النسويّة والكتابة الرغبويّة والتنظير والواقع
لوحة للفنان عبدالباسط الخاتم

مجلة طلعنا عالحرية- نشرت الروائيّة الإنكليزية “فرجيينا وولف” مقالها النقدي الطويل “غرفة المرء الخاصة- A Room of One’s Own” بتاريخ 24 أكتوبر 1929، وحاولت فيه التطرّق إلى سؤال “الكتابة والنسويّة” بمستوياته المُتعدّدة. عنونت مقالها بأول النقط وأكثرها أساسيّة أي “الغرفة الخاصة” التي تحتاجها المرأة/ الكاتبة للقيام بعملها, تحتاج مساحتها الخاصة ذات الشرط الزماني والمكاني الملائم, وهو أمر لطالما حُرمت منه النساء, المسحوقات تحت وطأة أدوار نمطيّة تشغل وقتهنّ وحياتهنّ أوّلها العناية اللا مُنتهيّة بالزوج والبيت والأطفال, وهي عناية نفسيّة وصحيّة ومعنويّة ومادية, وفي زمننا المعاصر أضيف المعنى النقدي لكلمة “عناية مادية”, حيث أصبح مطلوباً من المرأة/ الزوجة والأم المشاركة في أعباء المنزل وتكاليف الحياة المالية.

أشارت “وولف” كذلك إلى القيود الإجتماعية المفروضة سلفاً على المرأة والمُثقلة بوزنها التاريخي وفي بعض الأحيان الأسطوري أو المُنتج من الخيال والثقافة الجمعيّين, حيث أنّ الخيال أوّل منافذنا إلى التحرّر عملت السلطات البطركيّة بمختلف أشكالها على قمع المرأة ومنعها من الحلم ومن الخيال ومن التفكير ولعقود طويلة وفي مختلف دول العالم مُنعت المرأة من التعليم كما من الاختيار وسواهما من أبسط الحقوق الإنسانيّة الأساسيّة.

عالمنا العربي من أشد بقاع الأرض ظلّمة بحق المرأة إلى يومنا هذا, رغم المحاولات التنويريّة الشحيحة التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مع مفكرين من طراز “قاسم أمين 1863- 1908م” الذي وضع مؤلّفي “تحرير المرأة – 1899” و”المرأة الجديدة – 1901”. إلاّ أنّ الانتكاسة التي دمّرت مشرق المنطقة العربية باستلام الديكتاتوريات لحكم البلاد بعد نيل دوله الاستقلال بزمن قصير جداً أتّت كذلك على كل شيء, كالنار التهمت الأخضر واليابس وحوّلته رماداً, قضت على الحرّيات العامة والصحف وحريّة الفكر والطباعة والنشر وحريّة التجمّع والاعتقاد والنقاش والفنون وحقوق المرأة, ومسختها إلى شكل ظاهرّي عبثيّ سخيف.

كان وضع المرأة الحقيقي من الأمور التي احتجنا في سوريا ومصر واليمن إلى ثورة حقيقة وإلى دماء كثيرة لتوضع تحت المجهر مُجدداً, وعلى الرغم من جميع الكوارث على المستوى الإنساني والثمن الباهظ إلاّ أنّ استطالة أمد الصراع سمحت لنا بكشف ما هو أبعد من مجرّد الأساسيّات, فعلى مستوى الكتابة عن قضية المرأة وجدنا أنفسنا نعيد طرح سؤال “وولف” بعد قرابة مئة عام من طرحها له. فما هي الكتابة عن “قضايا المرأة”؟ هل يكفي توفير منصّة للقول؟

إذ لطالما اعتقدنا أنّ النساء يرغبنّ بالقول, وهنّ وفق موروثنا الجمعي الشفهي المتوارث أكثر قولاً من الرجال,: هنّ “الثرثارات” وهنّ “كثيرات الكلام” وهنّ “الجدات قاصات الحكايا” وهنّ “شهرزاد”, وأنّ أحد أكثر أوجه المشكل أصالة هو في امتلاك الرجل غالباً وتاريخياً لمنصة “القول” وأدواته. فهل علينا السعي لتوفير منصة لكل امرأة تريد القول, بكل تميّز جندريّ سلبي بحق الرجل, ليس لأهميّة وخصوصيّة ما تقول بل ومن حيث منطلق أنّها امرأة, ولو كان ما تقوله معادياً للنسويّة ولقضايا المرأة.

هل يكفي الإيمان بأنّ التجربة والممارسة سوف تتطوّر لتوّلد نوعاً من كلّ هذا الكم؟ قد يكون هذا صحيحاً في أحد أوجّهه, لكن لا يمكن الركون إليه وحده, مّما يقودنا إلى الملاحظة الثانية حول الكتابة النسويّة, والتي هي تماماً ما ذكرت “وولف”, إذ وبحكم ظروف المهجر تعيش نساء كثيرات كاتبات ومفكرات من مردود عملهنّ الكتابي فقط, لكن وكما أشارت الزميلة “رشا عمران” في مقالها في هذا القسم فإنّ الكاتبة هنا مُجرّدة غالباً من أي مساحة خاصة بها, وهي تمارس كتابتها بمكانيكيّة فرضتها الحاجة قبل الرغبة, أمّا القسم الآخر الذي استسلم لشروط اللجوء  ومعضلة تعلّم اللغة الأجنبية الغريبة كخطوة أوّليّة لا مفرّ منها ولا بديل عنها لبدء حياة جديدة, فقد تحوّلت رغبتها بالكتابة إلى ترف ثقافي وشخصي, يصعب الاعتماد عليه كأحد عناصر ماكينة الإنتاج, وإن اكتسب بشرطه الترّفي تميّزاً تتيحه الكتابة وفق الرغبة ويتيحه الوقت المُعطى لتجربة الكتابة هذه.

أمّا إن نظرنا إلى مضمون القول,  إلى اللغة والفكرة, فغالباً ما نجد أنفسنا نُساق إلى تفضيل الخبرة الذكورية التي أنتجها تاريخ طويل من ممارسة القراءة والكتابة والتفكير والعمل الإعلامي والأدبي والفني, تاريخ كوّنته عوامل متعددّة منها على سبيل المثال لا الحصر أنّ عدد الرجال الحاصلين على تعليم عال والذين مارسوا الكتابة الصحفية أو الإبداعية أو المرتبطين باهتمامات ثقافية هو أكبر من عدد النساء في مجتمعاتنا البطركيّة هذه.

هنا أضع ملاحظة على الهامش, وليس أكثر من ملاحظة أنّ النصوص التي خطّها رجال نحَت إلى مناقشة الأفكار العريضة والمبادئ الأساسيّة تاريخياً أو قانونياً أو ثقافياً المرتبطة بالمرأة وقضايا الجندر،  وإن هذه الكتابة تتميّز في كثير من الأحيان بمستواها اللغوي ومستوى طرح الأفكار وجرأة النقاش. في حين نجد أنّ كتابات النساء وإن وضعت ذات الأفكار تحت الدراسة مثل وضع المرأة في قوانين الأحوال الشخصيّة أو النساء وأوضاعهنّ في المهجر, تميّزت ككتابة ولغة بلغتها الواقعيّة وتفاصيلها اليوميّة, هي لغة بسيطة ومباشرة وأقل ثقلاً بكثير, تشبهنا أكثر كما نحن, وحتى كما نستخدم لغتنا العربية, بفصاحة أقل, وكثافة أقل.

النقطة الثالثة التي أوّد الإشارة إليها تبتعد عن المستوى الجندري إلى المستوى المهني, فغالباً ما نجد في معظم كتاباتنا الصحفيّة المُنتجة عبر عقود غياباً كلياًّ لثقافة الأرقام, وهذا ما علّمتنا إياه مؤسّسة “حزب البعث” في مختلف نواحي حياتنا ودراستنا وعملنا. نصوص إعلامنا تعلو فيها معظم الأوقات شعريّة النص وكأنها تصبو لأنّ تكون نصّاً نثريّاً ولم تجد مدخلاً للنشر سوى باب الصحافة والإعلام, هذه الخاصيّة المرتبطة بالأرقام لا تشي فقط بالالتباس بين مفهوم الكتابة ومفهوم العمل الصحفي, بل بالاضطراب بين مفهوم المقال والتحقيق والتحقيق الاستقصائي, الأمر المؤسف حقيقة بعد ست سنوات اغتنى سوريون كُثر- نظريّاً على الأقل- بدورات متعدّدة لتطوير مهاراتهم في الحقل الإعلامي.

يُضاف إلى هذا وعلى مستوى المهنيّة النقطة المتعلّقة بالجدّية بالعمل, بالمثابرة, والممارسة كما أشارت لها الزميلة “عمران”, الأمر الذي يُعلّمنا إياه العمل في صحيفة يوميّة, إذ أنّ كُثراً, رجالاً ونساءً, يرغبون بالكتابة والنشر, ونسمع هذه الرغبة من معارفنا والأصدقاء ربما بشكل متكرّر ولو مرّة في الأسبوع. كُثر يبحثون عن سبيل لتأمين دخل إضافي وسط فوضى الحرب والتهجير واللجوء, لكن حين تدق الكتابة باب أحدهم يأتي الجواب مُجلّلاً برفاهية شخصيّة للغالبيّة, وتصطدم الكتابة بجدار من أجوبة مثل: سوف أجهّز شيئاً لاحقاً لكن اليوم لا أستطيع, أنا متعب وبحاجة للراحة, وهلم جرّا.. في حين أنّ أحد أسرار الكتابة وغوايتها حين تتحوّل إلى ممارسة يوميّة سريّة أو علنيّة لكنها مع الوقت تغدو جزءاً من شخصيتنا وهويتنا, وكل تجرّبة, كلّ كتابة ولو منقوصة, ولو غير مُعلنة, لا تقل أهميّة, أو إبهاراً, او تشويقاً عن نظيرتها المنشورة كما روايات الجدّات وحكاياهنّ التي صاغت موروثاً مُتخيّلاً ثقافياً لأجيال بأكلمها في مختلف بلاد العالم، لكن الكتابة هي السجل الذي يقاوم الزمن من النسيان، واليوم نطمح لأن نتدّرب أكثر على القول كنساء, وعلى توثيق هذا القول، ومن ثمّ إعادة قراءته ومحاكمته، فقد يكون في الخيال المُغلق خلف أسوار الممنوع والمُحرّم من الرحابة ما يكفي لبناء مستقبل أفضل.

لوحة للفنان عبدالباسط الخاتم

لوحة للفنان عبدالباسط الخاتم

أترك تعليق

مقالات
إليج نون/ رصيف22- كانت العلاقة الجنسية “التقليدية” بين الجنسين تقوم على فكرة السيطرة والخضوع، وفق ما حاولت برهانه دراساتٌ عدّة سنتطرق لها في هذا المقال. إذ إن إقدام الرجل على القيام بالخطوة الأولى كان يعدّ من البديهيات، فهو الطرف الذي يبادر دوماً في السرير سواء كان ذلك عن ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015