“بنتك راجل”.. وجه آخر للمجتمع الذكوري
الرابر/مغنية الراب التونسية روكا (فيسبوك)

يسرى الشيخاني/ ultratunisia 2018- “بنتك راجل يا بابا، والله والله راجل يا بابا، تربية رجال”، أي “ابنتك كالرجل يا أبي، وقد نشأت على يد رجال”، مفردات تضمنها فيديو كليب للرابر التونسية “روكا” خيّرت أن تسمّيه “بنتك راجل”. الأغنية وإن كانت تحمل رسالة نبيلة في ثناياها، وتعترف بدور الأب في تنشئة الأطفال، إذ تقول كلماتها “أنت شمعة مضوية حياتي، أنت قصة حب كبيرة ربي يخليك لينا”، إلّا أنها تكرّس هيمنة ذكورية بإمضاء أنثوي.

ولئن اخترقت الفتيات في تونس “أسوار الراب”، هذا الغناء الذي بقي طويلًا حكرًا على الرجل، إلا أنّهن لم يتمكّن من “تأنيث” الفنّ المتمرّد، الذي بقي ذو صبغة ذكورية صرفة، بل إن “الرابرز” الفتيات لم تتردّدن في الركون إلى المعجم الذكوري في أعمالهن. وقد نهلت “روكا” من المعجم الذكوري واحتفت بالمجتمع الباطرياركي في أغنيتها الأخيرة.

وأغنية ” بنتك راجل” لجأت إلى خطاب يمكن توصيفه بالذكوري والسلطوي من خلال اختصار التربية الحسنة على الرجل من خلال قولها ” تربية رجال” أي أنها نشأت وترعرعت على يد رجل، ناسية أو متناسية ملاحم نسوة حمّلن أنفسهنّ ما لا طاقة لهن به من أجل أن يرعوا أطفالهن. وكان بالإمكان أن توجّه “روكا” رسالة عرفان إلى والدها دون أن تدوس على “نضالات” مئات النسوة اللاتي تحدّين الزمن والظروف لتنشئة أبنائهن. وكان بالإمكان أن تصدح روكا بالقول “بنتك مرا يا بابا” أي أن تتباهى بجنسها وبكونها امرأة دون أن تتبنى المقولات التصنيفية التي يعتمدها المجتمع في حكمه على الأفراد وتساهم في إعادة إنتاج الهيمنة الذكورية بل وترسيخها.

كما أثبتت الأغنية أن الهيمنة الذكورية ليست “صناعة” ذكورية وإنما تساهم فيها المرأة أيضًا من خلال تعبيرات غير واعية في مجملها، تعبيرات “تؤبّد” سلطة النظم الأبويّة وتكرّس صورة المرأة التابعة للرجل. وهي تصوّر نظرة السواد الأعظم من المجتمعات العربية إلى الجنسين والتي تجعل من الرجل مركز كل الأشياء فيما تكون المرأة امتدادًا له أو مجرّد هامش، كما أنها تصور أن كل ما هو إيجابي مرتبط بالذكور من خلال إصرارها على أنها رجل بالقول “بنتك راجل والله والله راجل”.

وتمارس “روكا” في الفيديو كليب نوعًا من العنف الرمزي المسلط ضد بنات جنسها مستهدفة بذلك ثقة بعض الفتيات اللاتي نشأن على يد أمهاتهن نتيجة بعض الظروف في أنفسهن وفي انتمائهن. وتتبنى خطاب البنية الثقافية الأبوية الذي يحشر اللغة والحقيقة في زاوية واحدة ويعرقل كل محاولات التمايز عن السائد الذي يتمثّل في وجود مشطور بين الذكورة والأنوثة، ويوكل خاصيات الفعل والعقلانية للذكورة وخاصيات الانفعال والعاطفة للأنوثة.

ووظّفت “روكا” ميولًا سائدة في المجتمع التونسي حتى أنّ البعض يتعامل معها على أساس أنّها أمور بديهية، على غرار وصف المرأة التي يزكيها المجتمع ويرى فيها مثالاً للتربية الحسنة بالرّجل. وقد أعادت عن وعي أو دونه إنتاج المنظومة النمطية من خلال الترويج لثوابت الخطاب الأبوي التقليدي، وبرهنت أن بعض التعبيرات كانت ولا تزال في أغلب الأحيان منحازة للرجل، حتى وإن استعملتها امرأة.

وإذا أمعنا النظر في تفاصيل الفيديو كليب سيسترعي انتباهنا أنّ “روكا” وهي تلحّ على أنّ ابنة أبيها رجل تؤدّي حركة مغزاها أن لها شاربين في تجل واضح لاستبطان نظرة المجتمع للجنسين من ناحية وللذكور من ناحية أخرى.  وفي المخيال الجمعي التونسي يعدّ الشاربان دلالة رجولة وفحولة، ويبدو أن “روكا” استبطنت هذا “الامتياز” الذكوري واستدلّت به على أنّها رجل.

ويعتبرعالم الاجتماع “بيار بورديو” في كتابه “الهيمنة الذكورية” أنّ كل ماهو إيجابي يرتبط بالجسد الذكوري ثم ينطلق من الجسد وينعكس على تمظهراته وحركاته. وبالنسبة لـ” بورديو” تعدّ النساء شريكات في إنتاج الهيمنة الذكورية والمحافظة عليها وإعادة إنتاجها في تعبيرات مختلفة من خلال استبطانها عبر التنشئة الاجتماعية وبطريقة غير واعية. وتترسّخ الهيمنة الذكورية في لاوعي الأفراد الاجتماعي والسياسي وتنميها الجذور الثقافية وبالتالي يمكن اعتبارها تجليًا من تجليات العنف الرمزي المسلّط ضد الرجل والمرأة على حدّ سواء على اعتبار أنّه يكرّس صورة نمطيّة للجنسين.

وداخل الأنساق الثقافية والاجتماعية للمجتمعات الذكورية تتعرض الأنثى إلى نوع من العنف غير المحسوس واللامرئي المحّمّل ببذرات الهيمنة والاستغلال، وتعيد الإناث إنتاج الهيمنة من خلال تبني وجهة نظر هذه المجتمعات وقد يصل الأمر أحيانًا إلى “تحقير” الذات، وهو ما تعكسه تمثلات “روكا” لجنسها من خلال ركونها إلى توصيف نفسها بالرجل عوض المرأة.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”. 

الرابر/مغنية الراب التونسية روكا (فيسبوك)

الرابر/مغنية الراب التونسية روكا (فيسبوك)

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015