المرأة السورية تتجاوز التنظيمات النسوية
تمكين المرأة

إيمان أحمد ونوس/ جريدة الحياة- لا شكّ أنّ للحركة النسوية السورية تاريخاً طويلاً بدأ مع نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، أثمر عن تغييراتٍ في المجتمع، حيث كانت هناك نساءٌ لعبن دوراً بارزاً، أمثال مريانا مرّاش عام 1870، لبيبة هاشم (1906)، ماري عجمي التي كانت أوّل امرأة رفعت شعار المقاومة النسائية ضدّ العثمانيين وأصدرت أوّل صحيفةٍ نسائية (1910).

وتابعت رائدات النضال الوطني تصديهنّ للظلم الذي فرضته السلطنة العثمانية ومن بعدها الاحتلال الفرنسي، وصولاً إلى الاستقلال ونشوء تنظيماتٍ نسوية مدنية منتصف القرن الماضي، كرابطة النساء السوريات التي تشكّلت في عام 1948 من أجل تعليم المرأة وتوعيتها بحقوقها المختلفة وأهمية حضورها العقلاني في تربية أطفالها، لأنها في المحصّلة تعمل على تربية المجتمع ككل.

بالتأكيد لم تكن هذه الرابطة تعمل وحيدةً أو منفردة، بل كانت هناك تنظيماتٌ أُخرى تجاريها في عملها، وربّما لا يتسع المكان لذكرها كلها. ويكفي أن نتذكّر الاتحاد العام النسائي الذي نشأ في عام 1967 كإحدى منظمات الدولة والمجتمع التي أسَّسها حزب البعث العربي الاشتراكي، والذي بقي حاضراً في الأذهان والعمل النسوي حتى صدور مرسوم حلّه في العام الماضي، والذي لم يكن إيجابياً برأي سوريين كثر.

وما بين البدايات وزمننا الحاضر؛ رحلةٌ طويلة من العمل النسوي المضطرد على مختلف الجبهات التوعوية والتمكينية والحقوقية قادته تلك التنظيمات وانضمت إليه ناشطاتٌ مستقلات، وكذلك ناشطين آمنوا بحقّ المرأة في تقرير مصيرها ومشاركتها للرجل في الحقوق كما الواجبات.

ومع ظهور شبكات التواصل والإعلام الإلكتروني انبثقت مواقع نسائية رائدة، ساهمت إلى حدّ كبير في زيادة الوعي والضغط من أجل الوصول بالمرأة إلى ما تستحقه وعلى مختلف المستويات، منها على سبيل المثال لا الحصر رفع سن الحضانة للأم، طلب تعديل قانوني الجنسية والأحوال الشخصية اللذان استحوذا لاحقاً على اهتمام السلطات العليا، حيث شُكّلَت لجنةٌ مختصة لتعديل المواد والقوانين السورية التي تحمل تمييزاً ضدّ المرأة (2011) ولكن من دون نتائج ملموسة حتى اليوم.

غير أنه كان سبق هذا قيام شخصياتٍ دينية متنفّذة وعلى منابر الجوامع بتخوين أولئك الناشطات والجمعيات، ما قاد إلى ضغطٍ أدّى مثلاً إلى تجميد نشاط رابطة النساء السوريات وعملها منذ ما قبل الحرب الحالية، في مقابل السماح لتنظيماتٍ نسائية ذات طابعٍ ديني بالعمل في أوساط الفتيات والنساء من أجل تحقيق أهدافٍ مناهضة للتنظيمات المدنية، ما أدّى بغالبية هذه التنظيمات للانكفاء على نفسها مكتفيةً بالعمل النظري- الحقوقي الذي لم يؤتِ أُكُلَه في ظلّ الواقع المأساوي الذي عاشته سوريات في الحرب، والحاجة الماسّة للنساء المقهورات لما يكفيهن شرّ وذُلّ السؤال.

فرض واقع الحرب على المرأة منفردةً، وبعيداً عمّا ذكرناه أعلاه، خوض غمار مجالاتٍ أكثر مشقّةً وحساسية من أنشطة التنظيمات النسوية وأهدافها، فهي حين انتقلت من مكانٍ إلى آخر برفقة أبنائها كانت قد تصدّت وفي شكلٍ مباشر إلى قانون الأحوال الشخصية الذي يقيّد تلك التحرّكات من دون إذن أو موافقة الزوج، وحين خاضت مجالات عملٍ مختلفة وجديدةٍ عليها كان بعضها حكراً على الرجال ما قبل الحرب، فهي كذلك قد تصدّت للقانون ذاته الذي يعتبرها ناشِزاً إن عملت من دون إرادة زوجها.

وإضافةً إلى هذا، فقد تجرأت كثيراتٌ على الطلاق من أزواجهنّ الذين هجروهنّ لأسبابٍ متعدّدة، يُضاف إليهن أولئك النساء اللواتي تحرّرن من خوفهنّ وقيود الرجل حين لجأن إلى بلدانٍ أوروبية تمنع قوانينها تعنيف المرأة، فطالبن بحريتهنّ وحضانة أبنائهنّ بكلّ جرأة.

وكذلك، فإن غالبية الفتيات اللواتي خرجن من بلداتهنّ المُحافظة أو المتشدّدة خرجن أيضاً من شرنقة الكثير من العادات والتقاليد التي تغتال حضورهنّ كاللباس أو العمل أو التعليم، أو حتى في اختيار الزوج أو سن الزواج.

وعلينا ألاّ ننسى أولئك الفتيات والنساء اللواتي تميّزن بأعمالهنّ أو دراستهنّ في المجتمعات التي لجأن إليها حيث أبرزن -وبلا أدنى خوف- مهاراتهنّ وكشفن عن إبداعاتهنّ التي اغتالتها بيئاتهنّ التقليدية بإحكام قيودها عليهنّ عبر سلطة التشريع الديني والاجتماعي.

هنا، نتلمّس وبوضوح الفارق الكبير ما بين واقع هذه المرأة قبل الحرب وخلالها وبعدها، وبالتأكيد فهي قد حققت هذا بجهودها ونضالها وصبرها على ما ابتُلِيَت به خلال الحرب وحيدةً خالية الوفاض، إلاّ من جرأتها واعتمادها على ذاتها للوصول – ولو في شكلٍ عفوي وغير مُخططٍ له- إلى ما كانت تصبو إليه في أعماقها، لكنّ القيود الدينية والاجتماعية وحتى القانونية المفروضة سابقاً كانت العائق والمقيّد لتلك التطلّعات.

وهنا أيضاً، علينا أن نعترف أنّ ما وصلت إليه الفتيات والنساء لم يستند غالباً إلى نشاطٍ وحضورٍ أو فاعلية التنظيمات النسوية المدنية، بل إلى ظروف الحرب وواقعها الذي فرض نفسه وبقوةٍ على نساءٍ كن يمتلكن البذرة الأساس لهذا التغيير الذي تجاوز تلك التنظيمات مثلما تجاوز القوانين والتشريعات الدينية والاجتماعية، ما حدا بوزير الأوقاف محمد عبدالستار السيد وخلال جلسة لمجلس الشعب مطلع أيار (مايو) الماضي للتصريح بضرورة وأهمية تعديل موادٍ في قانون الأحوال الشخصية فيها إجحافٌ بحقوق المرأة للحفاظ على حقوقها، من دون استثناء، وهذا ما يتمّ العمل عليه وفق ما صرّح.

إنّ كل ما ذكرناه أعلاه، يُشرّع الأبواب المُغلقة على مصراعيها أمام الحركات النسوية السورية التي توارت خلف عجزها عن اللحاق بمسيرة المرأة في ظلّ الحرب، مكتفيةً بالمناظرات الحقوقية والتوعوية – التمكينية بلا سندٍ ماديّ يدعم حاجة النساء لرغيف الخبز والدواء أكثر من حاجتهن لتلك المناظرات، وذلك من أجل إعادة النظر في الآليات والأدوات المطلوبة اليوم للعمل في أوساط النساء من أجل أن تغدو هذه التغييرات الإيجابية مُتجذّرةً في المجتمع السوري.

تمكين المرأة

تمكين المرأة

أترك تعليق

مقالات
سناء عبد العزيز/ ضفة ثالثة- ظلّت قضية التحرّش الجنسي القضية الأكثر جدلاً في ما يتعلّق بردود الفعل تجاهها. فما بين معارضة وتأييد واستهجان وتجاهل تام، تضيع بين الأرجل، فتبهت معالمها، وتخفت جذوتها تدريجياً، إلى أن يطويها النسيان بالنسبة للجميع، عدا ضحيتها التي تختزنها في صندوق أسود، لا ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015