تعدّد الزوجات: هل بات ضرورة سورية ملحّة؟
تعدّد الزوجات في سوريا

فوز الفارس/ موقع (جيرون)- تُعدّ هذه الظاهرة قديمة متجدّدة في آنٍ معًا، شغلت -وما زالت- بال النساء عمومًا، وباتت اليوم الكابوس الذي يقضّ مضجع المرأة السورية، في ظلّ حربٍ أعادت هذه الظاهرة إلى الواجهة، بعد أن كانت في طريقها إلى الاضمحلال؛ نتيجة انفتاح المجتمع وزيادة وعي أفراده، إضافة إلى أعباء الحياة التي باتت تهدّ كاهل الرجل وتمنعه من التقاط أنفاسه. 

كشف مصدر قضائيّ في دمشق أن نحو 40 بالمئة، من حالات الزواج التي تمّ تثبيتها في عدليّة دمشق، هي لرجال تزوّجوا بامرأة ثانية. وأكّد المصدر أن القضاء يشدّد على ضرورة توفّر شروط الزواج، وخاصّة القدرة على الإنفاق، كما أكّد أن هذا الزواج واجب، في حال كانت نسبة العنوسة مرتفعة في المجتمع.

أثار هذا الكشف انتقادات كثيرة، وموجة من التعليقات السّاخرة، وكانت أغلب التعليقات متّفقة على فكرة: (خلّينا نتزوج الأولى؛ بعدين منفكّر بالثانية)، خاصّة أن المصدر قد حدّد دخل الرجل المُقبل على الزواج من أخرى، بمبلغٍ يقارب500  ألف ليرة سورية. 

تقول المحامية رفيدة الخردق: “إن معظم الرجال في أيامنا هذه يؤيّدون التعدّد من منطلق ديني، متناسين أن الشّرع وضع أسبابًا وشروطًا دقيقة للزواج من أخرى، ومن هذه الشروط العدل: أي على الرجل أن يكون عادلًا في معاملته وأن يكون عدله ظاهرًا. والقدرة على الإنفاق: يجب أن تتوفّر لدى الزوج القدرة الماديّة على الإنفاق على زوجتيه، مع وجود أسباب مقنعة للزواج من الثانية، وخاصّة في حال مرض الزوجة أو عقمها”. 

وأضافت: “كما أن المادة (71)، من قانون الأحوال الشّخصية السوري، أوجبت على الزوج، عند تعدّد الزوجات، أن يكون لديه مسوّغ شرعيّ، وأن يكون قادرًا على النفقة. وعلى القاضي أن يتحرّى عن حالة الزوج الماديّة للتأكّد من قدرته على الإنفاق، وهذا قد لا يكون ممكنًا في كثير من الأحوال، ممّا يجعل التحرّي يقتصر على السؤال الشّفهي لا أكثر”. 

يتّفق كثير من الفقهاء على أن تعدّد الزوجات في القرآن ورد ضمن شروط وضوابط: {وإن خفتُم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتُم ألّا تعدلوا فواحدة} – سورة النساء/3

الحقيقة أن بعض من فسّروا هذه الآية يرون أن السبب الرئيس الذي نزلت فيه هذه الآية، هو وجود اليتامى والأرامل، وأن التعدّد ورد هنا مقرونًا باليتامى، وهذا التفسير بالتحديد تتداوله كثير من النساء وكثير من المتخصّصات في شؤون المرأة والأسرة، وخاصّة العدل الذي لن يستطيعه الرجل، لذلك وجب عليه الاكتفاء بواحدة، أمّا البعض منهم فيرى أن الأصل إباحة التعدّد دون قيد أو شرط؛ فالعدل شرط مقيّد للزواج من أخرى، لكن المقصود هنا العدل النسبيّ في المعاملة أو الظاهري، لأن العدل المطلق غير موجود قطعًا وهو لله وحده. 

الحرب وكثرة الأرامل وارتفاع نسبة العنوسة باتت الذريعة التي يتوكّأ عليها كثير من الرجال، لتبرير زواجهم بالثانية، تقول مها (27 عامًا): “رغم أن أغلب الرجال حين يقرّرون الزواج من أخرى، لا يخطبون الأرملة ولا المطلّقة أو العانس الوحيدة، إنّما يتزوجون الصّغيرة الجميلة؛ لتناسب مقامهم الجديد وليستعيدوا شبابهم، حتى وإن كانوا صادقين في دعواهم، وتزوّجوا بأرملة أو مطلّقة، فإن زواجهم هذا يحتاج إلى تكاليف قد تكفي عدّة أسر، بدلًا من إعالة امرأة واحدة”. 

وتضيف: “لا ننسى أن بعض الرجال أمام طلبات زوجتهم الأولى يتذمّرون ويشكون ضيق الحال، لكن وضعهم هذا مختلف تمامًا مع الزوجة الثانية، وهذا ما يثير حفيظة الزوجة الأولى، ويكون سببًا في مشاحنات كثيرة قد تنتهي بطلاق إحدى الزوجتين، وفي الغالب يُطلب من الزوجة الأولى الصّبر “فهذا شرع الله وقدرها”، وكأن الشرع لم يطلب من الرجل العدل الذي لن يحققه الرجل وإن حرص، طبعًا أنا لا أقصد المحبّة، هنا يكفي المرأة العدل في المعاملة”. 

أمّا منال (43 عامًا) فترى أن الزواج من ثانية “أفضل من وقوع الرجل في الرذيلة، خاصّة مع دخول الإنترنت وشبكات التّواصل الاجتماعي إلى مجتمعٍ بات متفسّخًا في كثير من نواحيه، في العالم الافتراضيّ يجد كثيرون فسحة لتعويض ما ينقصهم من عواطف، أو تخفيفًا من الضّغوط النفسية التي تملأ حياتهم في ظلّ الحرب، خاصّة أن علاقات كهذه لا يترتّب عليها نفقات أو تكاليف، في كثير من الأحيان، وهناك نسبة لا يُستهان بها من الشباب عزفوا عن الزواج بسبب تكاليفه، وفضّلوا علاقات كهذه على تحمّل أعباء الزواج ومسؤولية عائلة، في وقت لا يجدون فيه ما ينفقونه على أنفسهم”. 

وتابعت: “بالنسبة إليّ، أفضّل أن يتزوّج زوجي من أخرى على أن يلجأ إلى علاقة غير شرعية، ولو فكّرت النساء بهذه الطريقة؛ لكان أفضل لهنّ، لكنّها الطبيعة الأنثوية للمرأة التي تحاول الحفاظ على بيتها وزوجها أمام قريناتها، لِيفعل زوجها في الخفاء ما يحلو له، المهمّ ألّا تشاركها به امرأة أخرى علنًا، وعلى أرض الواقع”. 

تعجب بتول (36 عامًا)، من الرجال الذين يتكلّمون عن التعدّد رأفةً بالأرامل والمطلّقات، وتقول: “هكذا نحن دومًا، نُركّز على آثار الظّاهرة ونتناسى سببها؛ لهذا تأتي الحلول غالبًا منقوصة ولا تسهم في علاج المشكلة من جذورها! نعم الحرب تسبّبت في كثرة الأرامل وارتفاع نسبة العنوسة، دائمًا في الحروب تدفع المرأة والأطفال الثمن الباهظ، وبدلًا من مكافأة المرأة على صبرها وتحمّلها كافة الضغوط، يتزوج الرجل من غيرها، وكأن هذا الزواج سيضع حدًّا لتلك المشكلة وينهيها! الأجدر بنا أن ننهي هذه الحرب، طبعًا التعدّد مباح ولا نحرّمه، لكنّه في أغلب الأحيان، بدلًا من أن يحلّ مشكلة، يخلق مشكلات أكبر”. 

وأوضحت: “اضطر زوجي، تحت إلحاح من أهله، إلى الزواج من زوجة أخيه، على الرغم من توسلات زوجته وأمّه له ألّا يفعل ذلك، وكنا قد اضطررنا إلى النزوح إلى المناطق المحرّرة، ومن أجل الحلال والحرام، ولكي يرعى بنات أخيه، رأت العائلة في زواجه من زوجة أخيه حلّا، لكيلا تُحرم البنات من أمهنّ، خاصّة أن عائلتها بدأت تلمّح إلى صغر سنّها، ورغبة أحدهم في الزواج منها، كانت محاولة للضغط لا أكثر، وقد تحققت الغاية المرجوّة منها”، وتابعت: “بدأت حياتنا تتغيّر بعد هذه الحادثة، طلباتها وطلبات بناتها مقدّمة على طلباتي أنا وأبنائي، من باب الرأفة والرحمة، وكيلا تشعر البنات بالفقد والفرق بين حياتهن السابقة والحياة الحالية في كنف عمّهم، بدأ صوتي يعلو، أيّ كلمة أو موقف يثير أعصابي، بدأت أفقد صبري وأتلفّظ بألفاظ نابية، أفكّر أحيانًا بطلب الطلاق، لكن التفكير بأولادي يمنعني، هذا هو الزواج الثاني باختصار: حياة جديدة تنسف حياة سابقة“. 

رغم الجدال الذي تثيره هذه الظاهرة، يبقى تعدد الزوجات أمرًا واقعًا، مهما رفضته النساء وبحثت عن مبررات لرفضه، ربّما كانت هذه الظاهرة مقبولة في زمن الآباء والأجداد أكثر، وبدأت تخفّ في الفترة السّابقة، إلا أن الحرب -كما يرى كثيرون- هي المسؤولة عن إعادة هذه الظاهرة إلى الواجهة من جديد. 

تعدّد الزوجات في سوريا

تعدّد الزوجات في سوريا

أترك تعليق

مقالات
موقع (الجمهورية)- يتلعثم أحمد، الطالب في الصف الثامن الإعدادي، وهو يقرأ بضع جمل سهلة اختارها له والده من كتاب مخصص لطلاب الصف الخامس الابتدائي، إذ يقوم بتهجئة الحروف ليتمكن من استكمال قراءة الكلمات، ودون مراعاة التشكيل أيضاً. كما أنه لا يجيد معظم العمليات الحسابية التي تضم «ثلاث ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015