النسوية‭ ‬الإسلامية .. فاطمة‭ ‬المرنيسي‭ ‬أنموذجاً
النسوية‭ ‬الإسلامية فاطمة‭ ‬المرنيسي‭ ‬أنموذجًا

يحيى بن الوليد/alfaisalmag- منذ‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬المنقضي،‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬نعد‭ ‬قراءة‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامي‭ ‬وإشكالات‭ ‬الحاضر‭ ‬عامة،‭ ‬ومن‭ ‬مواقع‭ ‬البحث‭ ‬المتعمق،‭ ‬من‭ ‬المحاور‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬تياراته‭ ‬الفكرية‭ ‬والأيديولوجية‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬‮«‬ثابته‭ ‬ومتحوله‮»‬‭… ‬لكننا‭ ‬نادرًا‭ ‬ما‭ ‬نطرح‭ ‬السؤال‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬إسهام‭ ‬المرأة‭ -‬النابه‭- ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفكر‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الإشكالات‭ ‬ذاتها‭. ‬هذا‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نعدم‭ ‬وجود‭ ‬نساء‭ ‬مفكرات‭ ‬لا‭ ‬يقللن‭ ‬قدرة‭ ‬عن‭ ‬الذكور‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬طبيعة‭ ‬اختيار‭ ‬المحاور‭ ‬ضمن‭ ‬إشكالات‭ ‬الماضي‭ (‬موضوع‭ ‬المرأة؛‭ ‬تعيينًا‭) ‬أو‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬العدة‭ ‬المعرفية‭ ‬والمفاهيمية‭ ‬والطرح‭ ‬المنهجي،‭ ‬ومن‭ ‬حيث‭ ‬التطلع‭ ‬إلى‭ ‬الانتظام‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬بشكل‭ ‬واعٍ‭ ‬ومسؤول‭.‬

على هذا المستوى يمكن أن نحيل على مفكرات وباحثات عربيات من بينهن الأكاديمية المصرية الأميركية ليلى أحمد من خلال أبحاثها وإسهاماتها في موضوعات الإسلام والحجاب والجندر ونظرة الإسلام للمرأة، ووضع هذه الأخيرة التاريخي والاجتماعي في الشرق الأوسط (تبعًا للمصطلح الذي تعتمده) وبخاصة كتابها العمدة «المرأة والجندر في الإسلام» (1992م)، الذي قوبل في مصر، بكثير من التشكيك حتى العداء.

غير أن وجود صاحبته وتدريسها في أميركا، في «الغرب الرأسمالي»، جعلها مقارنة مع فاطمة المرنيسي بمنأى عن نيران النقد الذكوري العدائي واللاهب؛ بل جعلها غير متداولة، بشكل محترم، حتى في الدراسات التصنيفية في العالم العربي، وحتى لا نسأل حول مراجعات نقدية وتحليلية بخصوص مشروعها الفكري. الدراسة الأكاديمية الوازنة حولها، منجزة من قبل إحدى بنات جنسها وهي الباحثة اللبنانية ريتا فرج، وهي بعنوان «الجندر والإسلام والحجاب في أعمال ليلى أحمد: القراءات والمناهج». واللافت أن المراجعة تستقر على أن صاحبة المشروع متحدرة من العلوم الاجتماعية وليس الفكر الإسلامي.

ورغم ذلك تمكنت ليلى أحمد وفاطمة المرنيسي من أن تمهدا لما سيصطلح عليه في النقد الثقافي النسائي في الغرب، خلال حقبة التسعينيات، بـ«النسوية الإسلامية» التي ستفرض نوعًا من الرجوع للماضي من منظور الوعي بما تسميه الباحثة المغربية أسماء المرابط بـ«التراجيديا التاريخية الطويلة» لقراءة الدين. وهذه الأخيرة بدورها تكتب بالفرنسية، وصاحبة أبحاث كثيرة في نطاق دفاعها عما تسميه «الروحانية النسوية».

والظاهر أن هناك أسماء أخرى، كما في تونس مثلًا، أسهمت بدورها في هذه القراءة والعودة للماضي. ويمكن التذكير، هنا، بالأكاديمية التونسية آمال قرامي في كتابها الضخم «الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية» (2007م) الذي قدم له أستاذها المفكر التونسي المستنير عبدالمجيد الشرفي. وقد بنت أطروحتها اعتمادًا على مصادر ومراجع متباعدة تصل ما بين العقيدة والشريعة والأدب والطب والتاريخ… إلخ. وهناك باحثات تونسيات أخريات، وشابات أيضًا، يضيق المجال عن استحضار إسهاماتهن في الموضوع.

نقد النسوية الإسلامية

من ناحية التلقي أو التعاطي مع النسوية الإسلامية، من داخل المنظومة الإسلامية التقليدية، فالنظرة الغالبة لإسهام الباحثات السابقات وغيرهن، لا تزال لا تخلو من تشكيك بحجة أن «منتوجهن» موقع بطابع الغرب طالما أنه يطرح إشكالات الاستيراد والسيطرة والاستعمار الجديد… رغم خلفياتهن الإسلامية المتفتحة. كذلك «افتقار» الباحثات إلى الكفاءة في دراسة النص القرآني وتفسيره. إضافة إلى الشك في مدى تمكنهن من التاريخ الإسلامي. أما جذر المشكلة فيكمن، في نظرنا، في اقتراب المرأة العربية المفكرة من مجالات قراءة التراث، أو التعاطي السوسيولوجي مع إشكالات المرأة من منظور يستحضر العقيدة والشريعة وتأويلاتهما المغلقة في الثقافة العربية. عكس تعاطيها مع إشكالات الأدب والنقد الأدبي والترجمة… حيث يخفف التلقي من آليات الطرح العدائي لإسهامات المرأة المفكرة والكاتبة والمترجمة.

ومن هذه الناحية فقد خلفت الباحثة السوسيولوجية الرصينة والكاتبة المغربية المتميزة فاطمة المرنيسي (1940- 2015م)، سواء في مجال قراءة التراث الإسلامي أو غيره، ميراثًا معرفيًّا نادرًا من أبحاث نظرية وأبحاث ميدانية ومقالات ومقابلات واستجوابات وتسجيلات… موازاة مع محاضرات وحوارات ومداخلات… مؤكدة، عبر مسارها المتفرد، أنها من النوع الذي لا يعوض بالنظر لمرجعيتها الفكرية، ومستنداتها التصورية، ومقولاتها النظرية، وعدتها المفاهيمية… وغير ذلك من مرتكزات المعرفة والمعرفة النقدية التي جعلت منها «نسوية مختلفة»، و«سلطانة غير منسية»، و«نصيرة شهرزاد العصر»، و«امرأة ميدان بامتياز»… مثلما جعلت منها «المثقفة النسائية التي يُعَرف بها بلدها»، و«سفيرة الحب بين الحضارات والثقافات»، و«سيدة الحوار بين المسلمين والغرب»، و«أيقونة النضال النسائي»، و«مُنتجة المعرفة السوسيولوجية»، و«المسافرة على أجنحة السوسيولوجيا»، و«شهرزاد المعرفة النسوية»… و«دارِسة القرآن الكريم»، و«تلميذة القرويين»، و«الفقيهة المتصوفة خريجة جامعة القرويين»، و«لبؤة الدراسات النسائية في الإسلام»… مثلما جعلت منها «مجلى الصوت المكتوم»، و«منبر غير المتعلمات» من المنسيات والمحجوزات والعاملات، مثلما جعلت منها «مشروع الحضور والكلام الفاعل»… وصولًا إلى «المغربية الأكثر حضورًا في الغرب».

وهو ما جعل منها، في السياق ذاته، «قيمة ثقافية» بالنظر للغتها التحليلية الأنيقة التي بلغت -حتى في ترجمات عربية أيضًا- حد استمالة القارئ المتخصص في «النسوية» جنبًا إلى جنبٍ مع قراء من تخصصات متباعدة ومتغايرة… مغايرة في ذلك لغة أغلب علماء الاجتماع، العرب، من الذين لا تزال تستهويهم اللغة الموضوعية والصرامة التحليلية والجداول الرياضية والترميزات الاختزالية… إلخ. فلا مجال للمنحى البارد في تحليلاتها، ولا مجال للمسافة المعرفية بدعاوى المنهجية الزائدة أو البرانية… لكن في إطار إنتاج المعرفة ذاتها من جهة وبكثير من النجاعة المنهجية الإجرائية ذاتها من جهة موازية. لهذا الاعتبار بالذات، تعرضت المرنيسي لانتقادات وبخاصة من زملائها في الجامعة؛ بل ثمة من مضى أبعد في نقده حين سحب منها صفة «الباحثة السوسيولوجية» بحجة أنها لا تتقيد بالشروط الأكاديمية المعمول بها. غير أنه سيظهر فيما بعد أن تحررها من القيود هو الذي سيكون وراء تميزها الأكاديمي ثم ترجمة كتبها للعديد من اللغات العالمية؛ وبالتالي مكانتها العالمية المتميزة.

إضافة إلى ما سلف، وعلى أساس من مرجعيتها المعرفية السوسيولوجية دائمًا، حتى في حال كتاباتها المفتوحة، فهي «قيمة فكرية» في حقل الفكر العربي المعاصر على مستوى التشابك مع قضاياه… وهو ما جعل النظرة إليها تختلف باختلاف المرجعيات وزوايا النظر وباختلاف فهم أدوار الفكر على مستوى تشابكه مع واقع متخشب ومتصلب في الأغلب الأعم، مثلما يسير في أكثر من اتجاه في الوقت ذاته. إضافة إلى مطمح هذا الفكر على مستوى المواكبة والتغير والتبدل… عدا على مستوى التخلي عن «الهيمنة الذكورية» سواء عن وعي أو غير وعي. ولا يبدو غريبًا أن تتسع دوائر هذا الاختلاف بالنظر لموضوع المرأة الذي أصرت الباحثة على التفرغ له، بالكلية، في سياق ثقافي وتاريخي مضطرب وضاغط.

لعل أهم ما ميز هذا السياق، علاوة على مترتبات الاستعمار وإكراهات الاستقلال الوليد، و«تقليدانية» نصوص التشريع، طبيعة المشكلة التي تبدو، في الأغلب الأعم، من دون «حلول مقترحة»؛ إضافة إلى غياب أعمال فكرية وازنة جديرة بالتحليل الهادئ والتشخيص النافع… في أفق الرد الفكري على المشكلة أو الأحرى «المشكلة التي لا اسم لها» كما نعتتها الكاتبة والناشطة النسائية الأميركية الشهيرة بيتي فريدان.

منهجية مختلفة

اللافت أن فاطمة المرنيسي ظلت منتظمة في النقد النسائي والنسوية المعتدلة طوال مسارها الأكاديمي الثري والمتجدد، دونما سقوط في معاودة النفخ في الموضوعات التقليدية مثل الحجاب والإرث والعنف ضد المرأة… إلخ. حتى إن عادت لمثل هذه الموضوعات ففي سياق معرفي محدد، وبحس تأويلي محكم، ومنهجية مغايرة أو مختلفة، وبمنأى عن السقوط في مناطحة الرجل، أو مسايرة الغرب من خلال الانتظام في النسوية الراديكالية، أو نقيض ذلك حيث العداء والعداء اللاهب للغرب وتلخيصه، من حيث تعاطيه الفكري والمعرفي الغاصب (كذا) مع العرب والإسلام، في الاستشراق بشقيه الظاهر والسافر؛ والمساير، في الحالين معًا، للإمبريالية في إصرارها على تشطير الأمم عبر تفتيت الهويات الجماعية، وتعطيل عمل الذاكرة والقدرة على السرد والسرديات المضادة… إلخ. فقد أدركت كيف تصل وتفصل، في الآن ذاته، ما بين الإسلام والغرب من خارج التنميطات الجاهزة والكليشيهات المتبادلة. من هذه الناحية كانت وراء أبحاث مكرسة غير مسبوقة، وبالقدر ذاته أسهمت في التأسيس لفكر نسوي غير مسبوق في العالم العربي؛ وهو ما جعلها محط إحالة من جانب باحثين غربيين يعتقدون في جدوى «الغرب المتعدد»، و«الإسلام المتنوع».

الظاهر كذلك أنها مضت إلى الأنساق الكبرى في الثقافة العربية. تلك الأنساق التي تقف، في حال المرأة، وراء أشكال من المصادرة والقهر والتحقير والكراهية… إلخ. وهذه الأنساق ممتدة في التاريخ ذاته والثقافة والمجتمع في وحدات سياقية منفصلة ومتمفصلة في آن واحد. وهو ما دفع إلى أشكال من الخوف منها في بلدان العالم العربي ضمنها بعض البلدان التي تسمح للمرأة بالظهور في المجال العام والمشاركة (المحدودة) في أكثر من مجال.

حتى داخل بلدها المغرب لا نعدم درجات من هذا الخوف، بل إنه لم يكن مرحبًا بها بالنظر لـ«التقليدانية» المتخفية في «الحداثة الظاهرة». في المغرب ذاته، وحتى لا نطمع في الخارج، يسهل تأكيد حجم النقص بل عدم الاستعداد… على مستوى التعاطي مع منجز الباحثة درسًا وتحليلًا وتقويمًا. ولا أدل على ذلك من غياب كتب جماعية أو حتى ملفات قوية حولها في أثناء حياتها… مقارنة مع ما حصل مع عبدالله العروي ومحمد عابد الجابري وعبدالكبير الخطيبي ومحمد مفتاح وعبدالفتاح كيليطو… إلخ. المؤكد أن جميع هذه الأسماء «ذكورية». لكن من الحق أن يقال: إن المرنيسي كانت بدورها وراء تكريس صورة المغرب الثقافي «أفقًا وتفكيرًا». ومن الحق أن يقال أيضًا، أو من جهة مقابلة: إنها بدورها أسهمت في المغرب الثقافي؛ بل لفتت الانتباه إليه بشكل لا يقل أهمية مقارنة مع بعض هذه الأسماء.

لا أخفي أنني بدوري ساهمت في بعض هذه الكتب (عبدالله العروي ومحمد عابد الجابري). ومرة سألتُ زميلًا لي (وهو باحث أكاديمي وأعد أكثر من كتاب في هذا المجال)، في سياق تحمسه لإعداد كتاب يندرج ضمن الصنف ذاته، حول إمكان التفكير في إنجاز كتاب حول فاطمة المرنيسي التي كانت قد فارقت الحياة في العام نفسه (2015م). فبدا غير متحمس للفكرة، بل استغرب لها في البداية؛ وهذا مفهوم طالما أن الهيمنة الذكورية تشتغل في صمت. إضافة إلى أن فاطمة المرنيسي تدخل في منطقة «اللامفكر فيه» بالنسبة للنخبة المفكرة المكرسة بالمغرب. وقد جرى، في أكثر من ملف/ مقاربة، تجاوز الهيمنة الذكورية نحو «الاستغراق الذكوري» ذاته؛ ومن ثم النسق الذكوري الجارف والكاسح.

اعتراف متأخر

ليس غريبًا كذلك، وهذه المرة بالوسط الجامعي الأكاديمي، ألا نسمع، حتى الآن، بخصوص أعمال فاطمة المرنيسي، عن أطروحة بالعربية منشورة ولقيت صداها في الإعلام وبين المهتمين والدارسين. الأطروحة الوحيدة (المتكاملة) والمنشورة حول أعمالها هي باللغة الإنجليزية، وهي بعنوان: «النقد النسائي الدنيوي والإسلامي في عمل فاطمة المرنيسي» (2010م) لصاحبتها الباحثة رجاء الرهوني. وقد نوقشت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط بالمغرب عام 1997م؛ الجدير بالذكر أنها لم تسجل إلا بشق الأنفس. ثم الباحثة الجامعية نزهة جسوس التي سارت في الاتجاه ذاته من خلال بحثها (بالفرنسية؛ هذه المرة) «نسويات فاطمة المرنيسي».

في ملعب اللغة العربية يظل، حتى الآن، كتاب أحمد شراك «الخطاب النسائي في المغرب، نموذج فاطمة المرنيسي» (1990م) الوحيد بوصفه «مراجعة سوسيولوجية» بخصوص منجز مشروع فاطمة المرنيسي. وكان من المحتم أن يتوقف الكتاب عند آخر عمل للمرنيسي وقتذاك؛ وهو «شهرزاد ليست مغربية» (1988م). الكتاب، على الرغم من أهميته، فهو محكوم بـ«خلفية ماركسية» لصاحبه؛ وهو ما جعله -في نظرنا- لا يلتفت إلى إمكانيات «النقد الثقافي» في مشروع فاطمة المرنيسي، بل يتجنى على بعض أهم أفكارها.

نحن بصدد أعمال معدودة جدًّا وبثلاث لغات كما لاحظنا. ولعل في هذا ما يؤكد نوعًا من «الخوف الأكاديمي» من صاحبة «المغرب عبر نسائه». في سياق الخوف ذاته تنعدم الإشارات إلى فاطمة المرنيسي من جانب زملائها السوسيولوجيين والمفكرين في الكتابة أو النقاش والحوار أو السجال… في أثناء حياتها.

إضافة إلى هذا الخوف أو التجاهل نجد الهجمة الشرسة التي استهدفتها في أثناء أوج عطائها داخل المغرب حتى خارجه. فقد مُنِعَت من إلقاء عروضها في ندوات من جانب طالبات هن مجلى للخطاب الإسلاموي المتشدد، بل نُزِعَ الميكروفون منها من جانب متشددين. هذا رغم أنها لم تأخذ بمفهوم «الجندر» كأفق للتحليل وبمترتبات هذا التحليل. الجندر الذي يقترن، في أذهان الخطاب النقيض، بـ«التدمير المقصود» للثقافة العربية برمتها لا الثقافة الذكورية أو «الهيمنة الذكورية» بمفردها. وهذا على الرغم أيضًا من عدم سقوطها في المقاربة الماركسية التي لازمت العديد من المفكرين من أبناء جيلها وما بعد جيلها في السبعينيات بخاصة.

من الجلي أن يكون هذا التلقي من خارج المرجعية الفكرية الإسلامية؛ لذلك وجدنا في المفكر المغربي أحمد الخمليشي أهم سند للمرنيسي، وهو ما جعلها تحرص على ذكر اسمه في مقدمة الترجمة الإنجليزية لـ«الحريم السياسي». والرجل صاحب رؤى تجديدية بخصوص القوامة والولاية في مجال موضوع المرأة في إطار البحث الفقهي والمنظومة الفقهية.

أما إنصافها فأخذت تلوح علاماته في مفتتح القرن الحادي والعشرين نتيجة معطى «النسوية الإسلامية» بمنحاها العالمي الذي أسهمت المرنيسي ذاتها في التدشين لها، وبخاصة من خلال كتابها «الحريم السياسي: النبي والنساء» الذي ظهر أول مرة باللغة الفرنسية عام 1987م. كذلك تراجع اللغات الأحادية وأفول الأيديولوجيا المتخشبة.

وسيتأكد هذا الإنصاف بعد وفاتها من خلال كتب جماعية محكومة، في النظر الأخير، بظرفية الموت وأخلاقيات الاعتراف المتأخر؛ وبالقدر ذاته حاولت التذكير بها ثم تأكيد قيمتها المعرفية والثقافية. وهي إما في شكل تذكار كما في كتاب «شهرزاد المغربية» الذي صدر في البحرين (2016م) لمناسبة أربعينية الراحلة، وقد أسهم فيه باحثون وكُتاب عرب بارزون… أو في شكل أعمال ندوات بجامعات مغربية كما في عنوان: «فاطمة المرنيسي: ملامح من مشروعها الفكري والأدبي» (كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير) (2018م)، وقبلها بعام واحد ندوة «فاطمة المرنيسي: مسار وعطاء»).

على طريق الإنصاف ذاته ثمة البرامج التلفزية (المغربية) التي أخذت تتحدث عن المرنيسي بصفتها من «رواد المغرب». أما تكريمها الحقيقي، في نظرنا، سواء ببلدها أو خارجه، فينبغي أن يكون -أيضًا- عن طريق البحث الأكاديمي المتعمق والنقد المسؤول لا التذكير بها فقط وعلى أهميته. وذلك كله حتى يكتمل إنصافها من جانب باحثين وأكاديميين ونقاد… من غير المقربين منها بالضرورة.

النسوية‭ ‬الإسلامية
فاطمة‭ ‬المرنيسي‭ ‬أنموذجًا

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
ديما الكاتب/raseef22- يحرص مؤرخو الفنون، على الفصل بين الفن الإيروتيكي، والفنون الإباحية، مستندين إلى القول: “إن الفن متعدد الطبقات بالضرورة، في حين أن المواد الإباحية أحادية البعد؛ لديها وظيفة واحدة فقط للقيام بها، وهي الإثارة الجنسية، وبالتالي فهي تفتقر إلى التعقيد الرسمي ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015