النساء، السلام والأمن.. تساؤلات بعد عشرين عاماً على إصدار مجلس الأمن للقرار1325
برنامج شبكة الصحفيات السوريات

شبكة الصحفيات السوريات- احتفلت الأمم المتحدة منذ أيام بمرور عشرين عاماً على إصدار مجلس الأمن للقرار1325، لتبقى الجهود والنوايا بعد هذا الوقت محطاً للتساؤل، وهو ما سنحاول مناقشته في هذا المقال، لنسلط الضوء على تجربتنا في شبكة الصحفيات السوريات في سياق التطبيقات الممكنة والتي عملنا عليها في السنتين الأخيرتين ضمن المجال الإعلامي المحلي، ومناقشة تطوير هذه الجهود.

خلفية القرار:

في 31 تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2000، اعتمد مجلس الأمن بالإجماع القرار 1325، ليكون أول وثيقة رسمية وقانونية تصدر عنه، وتطالب الدول الأعضاء وأطراف النزاع احترام حقوق المرأة، ودعم مشاركتها في مفاوضات السلام، وعملية إعادة الإعمار، واضعاً التركيز على تطبيق ذلك من خلال مراعاة تضمين كافة الفئات المهمشة في مثل تلك السياقات، وعادة ما يتم تناول ذلك عبر التأكيد على كشف ودحض أي تمييز، أو تهميش وإغفال، أو تجاهل للنساء لكونهن نساء، أي بناءً على نوعهن الاجتماعي. إلى جانب التطرق إلى أشكال الحماية والتمييز والعدالة المرجوة للنساء. لتأتي هذه الخطوة بعد نضالٍ طويلٍ للمدافعات عن حقوق النساء، والمنظمات غير الحكومية العاملة في مجال النساء والسلام والأمن، إلى جانب دعم صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة (هيئة الأمم المتحدة للمرأة حالياً) وبعد خمس سنواتٍ من مؤتمر بكين 1995، الذي خصص فصلاً كاملاً حول المرأة والسلام والأمن.

وإن كان من الشائع إساءة فهم هذا القرار، وهو مأخذ تحدثت عنه العديد من الجهات المعنية، حيث يسود الظن بضرورة إشراك النساء في عملية السلام، لطبيعتهن المسالمة أو الداعية للسلام بالضرورة، وليس لما يلحق بهن من أضرار جمة أثناء النزاع دون إشراكهن في حله وبناء السلام، فإن هذا اللبس قد يثير الحفيظة بما يتعلق بإعادة إنتاج وتعزيز الأدوار الاجتماعية النمطية، كما يحصر العديد من العاملين/ات في سياق المشاريع المرتبطة بتطبيقاته ركائز القرار 1325 الأربعة، بعملية المشاركة السياسية في الكثير من الأوقات، دون التطلع إلى التفاصيل الأخرى المدرجة داخله، والمتضمنة دور المرأة في منع نشوب النزاعات، ومشاركتها في بناء السلام، وحماية حقوقها أثناء النزاع وبعده، ومراعاة احتياجاتها الخاصة أثناء الإعادة إلى الوطن وإعادة التوطين وما يتعلق بهذه الاحتياجات من إعادة التأهيل وإعادة الإدماج والتعبير بعد إنتهاء النزاع.

عشرون عاماً وتحديات متجددة:

اليوم وبعد عشرين عاماً، تزداد أهمية تطبيق أجندة النساء والسلام والأمن المتمثلة بهذا القرار، بالتزامن مع تمدد خارطة النزاعات في العالم، وبروز قضاياً مفصلية مختلفة على الصعد المحلية والدولية، من نزاعاتٍ مستمرة في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، مروراً بقضايا التغير المناخي وأثره على حقوق الإنسان والنساء بشكلٍ خاص، وصولاً إلى جائحة كوفيد19 التي تهدد العالم اليوم، محتلةً موقعاً هاماً في مناقشات الأمم المتحدة في الذكرى العشرين لإصدار القرار.

حيث أشار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في تشرين الأول/ أكتوبر الفائت، إلى “أثر الجائحة السلبي وغير المتناسب على النساء والفتيات، ما جعلهن ضحايا لتزايد العنف القائم على النوع الاجتماعي”، معرباً عن قلقه من “الآثار طويلة المدى على عمالة النساء وتعليم الفتيات، وما سيسهم باستمرار تهميش المرأة بما يتعلق بعملية صنع القرار السياسي وعمليات السلام”.

بين التطبيقات والفجوات:

بالعودة إلى تطبيق القرار وآلياته، يمكننا ملاحظة افتقار الجهود العديد من الجهود المحلية والدولية إلى الجدية الكافية والملموسة، ما قد يعزى إلى طبيعة مثل هذه القرارات، التي لا تخدم بالضرورة المصالح السياسية والأولويات التي بنيت عليها المؤسسات الدولية ذات الطابع الذكوري، فنراها تتخذ صوراً تجميليةً في الجهود تتلاقى والصور التجميلية في التمثيل السياسي، ناهيك عن خطاب الضحية الاستضعافي عند الحديث عن العنف، عوضاً عن عدم مركزة النساء والناجيات من عنف النزاعات، كفاعلاتٍ في عملية تطوير وإيجاد الحلول وبناء تصورٍ للعدالة المتأملة مستقبلاً، وتهميش عدد كبير من الفاعلات بالأشكال السياسية غير التقليدية (الشخصية-الناشطة- المدنية والتنموية) الأخرى، واللواتي ما يتم حصرهن بأدوار رقابية غير فعالة.

هنا نستطيع الإشارة إلى أنه غالباً ما يُختَصرُ النظر للقرار 1325 بالتركيز على التمثيل السياسي النسائي، والذي ينشغل في تضمين نسبة (عدد) من النساء في مراكز صنع القرار أو بالقرب من تلك المراكز، واقعاً في مطب إمكانية الإجابة عن سؤال التمثيل، وما يحمله من إعادة إنتاج للنظرة التجميعية النمطية للنساء كمجموعةٍ واحدة متجانسة، وبناءً عليه سيفي أي شكل تمثيلي بالغرض، لينتج عن اتباع مثل هذه الإجراءات تجاهل لتجارب النساء، وخلفياتهن، ومواقفهن السياسية.

هذا وإن أضفنا على ما سبق، عدم أخذ المشاركات بالجدية اللازمة، فإن معظمهن يأتين من خلفياتٍ امتيازية، ولو بدأ تضمين المزيد من الناشطات على الأرض بالتزايد، إلا أنه لم يرقَ للتمثيل العادل، حيث غالباً ما تتم استشارة واستدعاء السياسيات والناشطات ممن يمتلكن امتيازات السفر والتحدث باللغات الأجنبية، ما يعزز محدودية المشاركة، واحتكارها لصالح السياسيات والناشطات المتصدرات للمشهد، وهي مسؤولية تقع على عاتق المؤسسات الدولية وعدم جدية جهودها بالوصول إلى نساء من خلفيات متعددة وتأمين مشاركتهن.

كل هذا النقاش يصطدم مع عقبةٍ رئيسية، ألا وهي انعدام الفاعلية في الأنظمة الديكتاتورية والشمولية أو تلك التي تستخدم الأدوات الديمقراطية لتحقيق أهداف سلطوية تتماشى ومصالح النخبة الحاكمة، حيث أن وصول النساء إلى هذه المراكز لا يعني شيئاً على الإطلاق، ولا يمكن اعتمادها كمقياسٍ حقيقي لفاعلية النساء.

وفي الكثير من الأحيان، يتم إفساح المجال أمام بعض النساء للتواجد قرب مراكز صنع القرار والتأثير به كبديل لفشل أو لعدم التواجد في الأحداث الرئيسية، ليتم إقصائهن لاحقاً مع اتخاذ المسارات أشكالاً أكثر جدية، حتى أن غوتيريش قد أشار في حديثه الأخير حول القرار 1325 أنه وبينما “يتم تمثيل النساء في فرق الوساطة التابعة للأمم المتحدة، فإنهن يبقين مستبعدات إلى حد كبير عن الوفود المشاركة في محادثات السلام والمفاوضات”، ما يمكن ملاحظته ضمن التجربة السورية، حيث يتم إقصاء النساء كطرف فاعل في العمليات التفاوضية ومحادثات وقف إطلاق النار على حساب استرضاء حملة السلاح، وهي مسؤولية تقع على عاتق الأمم المتحدة عينها بتوفيرها البيئة لمثل هذا الاستبعاد.

لكن أين تكمن المشكلة؟ وأين تكمن الأخطاء في القرار وتطبيقاته؟

يمكن الإشارة باختصار، إلى أن التطبيقات الفعلية للقرار لا تندرج ضمن سلم الأولويات، سواءً لصانعي القرار الدوليين والمحليين أو حتى الكثير من الداعمين، ما ينطلق من مبدأ عدم أخذ مواضيع النساء بشكلٍ جدي، ودفعها وتأجيلها.

الأمر عينه ينطبق على الأمم المتحدة ومؤسساتها وهيئاتها، وإن أشارت منذ أيام وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام روزماري ديكاررلو إلى أهمية التمويل الكافي والمستدام والقابل للتنبؤ في هذا المجال، ودعم عمل المجتمع المدني النسائي على الأرض، حيث أشارت بأن “صندوق الأمم المتحدة لبناء السلام خصص 40% من استثماراته للمبادرات المراعية للمنظور الجنساني”، وتخصص إدارتها 17% من ندائها متعدد السنوات لمبادرات المرأة والسلام والأمن، ولكن هذا قد لا يشكل ضماناً لخطط العمل الوطنية التي تغطي كافة ركائز القرار، بل وتركز على بعضها على حساب الأخرى، وبالأخص في مجالات إصلاح قطاع الأمن وإتاحة العدالة للنساء.

بالإضافة إلى أن هكذا دعم من الأمم المتحدة يرتبط باعترافها بشرعية السلطات والحكومات، وبالتالي تساهم في دعم الدكتاتوريات والحكومات الفاسدة، متجاهلةً الخطط الوطنية القادمة من الفاعلات/ين على الأرض، والناشطات/ين، ومؤسسات المجتمع المدني، وبالتالي تلجأ لقنواتٍ أخرى لتسهيل التمويل في بعض الأحيان، وإن كان خجولاً.

كما يبقى قطاع الدعم والتمويل محكوماً بالنظرة البيضاء-الليبرالية لدول النزاع وفهمه، هذه الدول التي تفتقر بسبب واقع الحال للخطط الوطنية والاستقلالية المالية لدعم المشاريع، كالحالة السورية، حيث تنحصر الجهود بالمجموعات والأفراد الفاعلين/ات والقادرين/ات على الوصول إلى برامج الدعم والتمويل، وهي بحد عينها برامج محدودة وجامدة في بعض الأحيان أو معظمها، بالأخص عندما يتم تصميمها من قبل الداعمين بشكلٍ يشمل جميع دول ما يسمى بالجنوب العالمي، والتي تتعاطى مع مليارات البشر خارج سياقاتهم/ن المحلية، ليتم فرض برامج مستوردة ومعلبة لا تتناسب بالضرورة مع المتطلبات والاحتياجات الحقيقية، ولا تؤدي إلى نتائج ملموسة.

التجربة السورية ومشروع شبكة الصحفيات السوريات:

بالتركيز على الصعيد السوري، تبقى المساعي خجولةً ومساحة العمل على تطبيق القرار 1325 غير مرئية، لأسبابٍ مختلفة، ذكرنا بعضها سلفاً، فبالإضافة إلى ندرة المشاريع، نرى وللأسف أن العديد من الفاعلين والفاعلات لا يكترثن/ ون حقاً لمثل هذه القرارات، وقد لا يعرفن/ون بوجودها أصلاً.

في شبكة الصحفيات السوريات، كانت لنا محاولة منذ عام 2019، وضمن تخصصنا المتعلق بالإعلام، لبدء مشروعٍ من شأنه تقديم خلفية حول القرار 1325 وإضفاء المحلية على فهم القرار ومدى مرونة تضمينه في الانتاج الإعلامي، وإن كان الأثر محدوداً لهذه الجهود، فنحن محكومات بعدد من العوامل، ما يمكن أن يعزى لعدد من العوامل المرتبطة بالإمكانيات والوصول واختلاف مستوى المعرفة والخبرات بين الصحفيات/ين ومستوى الحريات، والقدرة على مقاربة مواضيع ذات حساسية اجتماعية في مختلف مناطق عملنا، إضافةً إلى مرونة برامج الدعم والأنشطة المترتبة عليها، وغيرها.

انقسم عملنا على مرحلتين، وبالمشاركة مع ثلاث مؤسسات إعلامية وبالتعاون مع مؤسسة بدائل ومؤسسة النساء الآن للاستفادة من خبراتهما في مراحل مختلفة من المشروع، ركزت المرحلة الأولى على تدريب الصحفيات/ين حول الصحافة الحساسة للقضايا الجندرية في أماكن النزاع، والقرار 1325 إلى جانب الأمن الإلكتروني والسلامة النفسية، وإنتاج موادٍ مرتبطة بمادة التدريب، في حين عملت المرحلة الثانية على تقييم وتحليل المواد المنتجة والعمل لاحقاً على تطوير إرشاداتٍ توجيهية، لإيماننا بقدرة الإعلام على التأثير بشكلٍ تراكمي على الرأي العام والتوجهات، ومن هنا فإن فهم العاملين/ات في الإعلام لهذا القرار والمفاهيم الجندرية أي الكشف وتفكيك لأشكال القمع الاجتماعية التي تقع على النساء وكذلك للتمييز والعنف الذين يواجهنه كونهن نساء، وإيجاد سبلٍ لتضمينه في الخطاب الإعلامي أمر شديد الضرورة. وهو ما يتطلب العمل بشكلٍ أوسع مما عملنا عليه الآن، وعدم الاكتفاء بالتدريب، واجتزاء الجهود، بل الانتقال إلى عملٍ أكثر استدامة وفاعلية، وإشراك أعدادٍ أكبر من المؤسسات والإعلاميين/ات، وشمل مؤسسات المجتمع المدني، بغية التأثير على كافة أشكال الاتصال من خلال زرع هذه المعرفة وتداولها، وخلق مساحاتٍ أوسع للنقاش وللحوار المحلي في هذه السياقات، بما يتناسب مع الواقع، ليكون حواراً مجدياً قابلاً للتطوير وخلق قنوات التواصل ورجع الصدى، كما علينا العمل على فرض رؤانا (من فاعلين وفاعلات ومؤسسات) على الداعمين لتجاوز نظرتهم البيضاء- الليبرالية والاستعمارية (الكولونيالية ) في بعض الأحيان لمجتمعاتنا وتطبيقات المشاريع ضمنها، والاهتمام بالآثار الحقيقية والقدرة على التطبيق، دون فرض أجندات عمل لا تتسق مع السياق المحلي والإقليمي.

وفي النهاية وإن كان فهم السياقات المحلية وفتح المجال أمامها لتطوير مشاريعها وتدرج رؤاها، وأخذها بعين الجدية والاعتبار، فإن التحالفات الإقليمية والدولية بين الفاعلات والناشطات والمدافعات عن حقوق النساء تعتبر أمراً ضرورياً لإحداث تغيير خاصة في دول العالم الجنوبي ، ولنقل قرار بأهمية 1325 إلى حيز التطبيق الفعلي، وإخراجه من إطاره الجامد غير القادر على ردم الصدع في المجتمعات، بل تفعليه بإشراك طيف أوسع من النساء بالأخص غير الممثلات، والمهمشات، والناشطات المحليات، وفتح أبواب الحوار والإصغاء.

برنامج شبكة الصحفيات السوريات

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015