تمكين المرأة السوريّة بين “الدستور” & “القانون”
تمكين المرأة السورية

وفاء علوش\brocarpress- حرصت الدساتير العالمية بشكل عام والعربية بشكل نظري على الأقل، على ضمان حقوق الأفراد والعمل على المساواة بين المواطنين وإزالة العوائق التي تعرقل تحقيق المساواة الفعلية.

وعلى خطا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والدساتير العالمية، ضَمِن الدستور السوري في مبادئه العامة حقوق المرأة، فقد نصّت المادة الثالثة والعشرين منه على: “توفّر الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع”.

إن تمكين المرأة يعدّ هدفاً أساسياً في ظلّ الواقع الذي تعيشه سوريا في الفترة الحالية، إذ يتيح لها فرصة اتخاذ القرار والمطالبة بالحصول على الحقوق والمزايا، وتضييق الفجوة بين الرجال والنساء بالنسبة لاحتياجاتهم بفعل الظرف الحالي.

ويعدّ التمكين القانوني مدخلاً أساسياً إلى جميع مجالات التمكين _ التعليمي _ المعلوماتي الاقتصادي _ القانوني الحقوقي _ السياسي _ الاجتماعي، وفي مجال الصحة بصفة متساوية مع الرجل، وصولاً إلى تعزيز إجراءات الدولة وتنفيذها بشكل واسع، ليشمل التمكين عدداً كبيراً من النساء الأقل تعليماً وإمكانية بشكل خاص، وذلك بالتعاون مع المنظمات الحقوقية المهتمة بهذا الشأن.

ومن أجل المضي في هذا المجال ينبغي العمل في مسارين متوازيين:

الأول: يبدأ بسدّ الفجوة بين الدستور والقانون -في حال كان الدستور يشكّل إجماعاً عاماً بشأنه ومصوغاً وفقاً للأسس القانونية الصحيحة- وذلك يعني تعديل القوانين التي لا تتطايق مع الدستور وتخالف مبادئه أو تنتقص من حقوق المرأة وتُعطي للرجل أفضلية ودرجة أعلى.

ويتطلّب ذلك معرفة بالقوانين التمييزيّة ضدّ المرأة، مثل قوانين الأحوال الشخصية؛ كتلك المتعلّقة بالإرث والحضانة، إذ تتنازل كثيرٌ من النساء وبخاصّة في حالات الإرث عن حقوقهنّ بسبب العُرف الاجتماعي، حتى وإن كنّ رافضاتٍ لهذا التنازل أو حتى في حالة حاجتهن المادية، على الرغم من أنّ القانون يعطي للمرأة بحسب القانون الشرعي الذي تتبع له، كذلك الأمر في حالات الحضانة فتعاني المرأة من القوانين الجائرة بحقّها وبخاصّة المرتبطة بسن الحضانة، والأهم من ذلك هو التمييز في قوانين العقوبات في الجرم نفسه بين النساء والرجال، ما يُعطي أفضليةً للذكور بسبب العقلية الذكوريّة المسيطرة على المجتمع.

الثاني: تطبيق القوانين ووضعها موضع التنفيذ والعمل على التأكّد من نزاهة القضاء وعدم الالتفاف على تطبيق النصّ القانونيّ، والتحقّق من عدم الانحياز إلى طرفٍ على حساب طرفٍ آخر بحكم العادات والتقاليد التي تحافظ على البنية المحتمعية الذكورية، أو اعتماداً على السلطة التقديرية التي منحها القانون للقاضي، أو استغلال جهل المرأة بالقانون وعدم معرفة حقوقها أو عدم جرأتها على المطالبة بها.

فالقانون هو الرهان الحقيقي الوحيد لتأكيد المكاسب وتحقيق فاعليتها القصوى، والاحتكام له في ظلّ دولة القانون يشكّل قولاً فصلاً، وإلا سيكون أي جهد مبذول لتحقيق التمكين المزعوم هباءً منثوراً.

وقد أطلقت هيئة الأمم المتحدة للمرأة مؤخراً تقريراً يتناول أوضاع النساء والتحوّلات التي يشهدها العالم، والتي تؤثّر في أشكال الأُسر والعائلات في عالم اليوم. وأوضح التقرير أنّ من تبعات هذه التحوّلات، ضرورة إعادة النظر في القوانين التي تنظّم الوحدات الاجتماعية، ومن بينها قانون الأُسرة أو قوانين الأحوال الشخصية، كما تُعرف في الدول العربية.

ويلفت التقرير في مضمونه أيضاً أنّ شكل الأسرة التقليدية –المكوّنة من رجل وامرأة وأطفالهما–  صار يمثّل فقط ثلث كلّ الأسر الموجودة في العالم، إذ إنّ هناك أشكالاً عدّة من الأُسر اليوم “مثل العائلات التي تعولها امرأة؛ أو تلك العائلات التي لا يكون فيها رجال” فتصبح النساء مسؤولاتٍ ليس عن الأطفال فحسب بل أيضاً عن كبار السن، وهناك أيضاً العائلات المُهاجِرة أو النازحة بسبب النزاعات التي ألجأتها إلى النزوح، إذ يصبح أفرادها مشتتين في بلدان مختلفة ولذلك لا بد أن تُواكب القوانين هذه التغيّرات.

لقد أبرزت خصوصية الوضع السوري بعد الثورة السورية وبعد سنواتٍ من الحرب مشكلاتٍ جديدة مع غياب أو تغييب كثير من الذكور في المجتمع، منها منع الأم من الانتقال مع أطفالها من بلدٍ إلى آخر بسبب عدم وجود ولي أمر، أو تغيّب الرجل سنوات عدّة في حالات الاعتقال أو القتال في مناطق مشتعلة، ما يعيق متابعة المرأة لحياتها، ويخلق مشكلة عصيّة على الحل في ظلّ عدم مواكبة التطوّر القانوني لها، إذ تفترض القوانين الأُسريّة بالمرأة أن تكون تحت رعاية وليّ ذكر (أب أو أخ أو زوج)، الأمر الذي أصبح غير ميسّرٍ في كثير من الحالات.

وقد تضطر المرأة، لتجاوز هذه العقبات، إلى تثبيت الانفصال قانونيّاً في الأحوال المدنية واللجوء إلى إجراءات ومحاكم قد تأخذ وقتاً طويلاً من أجل إمساكها بزمام أمور بيتها من حضانة ووصاية وانتقال وتنقّل وما شابه، وقد يعرّضها هذا الإجراء في كثيرٍ من الأحوال إلى الحرج والضغط الاجتماعيين.

ويجب التنبيه في نهاية الأمر إلى أنّ مشاكل المرأة قد يرجع جزءٌ كبيرٌ منها إلى الأفكار المُتَوارَثة التي تدّعي المجتمعات أنها قد تخلّصت منها بفعل التقدّم الزمني والعلمي، وإلى أنّ هذا التقدّم المزعوم كان ظاهرياً فقط وأنّ المرأة ما تزال تعاني التهميش والإقصاء الاجتماعيين من فئاتٍ مختلفة في المجتمع بما فيهم المرأة نفسها، ما يجعلنا نفكّر بشكل جدي بأن مسألة التمكين القانوني يجب أن تترافق مع تنمية اجتماعية بالتوازي.

وعلى الرغم من هذا وذاك؛ ما زالت السلطات التشريعية المتعاقبة في سوريا لا تملك النيّة التامة لتغيير هذه القوانين التمييزية أو العمل على حلٍّ جذري لتمكين المرأة، وما يؤكّد ذلك أنّ كلّ تعديلٍ قد تفاجئنا به، ليس إلا محاولة لذرّ الرماد في عيون المطالبين به، وأنّها تقوم بذلك تحت ضغطٍ من الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، وليس من باب القناعة بمشروعيّة وأحقيّة المرأة في التمكين.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.  

تمكين المرأة السورية

تمكين المرأة السورية

أترك تعليق

مقالات
مي عبد الكريم محمود/ awanmedia- تُعدّ عالمة الأخلاق وعالمة النفس الأميركية كارول غيليغان واحدةً من أقوى الأصوات النسوية المعاصرة. تُرجم كتابها “بصوت مختلف” (1982) إلى 16 لغة وبيعت منه أكثر من 700 ألف نسخة حول العالم. في كتابها الأحدث “لماذا تستمر البطريركية؟” (2018)، تطوّر غيليغان، ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015