجة عن إسلامها ومتحلّلة من خصوصياتها الحضارية حين فعلت ذلك؟!

تاريخياً، نحن لم نعرف نموذج المصلح الاجتماعي النهضوي، مثل ذاك الذي ظهر في مصر أو تونس، ووقف مشروعه على النقد الاجتماعي واستنهاض الوعي. وما زال بعض السعوديين المتعطشين للنماذج التاريخية، ينسبون بفخر للراحل عبدالكريم الجهيمان موقفاً تمثل في المطالبة بتعليم الفتاة كلّفه غالياً. لكن الراحل، وهو كبير بلا شك، لا يمكن وضعه في أي حال من الأحوال في مصاف المصلحين الاجتماعيين من أمثال رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين أو الطاهر الحداد، وما ساهم به كل واحد منهم في تمكين المرأة المصرية والتونسية. فكتب مثل «المرشد الأمين للبنات والبنين» لرفاعة الطهطاوي، أو «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» للطاهر الحداد، أو «المرأة الجديدة» لقاسم أمين، أسست لوعي نسوي وطروحات نهضوية لافتة.

وفي العصر الحاضر، لا يوجد من السعوديين من خصص مشروعه لسؤال المرأة، في حين نجد عدداً ممن خصصوا مشروعاتهم لشتى القضايا الفكرية أو النقدية الأدبية. وقد حاولت مجموعة من كاتبات وكتاب الرأي السعوديين سد هذا الفراغ، على رغم حملات التخوين الممنهجة ضدهم على مدى سنوات. واستطاعوا بخاصة مع تغير وجه الزمن، موازنة الاختطاف السروري لقضية المرأة. وأعتقد أن حكاية كُتّاب الرأي الوطنيين في الصحافة السعودية لم تُكتب بعد. لقد لعبوا دوراً لا يمكن إغفاله في مناصرة قضايا المرأة، والمطالبة بحقوقها في المواطنة، والتمهيد لعدد من القرارات الإصلاحية في هذا الشأن.

من جهة أخرى، نحن لا نملك حراكاً نسوياً منظماً كالمشاهد في عدد من الدول العربية. فالتيارات النسوية في العالم العربي التي نهضت بواقع نساء الحرملك، وأنضجت تالياً وعي المرأة، تشكلت ضمن إطار حركات التحرر الوطني ومقاومة المستعمر. في مصر، كانت ثورة 1919 كما وصفها خليل أحمد خليل، هي المخاض الذي خرج من رحمه جنين الحركة النسائية، وذلك حين انخرطت النساء بين الجماهير، غير عابئات بالقيود الاجتماعية والثقافية.

وفي واقعنا، لم توجد قط اتحادات أو هيئات نسائية، حكومية أو غير حكومية. وكما ذكرتُ ذات مرة، فالنخبة النسوية في السعودية، أخفقت في تنظيم نفسها وعقد تحالفاتها، وبدا أن أحداث السادس من تشرين الثاني (نوفمبر) 1990 شكّلت جرحاً تاريخياً لم يتم التعافي منه.

(لطيفة الشعلان: كاتبة وعضو مجلس الشورى السعودي)

المرأة السعودية اليوم

المرأة السعودية اليوم

أترك تعليق

مقالات
عمان/ القدس العربي- أظهر التقرير السنوي الصادر عن دائرة قاضي القضاة لعام 2017 أن الأردن يشهد يومياً تسجيل 213 عقد زواج من ضمنها 29 حالة لزواج مبكر “زواج في الفئة العمرية 15-18 عامًا”، كما يشهد تسجيل 71 حالة طلاق “رضائي وقضائي” من بينها 15 حالة طلاق مبكر. وسجّل ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015