المرأة السورية في زمن الحرب والجحيم
لوحة للفنان خزيمة علواني

آلان رمو/suwar-magazine- حمّلت الحرب المرأة السورية هموماً وأوزاراً كبيرة نسفت كلّ طرق حياتها، فأضحت تعيش تجربة خاصة وتواجه تحدّيات كبيرة، فإلى جانب الصعاب التقليدية التي تواجه المرأة في المجتمع السوري، وأهمّها التمييز بينها وبين الرجل، والعادات والتقاليد التي تسيطر عليها نظرةٌ دونيةٌ للمرأة، وقعت المرأة ضحية ظروف حربٍ قاسية دمّرت البشر والحجر.

تعتبر المرأة السورية من أكثر الشرائح تضرُّراً من اندلاع الحرب، فمنذ أيامها الأولى أجبرت الحرب المشتعلة المرأة على الخروج إلى سوق العمل وفرَضَت عليها الكثير من الأعباء التي تفوق طاقتها وتكوينها، وكانت المرأة السورية في الأوقات التي سبقت الحرب متفرغة لشؤون أسرتها وتربية أبنائها وإدارة شؤون أسرتها، خصوصاً في المناطق الريفية التي تحتفظ فيها المرأة بصورتها التقليدية ووضعها الخاص. وقد حذّرت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة من أنّ عشرات الآلاف من نساء سوريا وقعن في دائرة المشقّة والعزلة والقلق، ليكافحن من أجل البقاء والعيش في ظلّ حربٍ قاتلة. كما أوردت صحيفة الفاينشيال تايمز الأمريكية الكثير من الملاحظات حول وضع المرأة السورية لتؤكِّد تلك المزاعم المتعلقة بها، حيث أشارت الصحيفة إلى أنّ تناقص عدد الرجال في سوريا بسبب الحرب دفع النساء إلى العمل خارج البيت بشكل لم يألفه المجتمع السوري التقليدي.

إنّ ثقافة عمل المرأة هي ثقافة جديدة في بعض الأوساط السورية التقليدية، عمرها بضع سنوات، حيث لم يكن عمل المرأة مألوفاً سابقاً سوى لحاجة تفرضها الأوضاع الاقتصادية السيئة، وكل امرأة تعمل هي بالضرورة مضطرة، فيما لا يناسب عمل المرأة الطبقة الراقية أو الفئات المحافظة، ويقتصر دور المرأة الفاعلة من الأسر الغنية على الصالونات الثقافية والأعمال التطوعية، بعيداً عن الأعمال المأجورة والبعيدة عن تخصّصها، لكن ظروف الحرب فتحت أمام النساء أبواباً لم تُفتح من قبل، حيث لم يعد العمل ثقافة وتطوراً، بل بات واجباً تفرضه الأوضاع المعيشية الصعبة في الداخل السوري، وقد تعرّضت المرأة السورية لانتكاسات صعبة أثقلت حملها مع فقدان المنزل والمعيل من أب أو زوج أو أبناء، مروراً بالتشرد والنزوح، ووصولاً إلى العمل في ظروف صعبة.

إنّ المرأة السورية وقعت في أكبر مشكلة، لا بل إنّها الكارثة التي أصابتها على أثر الحرب، فهي أمام تحدّيات عظيمة، إذ تحوّلت بالإضافة إلى دورها كأم إلى أبٍ أيضاً بتحمل المسؤولية الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، بعد أن كانت مهمتها الوحيدة هي رعاية الأطفال في المنزل وترك المسؤولية الاقتصادية والإدارية على الأب، كما إنّ الفتيات اللواتي بعمر الزواج اضطررن للزواج من أي شخص، وإن كان الرجل لا يتناسب مع عمر الفتاة ومؤهلاتها الفكرية، وذلك من أجل “السترة” واستمرارية العيش، ووقعت المرأة السورية في مشكلة أخرى هي زواج القاصرات، ناهيك عن تجنيد القاصرات من قبل عدة تنظيمات عسكرية متشدّدة، وبخاصة اللواتي احتلّت مناطق سكنهن من قبل مثل هذه التنظيمات، وأثبتت المرأة السورية جدارتها وقدرتها على تحمُّل المسؤوليات كافة، ابتداء من حمل السلاح ومروراً بالعمل أيّاً كان نوعه، وما كان يهمها هو إعاشة أبنائها وحمايتهم من العوز والمرض والحاجة ما أمكنها ذلك، فالمرأة السورية تشرَّدت وهاجرت وبحثت عن كل السبل الكفيلة بحماية أسرتها بعد غياب الأب والأخ والزوج والابن.

إنّ تدنّي المستوى المعيشي والاقتصادي دفع الكثير من الشباب للهجرة والعمل لإعالة الأسر السورية، كذلك أدّت الحرب إلى قتل عددٍ كبيرٍ من الرجال، وقد أفرز ذلك تغيّراً ديموغرافياً، فزادت نسبة النساء عن الرجال بشكل كبير، وحمل ذلك التغيّر معه تغيّرات كثيرة في أنماط الحياة السورية، إضافة إلى إفراز وإنتاج مشاكل اقتصادية واجتماعية جديدة، كما كان للتغيّر في الهيكلية النسبية بين الإناث والذكور آثار واضحة تتعلق بتأخر الزواج وتراجع معدلاته، وزيادة عدد حالات الطلاق والعنوسة.

ومن المفارقات المؤلمة أن تتم الموافقة على مشاركة المرأة في العمل المأجور، وحرمانها من العلم، فإلى متى تظل معرفة المرأة وعلمها كابوساً مقلقاً؟ وإذا كان يتم السماح لها بالعمل لدواعي الحاجة الاقتصادية، فما هو السبب الرئيسي الذي يمنع ذهابها إلى مراكز التعلّم؟

إنّ الحق في التعلّم واكتساب الشهادات العلمية واجب على الجميع، بل وضرورة في ظلّ هذه الظروف التي هيّأت المرأة نفسياً واقتصادياً لاكتسابه، ويجب علينا توفير كل الظروف المتاحة أمام المرأة لنيل ذلك الحق، لأنّنا بذلك نهيّئ الفرص للأم والأخت والزوجة للقيام بدورها الفاعل في تمكين نفسها من تعليم أولادها ومساندتهم أيضاً، بل ومساعدة الرجل في ظلّ هذه الظروف القاسية التي عاشها المواطن السوري في وطنه بسبب الحرب.

إنّ المرأة التي استطاعت أن تستوعب قسوة الحرب هي ذاتها القادرة على تعويض عائلتها، فيما لو أعطيت مكانتها الحقة في التعلّم والعمل معاً.

وفي الختام فإنّ المطلوب من المنظّمات الدوليّة والمحلية الاهتمام بالمرأة وحاجاتها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، لأنّ المرأة بمفردها غير قادرة على القيام بالمهام الرئيسة التي تتطلبها الأسرة، لذا فمن الضرورة بمكان أن تنتشر الدعوات إعلامياً لكل المنظمات المهتمة بالمرأة لإنقاذ المرأة السورية من الوضع الصعب والخطير الذي باتت تتعرّض له، وتحاول أن تخفّف من وقع الحرب وآثارها الكارثية ما أمكنها ذلك.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

لوحة للفنان خزيمة علواني
لوحة للفنان خزيمة علواني

أترك تعليق

مقالات
تخلص سعاد العنزي إلى أن حكايات النساء اليوم مهمة لأنها تقول أشياء لم تقل في الماضي، لأنها تستدعي ذكريات تفاصيل ليل المرأة الطويل، وتنسج تفاصيل نشيج أبدي صامت، قمعته الظروف والعادات والتقاليد. وتستحضر صورة نساء لم يكن مرئيات في يوم من الأيام، إلا كصور بهية في دواوين الشعر، وجلسات ندماء ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015