المرأة الفلسطينية.. سيدة الأرض ونجمة السماء
المرأة الفلسطينية..

عبير البرغوثي/alhayat-j- على امتداد قرن مضى ويزيد ناضلت المرأة الفلسطينية لخلق موطئ قدم لها في كل مجال، قاتلت الأمية التي كانت تصل لنحو 9 بنات من بين كل 10، إبان الانتداب البريطاني، قاتلت وحش الفقر الذي عززه الاستعمار والانتداب والاحتلال، حمت الارض بسواعدها حينما غادرها الكثيرون هربًا من الخوف  أو طمعًا في فرصة عمل في بلاد الغربة، أو لغير ذلك من الأسباب.

صمود المرأة يعني صمود الأسرة وتشبثها بأرضها، فموت الأم يعني تفرق الأسرة، وضياع البيت الكبير بكل ما فيه من ذكريات كانت حتى الأمس القريب وطن الأبناء والبنات، لهذه الحقيقة وجهت قوى الانتداب والاحتلال حرابها منذ بداياتها الاولى نحو صدر الأم الفلسطينية، مدركة أن قتل الام نفسياً ومعنوياً وصحياً سيقود بالضرورة لقتل وإضعاف وتشريد المجتمع كاملاً، وعلى النقيض من ذلك كانت الفلسطينية في المدينة والقرى تدرك يومًا بعد يوم بأنها نقطة الاستهداف، وهي نقطة التحول في موازين القوى ومعادلة الصراع من أجل البقاء والصمود، وبدأت معركة الوعي تتشكل منذ مطلع القرن الماضي لدى الطليعة الاولى والكوكبة النسوية التي بدأت منذ الايام والسنوات الاولى للقرن العشرين بإنشاء الجمعيات النسوية وتشكيل المبادرات المجتمعية في المدن الرئيسية في فلسطين، حيث تشير الكاتبة حنان عسلي الشهابي في كتابها “المرأة الفلسطينية في عهد الانتداب البريطاني” إلى أن أول جمعية خيرية نسائية ظهرت في عكا عام 1903، وهي جمعية “إغاثة المسكين الأورثوذكسية” برئاسة نبيهة منسي، وتوالت المبادرات والأنشطة التي تعبر عن نهضة المرأة الفلسطينية المقاومة لمشاريع الانتداب والتهويد منذ ذلك الحين، لتتصاعد يوماً بعد يوم لتصل الى المؤتمر النسوي الأول الذي احتضنته مدينة القدس الشريف، تعبيرًا عن نضج الحركة النسوية وانخراطها في قضايا الوطن ومقاومة الاستعمار والانتداب والدفاع عن فلسطين أرضاً وشعباً ضد كل محاولات تسريبها للمستوطنين الجدد.

أجل في الوقت الذي كانت المرأة في العديد من البلدان لا تجد لها مكانًا الا داخل المطبخ كربة بيت ينحصر دورها في الانجاب ومتابعة احتياجات المنزل، كانت المرأة الفلسطينية تخوض ميادين النضال والعمل الاجتماعي والسياسي، وتنظم المسيرات الاحتجاجية وتشكل الوفود لمقابلة السفراء والقناصل وتطالب باستقلال فلسطين وانهاء الانتداب وحماية الأرض من النهب والتهويد!.

حقًّا لا تكتمل الثورة الا بمشاركة المرأة فيها، ولا يكتمل الوعي المجتمعي اذا اقصيت المرأة من موقعها الأصيل في قلب السفينة، ولا يكون المجتمع سليمًا ومعافى اذا أصاب المرأة الفلسطينية أي مكروه، ولا يكون الاقتصاد كاملاً وصحيًّا بكل طاقاته اذا أقصيت المرأة من عمليات المشاركة والانتاج، وبالتالي لا تكون العملية السياسية والنظام السياسي سليمًا وقادرًا على الحياة اذا بترت المرأة الفلسطينية من كونها نصفه الطبيعي ومحرك نصفه المتبقي ليبقى على قيد الحياة.

مسيرة ممتدة من عطاء وتضحية وصمود رغم قساوة الظالم، مسيرة شهدت فيها المرأة الفلسطينية تحقيق خطوات يشهد لها العالم، وعانت من ضربات وضغوط إعادتها في أحيان كثيرة خطوات عما كانت عليه من انجازات، إنها معركة المد والجزر في العمل الاجتماعي والسياسي ومقاومة الاحتلال، لكن الأصعب في تشابك ظروف وتحديات مسيرة المرأة في مجتمعاتنا العربية ومن ضمنها الفلسطيني تتمثل في تحالف العوامل المناهضة لبروز دور المرأة، تحالف غير مقدس بين قوى داخلية وخارجية، تحالف قد لا يكون مكتوبًا او متفقًا عليه، لكنه يعمل في كل الأحوال على إعادة المرأة الى داخل المطبخ وتحويلها الى مجرد منتجة للأطفال، هذه الحالات تشكل أسوأ مراحل استنزاف قدرات المرأة الفلسطينية على مراكمة الانجازات والحفاظ على الموقع الذي حققته بفعل تضحيات من سبقها من أجيال حملت اسم الفلسطينية في مختلف المناسبات الى عنان السماء.

لم ينصف المرأة كتّاب التاريخ وموثّقو حياة الشعوب على النحو الذي يبرز الدور الذي قامت به نساء فلسطين على امتداد محطات القرن العشرين، فكانت الكتابات ذكورية بكل المقاييس، رغم الأدوار التي تناقلها تاريخنا الشعبي وأخبار الأجداد عن دور المرأة الفلسطينية في مختلف المحطات، فقد كانت في مقدمة صفوف وأنشطة مقاومة الانتداب الإنجليزي، والاحتجاج على انحيازه وتسهيله لهجرة اليهود الى فلسطين، وكانت السند لكافة الأنشطة وحركات النضال وتمكين الثوار على مستوى الريف والحضر والمدن الرئيسية في فلسطين، فكانت -كما تشير المصادر المتوفرة- من رواد المشاركة في المقاومة والتدريب والتنظيم، والتبرع بالمال وحماية الثوار والمقاومين وتخبئتهم وإمدادهم بالسلاح بعد تهريبه لهم بطرق مختلفة، لقد كانت حاضنة للثورات بكل المقاييس، وكانت هي رمز الأمان لبقاء واستمرار قوة النضال الفلسطيني على مر العصور وما رافقها من نكبات!

دون الفلسطينية فإن طوق النساء العالمي يبقى ناقصًا لجوهرته الثمينة، ودون نساء فلسطين تفتقد مملكة نساء العالم لتاجها العظيم، ليس لأنها غير البشر، لكن نساء فلسطين قامات تعانق السماء في العلوم والتعليم والصحة وميادين النضال وساحات السياسة، تبدع وتبهر حيثما حلت بحضورها، بها تكتمل المقدمات وتزهو بعطائها خاتمة النهايات، تشهد لها منصات التكريم والتتويج في البطولات والتميز والابتكار والابداع، حتى اسمع عطاؤها من به صمم، فخلدها التاريخ أيقونة ورمزًا للمقاومة والعطاء والكرامة، إنها الفلسطينية والدة الشهيد، وأخت الاسير، وزوجة الجريح، انها الأم الفلسطينية مدرسة النضال والبطولة.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”. 

المرأة الفلسطينية..

المرأة الفلسطينية..

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015