النساء والتبغ والأدب
GENESIS BELANGER, “PETER THE LAST DRAG IS FOR YOU,” 2016, OIL ON CANVAS

Arabic RT- هنالك مشهد يستحوذني في الفيلم السوڤييتي القديم” الواحد والأربعون “، مُستوحى من رواية بوريس لا ڤرينييف التي نُشرت تحت العنوان نفسه. ويحكي الفيلم قصةَ جنديةٍ في الجيش الأحمر، شابة و شجاعة أسرتْ ضابطاً من الحرس الأبيض.

كان الضابط جذّاباً، وفي المشهد نراهما معاً في كوخ في البرية ينتظران عودة الفصيلة التي تنتمي إليها الجنديةُ الشابة. تقع الجندية ذات القلب الكبير المتمرد على المذهبية، في حب عدوِّها الإيديولوجي الفتّان. وفيما هما ينتظران، ينفد ورق لفائف تبغ الضابط، فتقدم إليه الشيء الوحيد الثمين الذي تملكه: دفتراً صغيراً كانت قد دوَّنت عليه قصائدها. فانصرف الضابط الأبيض إلى لَف التبغ بأوراق قصائد الجندية، ليحوِّلها بوقاحة إلى رماد حتى آخر سطر تحت انظار مشاهدي الفيلم المذهولين.

أَيكون بوسْعنا تصوّر الموقف النقيض لهذا المشهد؟ كلا، لأن المشهد مهما يكن ساذجاً ومؤثراً يُمثّل شيئاً اكثر بكثير من كونه مشهداً سينمائياً: إنه الخلاصة المجازية لتاريخ الآداب النسائية ولعلاقة النساء بإبداعهن الخاص بهن و لصلة الرجال بإبداع رفيقاتهم.

عَبر التاريخ كله حَوَّلَ الرجالُ طموحات النساء الأدبية إلى رماد، وضحَّت النساءُ بأنفسهن في سبيل الآداب. مع ذلك لم تتمكن أدَبيات جمّة من الاحتفاظ بمكانتها في أكثر الأوقات حلكة إلا بفضل النساء. لنتذكر، على سبيل المثال ، ناديجدا مندلشتام،  التي حفظَتْ أبيات زوجها أوسّيپ مندلشتام* عن ظهر قلب، منقذةً بذلك كثيراً من قصائده، رغم أن اصبع ستالين القاهرة كانت تضغط على مفتاح الإلغاء.

فلنتذكرهن جميعاً، الزوجات والعشيقات والصديقات والمُعجبات والمُترجمات والمرافقات والمتبرعات والمحسنات والناسخات والعاملات على الآلات الكاتبة والمصَححات والناشرات المخلصات والمُفاوِضات الحكيمات والوكيلات الأدبيات والمُلهِمات ربّات الفنون والمستشارات والمساعِدات المتقدات منهن حماسة أو الناعمات اللواتي يأخذن على عواتقهن حشوَ غلايين الكُتّاب بالتبغ و تنظيف مكاتبهم، والطبّاخات الودودات وحافظات الوثائق الباسلات وعاملات المكتبات، والقارئات حارسات المخطوطات الغامضات – كأبي الهول – في معابد الأدب الجنائزية وعاملات الصيانة والنظافة في متاحف الكُتّاب اللواتي يُلَمعن التماثيل النصفية الجليلة و يمسحن الغبارَ المتراكم على الأعمال الكاملة، والمجنونات بإقامة المؤسسات والصناديق التي تقترح على نفسها العمل على بثّ دواوين الشعراء، الأحياء منهم و الأموات.

نعم، لنتذكّر هاته النساء جميعاً.

إذا انتقلنا إلى لغة المعلوماتية، نجد النساء قد حمَيْن النصوص الأدبية وحفِظْنَها بينما قام الرجال بإلغائها وإبادتها. كم من مستبد أو قطب مُهم أو رقيب على الضمائر أو مجنون أو مهووس بإيقاد النار أو قائد جيش أو امبراطور أو زعيم، و كلُّهم رجال، قد نذروا حقداً شرساً على كل نَصٍّ مكتوب؟

لَئن حدثَ ذات مرة أن أقدمت امرأة على لَفّ سمكةٍ طازجة بورقة عليها أبيات كتبَها شُوَيْعر ما، فما هي قيمة هذا العمل بالمضاهاة بعدد الكتب التي أُحرقَت في عهد الامبراطور الصيني شينج هوان؟

ولئن وضعتْ هذه المرأةُ أو تلك في القالَب الذي تصنع فيه الحلوى، ورقةً دونت عليها قصيدة، فأية أهمية لهذا العمل مُقاساً بأطنان المخطوطات التي أتلفَتْها أجهزةُ الأمن السوڤييتية؟

ولئن استعملتْ بعضُهن كتاباً  من أجل إيقاد النار في موقدها، فأين هذا العمل من دخان الكتب التي أُلقيت في نار النازيين؟

ولئن أخذتْ امرأة صفحات من رواية ما لتنظيف زجاج نوافذ بيتها فكيف نضع هذا الصنيع إلى جوار رماد مكتبة ساراييڤو التي أحرقتْها قذائف كارادجيك وملادجيك؟

أيكون من الممكن وضع تصَوُّر “جَردة” مناقضة؟ كلا، فهو أمرٌ لا يمكن التفكير فيه.

لأن النساء طُوال التاريخ كُنَّ قارئات، ذُبابات صغيرة تستَسلم إلى سنَّارة النص المخطوط، ولقد اصطفَّت النساء دائماً إلى جانب الجمهور . ففي الأدب الكرواتي الضئيل المنشور في القرن التاسع عشر، اضطُر الكتّاب الرجال إلى إقناعهن بالكَف عن القراءة باللغة الألمانية، لأن أحداً لم يكن يقرأ أولئك الكتّاب الرجال من “أهل البلد”.

لا يستطيع أي وطني إلا الشعور بالضيق عندما يسمع ما يُقال من أن الفتيات في منازل العائلات الميسورة وفي بيوت العامَّة، يتهكمن على اللغة القومية. هكذا راحت القارئات الكرواتيات ذوات القلوب الطيبة، وقد أخذتهن الشفقة على الكتّاب، يقرأنَ ما كتبوه وهن يتثاءبن ضَجِرات.. مما يُتيح لنا القول أيضاً، إنّ أدب هذا البلد الصغير قد عَلَّمَتْ خفاياه القارئات ولَقَّنَهُ.

كانت النساء دائماً هن الأرواح المنزلية العطوفة التي تريد الخير للأدب.. والنساء هن القدوةُ الحسنة.. وكلّ دار نشر أدبية مسكونة بظلّ امرأةٍ هي بانيتها الحقيقية.

كان المؤلفون لقاء اجتهادهنّ يُكافئونهنّ بسخاء، كلمة ثناء جَماعية، على النساء كلهنّ اللواتي ساعدن المؤلّف.

وهكذا تبدو أسماؤهن غالباً في نهاية قائمة أسماء الأشخاص الذين ينبغي شكرهم: بعد مدراء التحرير والناشرين والأصدقاء والمؤسسات. وفي قاعدة الهرم يلوح ظلّ 1(Mary أو Jane أو Véra)، وتبقى ظلالهن أسيرة هناك.

لنعد إلى بداية حديثنا، ولنَقُل إن تاريخ النساء والكتب والدخان واحدٌ لا يتجزأ، كدتُ أقول إنه مُشترَك أيضاً.

وحدهُن النساء والكتُب التهمتهنّ النيران على محارق محاكم التفتيش. ذلك أن الرجال، إحصائياً، لم يلعبوا إلا دوراً لا يكاد يُذكر في رماد التاريخ.

إن الساحرات (وهنّ نساءٌ مثقّفات) والكتب (مصدر المعرفة و المتعة) جرى اعتبارهما عبر تاريخ البشرية، وكلما بدا ذلك ضرورياً، من أعمال الشيطان (2). وانعقدت الدائرة بانتحار سيلڤيا پلاث التي وضعت حدّاً لحياتها وحشرت رأسها في موقد المنزل، وهو نسخة تذكارية مطابقة لجهنم.

من أجل اختتام هذه القصة الحزينة دعونا نستحضر حكايةً أكثر بهجة، من روسيا أيضاً. حكاية أٰمٍ موسكوڤية كثيرة القلق على ابنها من دون مُسَوِّغ: فابنها طالبٌ ممتاز في مدرسته، يهوى الأدب ويَعُدُّ پوشكين (شاعر روسيا العظيم) أيقونةً مقدَّسة. مع ذلك، كانت الأم تخشى من احتمال تعاطيه المخدرات التي تعُدُّها قمّةَ الشر، لذلك كانت تفتش جيوبه بانتظام. وانتهتْ أخيراً إلى العثور عمّا كانت تبحث عنه: قطعة صغيرة من مادة سمراء داكنة، ملفوفة بعناية بورق القصدير.

لم تشأ هذه المرأة الطيبة إتلاف غنيمتها المشؤومة، بل فضّلت أن تختبر على جسدها آثار المخدر. ومع أنها عديمة الخبرة في هذا المجال تمكّنت بعد جهد من صنع لفافةٍ من تلك المادة. غير أنّ ظهور ابنها على الباب انتزعها من الخَدَر العذب الذي بدأت تُحسّه.

-أين حفنة العشب؟ صاح الولد بأمه.

– لقد دخَّنتُها. أجابتْه مرحةً.

لم تكن حفنة العشب حشيشاً مخدراً، كما ظنّت الأم بل تراباً جاء من ضريح پوشكين كما يُدَّعى، له مكانة مقدَّسة بنظر الابن.

لقد دخَّنت هذه المرأة الطيبة پوشكين، إذن، آخذةً من دون أن تدري ثأرَ جندية الجيش الأحمر الكريمة التي حوّلَتْ أبيات قصائدها إلى رمادٍ لذلك الضابط المُتَجَمِّل.

ربما قلبَتْ تلك المجهولة من دون أن تعرف، صفحةً جديدة ثوريّة من صفحات تاريخ الأدب. وأؤكّد على “ربما”.

هوامش

دوبراڤكا أوجريسيك: كاتبة صربية تعيش في المنفى. وهذه القصة من مجموعة عنوانها: “هذا ليس كتاباً”، تُرجم الى الفرنسية ونشره فايار، في 2005.

*أوسّيپ مندلشتام 1891-1938 أول شاعر كتب قصيدة ضد ستالين، حُوكمَ وأُعدم.

-١- كتبَت ستاسي شيف مؤلّفة سيرة Véra الذاتية (وهي زوجة ڤلاديمير نابوكوڤ): لئن أخذنا بالحسبان قائمة الأمور التي لم يتمكن نابوكوڤ أبداً من أن يتعلّمها، كالضرب على الآلة الكاتبة وقيادة السيارة والتكلّم بالألمانية والعثور على الأغراض الضائعة وإغلاق مظلة واقية من المطر والردّ على الهاتف وقطع صفحات كتاب جديد مطبوع وتخصيص وقت قليل لغير المثقّفين، يسهل علينا عندئذ تخمين الأمور التي أوقفت Véra حياتَها عليها..

-٢- في الفيلم الأمريكي: شريك الشيطان. للمخرج تايلور هاكفورد، يبدو التشخيص المعاصر للشيطان كبير الأهمية. فالشيطان (آل پاتشينو) وتابعاته، يجري التعارف بينهنّ وبينه عبر وسيلتين تفصيليتين مهمتين: التدخين “لا يدخّن أحد في أمريكا إلا من يقعون تحت تأثير القوى المُلَوّثة”، والتحدّث باللغات الأجنبية “المثقّفون أيضاً واقعون تحت تأثير القوى نفسها”.

  • المصدر الذي نشر القصة من مجموعة دوبراڤكا: الشهرية الفرنسية لوموند ديپلوماتيك، عدد أيلول 2005.
GENESIS BELANGER, “PETER THE LAST DRAG IS FOR YOU,” 2016, OIL ON CANVAS

GENESIS BELANGER, “PETER THE LAST DRAG IS FOR YOU,” 2016, OIL ON CANVAS

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015