تمكين المرأة.. ترفٌ استشراقي أم قضية مجتمعية أصيلة
صورة تعبيرية - مصدر الصورة: شار

كفاح زعتري/ ayyamsyria- ترتدي قضية المرأة في الأدبيات الاجتماعية والسياسية لبوساً هاماً، بدأت مع بدايات القرن الفائت، ويزداد العمل عليها في الثلاثين سنة الفائتة. وتحولت لتكون القضية الأساس، ومحور الكثير من النقاشات بين مؤيد ومعارض.

هل يا ترى كما يقول البعض أنها قضية مفتعلة ومضخمة لخدمة غايات يفرضها علينا المجتمع الدولي؟ أو بتعبير أدق كما يطرح أهل شرقنا العربي بأنها بدعة رأسمالية يحاول الغرب الكافر من خلالها أن يفتت قيم مجتمعنا، من خلال تفتيت حجر الزاوية فيه ـ والمقصود هنا، الأسرة ـ، هل هي “موضة” عابرة يتسلى بها المتثاقفون والمتفاصحون هنا وهناك؟

لا شك أنه لا توجد قضية تأخذ من النقاش والحوار وصولاً إلى المجابهة والصدام، كما أخذت قضية المرأة، فهي قضية إشكالية من الطراز الأول، وليست مختلقة، أو نافلة، أو شكلية. هي قضية اجتماعية هامة تنعكس شئنا أم أبينا على كل مفاصل الحياة، والتعامل مع هذه القضية بإيجابية سيكون له مردود إيجابي على كافة مناحي العيش. فحينما يكون نصف المجتمع ـ أو أكثر ـ مغيب عن المشاركة في عملية التنمية لا بد أن تكون عملية التنمية ذاتها مجتزأة وغير كاملة وبالتالي فهي منقوصة ولن تدور بشكل صحيح.

ولا شك أيضاً أن قضية المرأة قضية مجتمعية، وهي لا تنفصل عن قضايا الرجل في أي مجتمع من المجتمعات، يتشاركان معاً في تحمل وطأة الاستبداد، يتشاركان معاً القمع والظلم وكم الأفواه، لكن المرأة في مجتمعاتنا مظلومة ومضطهدة ومع سبق الإصرار، من شريكها المفترض!

الأعراف والتقاليد تشكل عائقاً أمام ممارسة المرأة لدورها كاملاً، التعاليم الدينية وفتاوى فقهاء الغفلة تشكل عائقاً، المنظومة الأخلاقية العرجاء تشكل عائقاً، الممارسة السياسية للأحزاب والجمعيات تشكل عائقاً، كل ما سبق يتبنى موقفاً مسبقاً من دور المرأة مما يشكّل بالتالي قوى كبح مختلفة المستويات عليها وعلى فاعليتها، ما زالت هذه القوى تتعامل معها ككائن ضعيف، هش، لا يستطيع القيام بما يستطيع الرجل القيام به. لذا فقضية المرأة ليست قضية من الممكن أن تحل بمراسيم أو قوانين فوقية لأنها قضية متشعبة وتتعالق مع كل بنى المجتمع دون استثناء، فهناك من يعتبر بأننا لو حيّدنا الدين ستكون المرأة في واقع أفضل، أو لو حيّدنا العادات والتقاليد، أو حيّدنا العقلية السياسية والتي ترتدي لبوساً ذكورياً بامتياز… بينما في الواقع تتطلب هذه القضية ثورة حقيقية في المفاهيم والأدوار، ثورة جديدة على كل ما يعيق ممارسة المرأة لدورها الفاعل.

وعلى سبيل التأكيد سأسوق مثالاً شخصياً جرى معنا في ثمانينيات القرن الماضي حينما كنّا أعضاء في الحزب الشيوعي السوري في جامعة حلب ولم تكن منظمة الحزب هناك مختلطة، بمعنى أن الشباب في هيئات شبابية والصبايا في هيئات نسائية، لما أتيحت لنا الفرصة كسرنا هذا الحاجز المفروض من هيئات الحزب القيادية الهرمة وجعلنا التنظيم مختلطاً في جامعة حلب، فماذا جرى؟؟؟ شُنت علينا حرباً هوجاء من الكثيرين، اعتبرونا إباحيين ومنفلتين ونحاول تخريب البنية المجتمعية، وبدأ الرفاق الكبار يسحبون أولادهم وبناتهم من هذه المنظمة لأنها منحلة أخلاقياً، حتى وصل الأمر بعرضنا على محكمة حزبية!!!

جرى ما جرى في حزب شيوعي كان عمره وقتها ستين عاماً، وكان يعتبر نفسه النصير الأول للدفاع عن قضايا المرأة، وفي جامعة تعتبر ثاني جامعات سوريا، وهذا المثال تم سوقه لتبيان أن القضية أصعب من أن نعتبر سبباً واحداً ووحيداً هو ما يعرقل تمكين المرأة في مجتمعاتنا، بل أن القضية مركبة ومعقدة وتتطلب جهداً مضاعفاً في كل الجهود المبذولة، وتتطلب عملاً أكثر وشعارات أقل.

من دون شكّ أنّ نساء العالم الثالث يعانين في بعض الأحيان من هضم لحقوقهنّ وتهميش لهنَّ وكأنهنَّ عنصر ثانوي خلق لأغراض معينة. والجميع مشترك في هذه الجريمة البشعة، مما ورثوه من عادات وتقاليد بالية، وتفسير خاطئ للنصوص الشرعية، مما همّش المرأة وجعلها عنصراً خاملاً بل وفي بعض الأحيان معتدى عليه. وربما أهم حق من حقوق الإنسان، هو حق المرأة في المساواة والتمكين الاجتماعي والاقتصادي، هذه الحقوق التي لاقت انتقادات واسعة في العالمين العربي والإسلامي بصفتها ثورة على القيم والعادات والدين ـ على حسب ادعاء ممثلي المجتمع الذكوري ـ الذين نصبوا أنفسهم ونصبوا باقي الرجال أوصياء على المرأة بحجة ولي الأمر.

تمكين المرأة مفهوم يدعو إلى أن تصير المرأة واعية ومدركة بالطريقة التي يمكنها بها أن ترسم خطوط مستقبلها، وأن تخط طريقها بنفسها لا أن تترك العنان لولي الأمر ليرسمه لها عوضاً عنها، مما يعطيها ثقة بالنفس ومساءلة ومما يلزمها بأن تكون قادرة على امتلاك الأدوات التي ستساعدها في ذلك، من علم وعمل ومعرفة وأخلاق، مثلها مثل الرجل لا تختلف عنه شيء.

وجوهر المشكلة، أنّه وبمجرد أن يطرح هذا المبدأ، فإن الأقلام والأصوات تعلو وكلها باسم الدين للأسف، وكلها تركز على التغرير بالناس العوام عن طريق التركيز على الناحية البيولوجية للمرأة بقولهم إنه لا يمكن أن يكون هناك مساواة بين الرجل والمرأة بسبب طبيعة تكوين الجسم وأن دورها في الأمومة هو دورها الرئيسي. ولكن ما بال هذه الأصوات قد أغفلت حقيقة يرددونها هم بأن الله تعالى قد خلق الرجل والمرأة متساوين في التكاليف وفي العبادات وأن الله سيحاسب المرأة مثل حسابه للرجل لا يزيد ولا ينقص، ولن يغفر لها عن عدم قدرتها على القيام بواجباتها المطلوبة منها كالصلاة والصوم، مثلاً ـ بسبب طبيعة تكوينها الجسدي؟!

من قال إنّ تمكين المرأة أو المساواة بين المرأة والرجل في المجتمع سيؤدي إلى سلب الأمومة من المرأة، وهل من يحتجون بذلك هم أحرص من المرأة على لعبها لهذا الدور منها هي؟! هل هم أحرص على أبنائها منها؟! هل المرأة هي الوحيدة المسؤولة عن تربية الأبناء أم أنها مسؤولية مشتركة بين الرجل والمرأة؟! ماذا لو تنكر لها أبناؤها وزوجها في المستقبل من سيقوم برعايتها؟! ولو تفوق من اعتنت بهم ومن رعتهم، سواء الزوج والأولاد في حياتهم، هل سيكتب هذا التفوق باسمها أم باسمهم، وهل مجرد ذكر فضل الأم أو الزوجة كافٍ؟! وهل المرأة غير قادرة فعلاً على أداء المهام المطلوبة منها كما يدعون أم أنها قد تثبت كفاءة أفضل من الرجل في بعض المواقف؟! كل هذه الأسئلة وغيرها بحاجة إلى أجوبة.

ربما هي أفكار أولية، ربما لا جديد حيوي فيها، لكنها حتماً دعوة لنبدأ من جديد، ونتعامل مع هذه القضية بحساسية جديدة.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

صورة تعبيرية - مصدر الصورة: شار

صورة تعبيرية – مصدر الصورة: شار

أترك تعليق

مقالات
د. أم الزين بن شيخة/ alittihad الإماراتية- لا تزال قضيّة المرأة اليوم، بعد قرن ونيف من النضالات النسويّة، موضع جدل فكريّ واجتماعي وسياسي، وذلك على الرغم من إقرار أهمّ الدساتير الدولية لمبدأ المساواة بينها وبين الرجل في كل الحقوق والواجبات. ولا تزال الحركات النسويّة في حالة تدفّق باهر، ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015