النزوح & العنف وآثارهما على النساء والفتيات
أشكال العنف الذي تعاني منه المرأة/ رسم توضيحي

جلنار صادق/ مجلة “أصوات سورية”- تعدّ الحروب والنزاعات المسلّحة من أكثر الأحداث عنفًا وأشدّها تأثيرًا على  الأفراد بمراحلهم العمريّة المختلفة، وبتنوّع بيئاتهم وثقافتهم وانتماءاتهم، وباختلاف جنسهم. حيث تعاني المجتمعات في فترات الحروب من انتهاكٍ معلنٍ لشروط الحياة الطبيعيّة ممثّلًا بفقدان الأمان والعيش الكريم، يترافق مع تغيّراتٍ مفاجئةٍ وقسريّةٍ وأخطارٍ كثيرةٍ غير متوقّعةٍ سواء على مستوى الجماعة أو الفرد. ويعدُّ النزوح بتفاصيله الصادمة والشاقّة والمؤلمة حدثًا ضروريًّا لتجنّب الخطر الأكثر شدّةً من أجل الحفاظ على البقاء من جهة، وبداية لأنواعٍ أخرى من الأخطار الحياتيّة اليوميّة الصعبة من جهةٍ ثانية.

ولطالما كانت المرأة تاريخيًّا، وفي مثل هذه الظروف، الأكثر تضرّرًا ومقاومةً في آن معًا. فالعنف ليس حدثًا جديدًا في حياتها، وإنّما هو خبراتٌ متراكمةٌ تعاظمت أخطارها عليها، ولاسيّما في المجتمعات المغلقة التي تنظر إليها على أنّها الأنثى الضعيفة والضلع القاصر وناقصة العقل والدين. فها هي الأمّ والزوجة والابنة والأخت تتحمّل الكثير من الظلم والقهر، ومعه مسؤوليّاتٌ وأعباءٌ ثقيلةٌ نتيجةً لغياب الرجل أو فقدانه أو انسحابه وتخلّيه قصدًا أو من غير قصد عن دوره كمساندٍ وشريكٍ في حياةٍ، مصاعبها كثيرة. لتجد نفسها، وفي كلِّ هذه الحالات، عرضةً لمزيدٍ من العنف داخل الأسرة وخارجها، ومن القريب والغريب وبأشكالٍ عدّة وآثارٍ عميقة.

والعنف هو استخدام القوّة للسيطرة على شخصٍ آخر أو أشخاصٍ آخرين، ويمكن أن يشمل أيّ إساءة معاملة أو إكراهٍ أو ضغطٍ جسديٍّ أو نفسيٍّ أو اجتماعيٍّ أو اقتصاديّ. أمّا العنف ضدّ المرأة فهو أيّ عملٍ أو تصرّفٍ عدائيٍّ أو مؤذٍ ومهين، يرتكب بأيِّ وسيلةٍ وبحقِّ أيّ امرأةٍ لكونها امرأةً، يخلق معاناةً جسديّةً وجنسيّةً ونفسيّةً بطريقةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة.

وتسهم وجهة نظر المرأة  نحو ذاتها والآخر بكونه مصدر القوّة، في إمكان تعرّضها للعنف؛ فعندما تنظر المرأة إلى نفسها على أنّها الأضعف وترى الآخرين هم الأقوى، تقدّم لهم فرصةً لتعنيفها بشكلٍ أكبر. ذلك أنّ الإيحاء إلى الآخر بالضعف عاملٌ خطيرٌ في تعرّض الضحيّة للخطر، ولاسيّما في حالات غياب القانون وانتشار الجريمة والفوضى. وذلك لما يحمله العنف من الإكراه و إجبار شخصٍ آخر على الانخراط في سلوكيّاتٍ معيّنةٍ وتصرّفاتٍ على غير إرادته ، من خلال استخدام التهديد أو الإصرار اللفظيّ أو التلاعب أو الخداع أو التوقّعات الثقافيّة أو القوّة الاقتصاديّة. ويؤدّي سوء استعمال القوّة على مستوى الأفراد والجماعات إلى إساءة المعاملة التي  تمنع الأشخاص من اتّخاذ قراراتٍ حرّةٍ وتجبرهم على التصرّف ضدّ إرادتهم، وقد تحوّلهم، مع استمرار ذلك، إلى أداةٍ للقيام بأعمالٍ لا تتّفق مع قيمهم وعاداتهم وأخلاقهم.

وللعنف أشكالٌ عدّة وممارساتٌ مختلفةٌ؛ فها هي المرأة  تتعرّض للعنف الجسديّ بالضرب والتقييد أو حجز الحرّيّة ومنعها بالقوّة من الحصول على ما هو حقٌّ لها -الحرمان من التعليم والعمل سواء من شريك حياتها أو وليّ أمرها من أبٍ أو أخٍ أو من هو في مقامهم، أو تعنّف رمزيًّا فتُوجَّه إليها ألفاظٌ قاسيةٌ وعباراتٌ نابيةٌ أو تلقّب بألقابٍ لا تحبّها أو يشار إليها بما يُنقص من مكانتها ويحطُّ من كرامتها، أو تعاني من العنف الجنسيّ فتجد نفسها تتعرّض للإساءة الجنسيّة كالتحرّش اللفظيّ أو الجسديّ أو الاعتداء الجنسيّ أو الاغتصاب من الغريب أو القريب. وعندما يرتكز العنف داخل منزلها يصبح عنفًا أسريًّا يمارس على المرأة من رمز السلطة فيها.

وفي ظلّ النزوح تتّسع دائرة العنف، فتعاني النساء عامّة واللاتي حرمن من التعليم خاصّةً من أخطارٍ إضافيّةٍ، فقد يتمّ استغلالهنّ اقتصاديًّا فتضطرّ إلى العمل لساعاتٍ طويلةٍ وبشروطٍ قاسيةٍ وأجورٍ زهيدةٍ ممّا يترك آثاره السلبيّة عليها وعلى أفراد أسرتها.

وتظهر آثار العنف الممارس على المرأة  نفسيًّا واجتماعيًّا:

  • الآثار النفسيّة: يعدّ العنف خبرةً مؤلمةً تقوم على التعرّض للظلم والشعور بالعجز والضعف أمام من يمارس العنف (المُعَنِّف)، ما يولّد لدى المرأة (المُعَنَّفة) شعورًا بالغضب، فقد توجّه غضبها نحو ذاتها؛ فتلوم نفسها ويسيطر عليها الخوف الدائم ويرافقه الشعور بالضعف أمام كلّ ما تتعرّض أو قد تتعرّض له والذي يدفعها إلى الخضوع أو إلى تفضيل تجنّب المواجهة والهروب بعيدًا عنها. فنجدها ترضى الظلم وتعاني الألم بصمتٍ، ما ينعكس على حالتها الصحّيّة نفسيًّا وجسديًّا.

ومن جهةٍ ثانيةٍ قد توجّه المرأة غضبها إلى الخارج فتلوم الآخرين وتتحوّل إلى شخصٍ قلقٍ شديد التوتّر والعصبيّة يرافقها شعورٌ بالعداء لكلّ ما يحيط بها اجتماعيًّا وأسريًّا، ما يدفعها إلى المواجهة والدخول في صراعاتٍ ومشكلاتٍ عدّة، في محاولةٍ منها لإثبات قوّتها أمام طرفٍ آخر قويّ.

  • الآثار الاجتماعيّة: يترك العنف آثاره الاجتماعيّة على شكل مشكلاتٍ تظهر في العلاقات الاجتماعيّة داخل الأسرة وخارجها. فالعنف الذي يمارسه الشريك على زوجته أو الأب على ابنته يفكّك حلقات التواصل القائمة على المحبّة والاحترام، ما يجعل الحياة أكثر قساوةً لكليهما، ولاسيّما في ظروف النزوح التي تفتقد إلى الأمان وتحمل معها المزيد من الضغوط والمسؤوليّات، ممّا يزيد من احتمال الخلافات الأسريّة والانفصال.

تذكر إحدى السيّدات أنّ زوجها منعها من الخروج من المنزل حتى لزيارة أختها، مهدّدًا بالطلاق نتيجة تعرّضها لتحرّشٍ جنسيٍّ من أحد الذكور في المخيّم، ما جعلها تعاني من مشكلةٍ في العلاقة الزوجيّة وصلت إلى مرحلة الطلاق النفسيّ (وهو الانفصال العاطفيّ عن الشريك أو الزوج مع بقائهما معًا في مكانٍ واحد). ونتيجة هذا التفكّك أصبحت أكثر توتّرًا ووجّهت غضبها نحو أطفالها فإذا بها تمارس عليهم العنف لفظيًّا وجسديًّا كاستكمالٍ لدائرة العنف. وبالنظر إلى ما يعانيه الزوج في ظروف النزوح، فهو يشعر بالتهديد والخطر على حياته وزوجته وأسرته. وبفهم مزيدٍ من التفاصيل، فهو بدوره معنّفٌ يمارس العنف ضمن نطاق صلاحيّاته (الأسرة).  وفي كلِّ أسرةٍ ولدى كلِّ امرأةٍ قصّةٌ لتسردها عن عنفٍ تعرّضت له أو شاهدته في سنوات الحرب والنزوح القاسية.

  • الآثار الجسديّة والصحيّة: قد تتعرّض المرأة نتيجة العنف لجروحٍ وكسورٍ، وأعراض آلامٍ مزمنة، وتعبٍ ووهنٍ دائمٍ، وأعراض تهيّج أمعاء واضطراباتٍ معويّة. وقد يدفعها العنف إلى عاداتٍ مضرّةٍ بصحّتها كالتدخين، وإدمان الكحول والمخدرات، وقلّة النشاط البدنيّ، وفرط الأكل، وممارساتٍ جنسيّةٍ غير آمنةٍ قد تؤدّي بها إلى حملٍ غير مرغوبٍ فيه، أو إلى الإصابة بالإيدز أو اضطرابات نسائيّة أو إجهاضات غير آمنة أو تعقيدات الحمل، أو انخفاض الوزن الولاديّ  أو أمراض الالتهاب الحوضيّ.

عزيزتي المرأة، في ظروف النزوح ما الذي يمكنك القيام به لتحمي نفسك وغيرك من النساء والفتيات من التعرّض للعنف والاستغلال؟

ما الذي يمكنك القيام به تجاه نفسك؟

  • تعاملي مع أنوثتك باحترامٍ وتصرّفي كامرأةٍ قويّةٍ يحترمها الجميع.
  • تعرّفي على حقوقك وواجباتك وتعاملي مع الرجل كشريكةٍ له، لا كندٍّ ولا كخاضع.
  • التعليم يزيد من قوّتك ووعيك، تعلّمي وعلّمي الفتيات من حولك.
  • العمل يجعلك قويّةً، لكن ضعي شروطًا تحميك من التعرّض للعنف والاستغلال.
  • في حال تعرّضك للعنف، اطلبي المساعدة من شخصٍ موثوقٍ، ويفضّل أن يكون اختصاصيًّا إن أمكن.

ما الذي يمكنك القيام به تجاه غيرك؟

  • اهتمّي بملاحظة ما يحدث حولك للنساء والفتيات.
  • ساهمي في توعية النساء الأخريات بحقوقهنّ وواجباتهنّ.
  • قدّمي المساعدة وشجّعي الأخريات على الحديث حول ما يتعرّضن له من عنفٍ.
  • شجّعي النساء والفتيات على التعليم والعمل لتحقيق مكانةٍ حقيقيّةٍ.

لأنّ قوّة المرأة مزيجٌ من اللطف والصلابة،  فلا تسمحي لأحداث الحرب الشرسة وقسوة النزوح والظلم أن تضعفك أو تجعلك متلقّيًا أو مصدرًا لمزيدٍ من العنف.

أشكال العنف الذي تعاني منه المرأة/ رسم توضيحي

أشكال العنف الذي تعاني منه المرأة/ رسم توضيحي

أترك تعليق

مقالات
روزا ياسين حسن/ أبواب- يتّفق معظم الأنثروبولوجيين أن الشعوب العراقية القديمة (الآشوريين) هم أول من فرض الحجاب على المرأة. فالنصوص الأولى المكتوبة والتي تمثلت في شريعة حمورابي، وقبلها بوقتٍ قصير في الملحمة البابلية الشهيرة: الإينوماإيليش 3200 ق.م، عملت على تكثيف التحولات التي قوّضت ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015