تمكين!
تمكين المرأة

لجين العرنجي/swnsyria- يزداد الحديث عن تغيير الأدوار النمطية تبعاً للجندر، وخاصةً من قبل المنظمات والتجمّعات والفرق والمبادرات الأهلية والمدنية التي تُعنى بالمرأة، حيث إنها تتبنّى طرحاً نظرياً واسعاً لضرورة أن يصبح هذا التغيير واقعاً.

على الصعيد العملي، يصبح الواسع ضيّقاً جداً، حيث تسعى بعض المنظمات لتعليم النساء والفتيات ما هو مختلف عن العادة بالفعل، لكن بما يتناسب مع رؤيتهم الخاصة حول الفئة المستفيدة؛ وليس بما يتناسب مع كسر النمطية بشكل دقيق، ومن هنا تنبع الاشكالات، بالإضافة للاستمرار بتعليم وتدريب كل ما هو نمطي من (خياطة، كروشيه، صناعة منظفات، حلاقة نسائية، مكياج…الخ)، دون إدراك أو بالأحرى دون محاولة ادراك أهمية ذلك للمرأة في المرحلة الراهنة من الناحية الاقتصادية وحسب الاحتياج.

تتوزّع في سوريا العديد من المنظمات التي تُعنى بالمرأة أو تستهدفها، وقد تابعت شبكة المرأة السورية نشاطات العديد من هذه المنظمات الموجودة في منطقة دمشق والسويداء والريف المحيط  بكلتا المنطقتين. وللمصادفة المحضة، لاحظت الشبكة خلال استطلاعها، وجود خمسة مراكز تحمل اسم “تمكين” تتوزّع بين دمشق وجرمانا وصحنايا والهامة وجيرود، وحاولت فهم آلية التمكين هذه من خلال استطلاع بسيط لبعض آراء الناشطات والمستفيدات من نشاطات هذه المراكز وغيرها التي تحمل أسماءً مختلفة.

نبال، 32 عاماً، محامية، تعمل في مركز حقوقي في دمشق: “من خلال تشبيكنا مع عدّة منظمات تُعنى بالمرأة، يمكننا أن نلحظ أنّ التمكين لا يحصل تبعاً للاحتياجات المطلوبة، ولا يوجد دقّة في تحديد احتياجات المرأة سواء على الصعيد الشخصي أو المجتمعي أو حتى العام، هذا لا يعني أن ما يحصل من تمكين اقتصادي من تعليم للخياطة والكروشيه غير مفيد، إلا أننا إذا حاولنا أن نلاحظ مدى فاعلية هذه الخبرات ضمن ما يحتاجه السوق اليوم وسوء الحال الاقتصادي، يمكننا أن نعي أن الاستفادة موجودة لكنها ضئيلة بما يتناسب مع كمّ دورات التمكين النمطية التي تُقام في المراكز والمنظمات، وهذا لا يعني أيضاً أنّ التوعية الحقوقية والقانونية التي تنتشر بشكل واسع غير هامة بل العكس، لكنها تحتاج للتنسيق كي لا تكون مكرورة، فهناك نساء نازحات وغير نازحات حضرن ورشات عن القرار 1325 لأكثر من مرة في أكثر من ورشة، وهنّ بحاجةٍ لتمكين أبسط من ذلك ربما أو أكثر تطوّراً في جوانب عديدة أخرى.”

أميمة، 35 عاماً، خريجة علم اجتماع، ناشطة مدنية: “أنا فتاة عزباء، أعتمد على نفسي اقتصادياً بشكل كامل، وهذا الاعتماد الاقتصادي الذاتي جعلني أحاول التعلّم من أي فرصة تسنح لي بذلك، أتعامل مع الكثير من تمديدات الكهرباء في المنزل، أصلحها أحياناً، أركب الإضاءة البديلة (اللدّات) بكل سهولة، وأستطيع اصلاح العديد من الأعطال الكهربائية الداخلية ضمن المنزل أو ساعة الكهرباء الخارجية، لم يكن هذا الشيء سهلاً، ولكن الحاجة هي من جعلتني أتعلّم كل ذلك. فبعيد سكني في شقة للأجار في جرمانا، اكتشفت مدى استغلال أي عامل يقدّم خدمة للنساء من الخدمات التي ذكرتها، ويطلب أجراً من الممكن أن توفّره المرأة المحتاجة لو فكّرت بالاعتماد على نفسها وتعلّمه. لا أنكر أن سبب تعلّمي لهذه الخبرات البسيطة هو البيئة المنفتحة التي قدمت منها، وألحظ أن كثيراً من السيدات اللواتي نشأن في بيئات مغلقة لا يسعيَن لتعلّم هذه الأشياء لوحدهنّ، لأنهنّ أكثر مراعاةً للمجتمع المُحافظ من غيرهنّ، قالت لي جارتي الخمسينية عندما كنتُ أصلح ساعة الكهرباء، سوف تخرّبين ساعات البناية جميعها، نادي على رجلٍ ما ليصلحها! وصمتت بخجل عندما أصلحت الكهرباء في منزلي ومنزلها وأصبحت تستنجد بي عند حدوث أي مشكلة كهربائية أو غير كهربائية! أذكر كل ذلك كمثال على ما يمكن أن يتم تعليمه للنساء في المراكز كبديل للدورات التدريبية النمطيه المعروفة.”

سهى، 35 عاماً، ناشطة في المجتمع المدني: “من خلال اطلاعي على ما تقوم به المنظمات، أظن أنها بحاجة لتوجيه عملها بشكل أدق كي تحصل النساء على الاستفادة الأكبر من جهودها. أظن أن أغلب الورشات التي تقدّم للنساء وأنا منهنّ، ليست مدروسة تماماً حسب الاحتياج، بل هي قائمة حسب سوق الممولين في هذه المنظمات، وللأسف يمكنني ان أسميها بموضة الممولين، ولا اظن أن من يزوّد الممولين بحاجات النساء بالمجتمع كائناً من كان من باحثين أو منظمات يقوم بمهمته بالشكل الأنسب، هناك ما يمكن أن يكون أفضل بكثير بعد سنوات من عمر هذه التجمّعات. هذا من ناحية التمويل، أما من ناحية دراسة الاحتياجات، فأظن بأن هذه الدراسات يجب أن تنطلق من المحتاج بدقة أكبر ومن ثم تصبح مشروعاً يقدّم للممول كي يتم المشروع. ومن ناحية أخيرة وأظن أنها الأهم، هل من هم قائمين/ات اليوم على إدارة المنظمات النسائية، كفؤ وخبراء لدرجة أنهم يستطيعون إقامة مشاريع جيدة للمجتمع؟ وهل هم على دراية واسعة بمفهوم الجندر عامة؟ كلها أسئلة يمكننا طرحها كي نفكّر بمشاريع ناجعة أكثر للمرأة السورية في مجتمعها في الداخل والخارج.”

فاطمة (اسم مستعار)، 40 عاماً، مستفيدة من مشاريع بعض المنظمات: كنتُ مستفيدةً في أكثر من مشروع من مشاريع المجتمع المدني في دمشق والريف، تمّت دعوتي من قِبَلهم لحضور ورشات متنوّعة (حقوقية، تمكين اقتصادي، دورات تدريبة متعدّدة)، لا أنكر امتناني لكل الدعم النفسي المقدَّم من قِبَل هذه المنظمات أثناء الورشات، وأن تعايشي وتطوّري الاجتماعي كنازحة ابنه بيئة مغلقة بالأصل بات جيد جداً، إلا أنني على صعيد التمكين استفدتُ في البداية بشكل جيد على صعيد المعلومات الحقوقية، وبنيت أفكاراً لإقامة مشاريع اقتصادية مميّزة، إلا أن الواقع مختلف، ففي كثير من الجلسات النظرية كانت النقاشات واسعة حول تشجيعنا على كسر النمطية في محاولةٍ لتعلّم كل ما نحن قادرات على تعلّمه ومن ثم تطبيقه، أما آليات قيامنا بذلك، فلم يُقَدَّم لنا آليات كافية عملياً، لا من ناحية نوعية التدريبات المقدَّمة، ولا من ناحية التعامل مع المجتمع عند القيام بالأعمال غير النمطية، هم قاموا بدور التشجيع، لكن لم يقوموا بدور تغييري فعلي على ما هو نمطي وموجود، أظنُّ أن الأمور يجب أن تكون عملية بشكل أكبر كي لا نُصاب بخيبة الأمل بين النظري والعملي.”

منال، 28 عاماً، خريجة هندسة مدنية، مستَهدَفة من قبل المنظمات: “قلَبَت الحرب حياتنا وخاصةً بعد النزوح عام 2014، كنتُ ما زلتُ في سنوات دراستي الأخيرة وكان وضع عائلتي التي فقدت الوالد المعيل تعيس جداً، اضطررت للعمل وتمّ دعمنا إغاثياً ونفسياً وتمكينياً من عدّة منظمات، لم أعِ في البداية آلية عمل المنظمات، إلا أنني فهمت فيما بعد الآلية بشكل جيد. حصلت أغلب من أعرفهنّ من نساء نازحات في منطقة جرمانا دعماً نفسياً، وتوعية بما يخص القرار 1325 والقرارات الرديفة، وحصلت ذات النساء على الأغلب على دورات كروشيه وخياطة وتطريز وصناعة منظفات وصناعة الشمع والكريمات …الخ، ونسبة النساء المنتجة من هذه الدورات بسيطة جداً، بالإضافة إلى أنها كرّست بقاء هذه السيدات في المنزل. حديثاً أخبرتني صديقة أنها تخضع وزميلاتها لدورة تصوير لتعبّر عن تجربتها كنازحة، إلا أنها سرَّت لي أنها اختيرت بسبب قدرتها على فهم آليات التصوير والمونتاج أكثر ممن هن أكبر سناً أو أقلّ تعليماً، لكن هذه التجربة ليست طموحاً بالنسبة لها بل هي إحدى الفرص الموجودة! أنا أعمل الآن وظروفي المادية مقبولة تبعاً لدراستي ولغتي الانكليزية الجيدة، لكن كثيراً من النساء والفتيات يضطررن لحضور أي تدريب ممكن، كمتنفّس لواقعهنّ الاجتماعي وللحصول على مردود مادي بسيط من هذه التدريبات أو الورشات، دون تغييرات ملموسة عدا بعض الاستثناءات. لستُ ممتنّةً لأغلب ما قُدّم لنا من تمكين حقوقي أو توعية للمرأة، فأمام التمويلات الضخمة التي تحصل عليها هذه المنظمات، فإن ما يقدّم للنساء المُحتاجات هو واجب ويجب أن يكون أفضل، ولا يجوز أن تكون المرأة المستَهدَفة خجولة من ظروفها وما يقدّم لها، بل يجب أن تقيّم كل ما يتم تقديمه.”

انتشرت في عامي 2016-2017 أجوبة كثيرة من قبل منظمات العمل المدني دفاعاً عن عدم نضوج أو حتى احراز نتائج مدنية على الأرض، فحواها أن العمل المدني ما زال جديداً وجاء تطويراً لفترة حرجة من العمل الإغاثي في سورية، إلا أنّ حجة العمل المدني كدخيل بآلية جديدة مُموَّلة على الساحة السورية لم تعد مقنعة مع كل سنة جديدة من العمل المدني، حيث يجب تقييم كل ما يتم تنظيمه من مشاريع ونتائج، ووضع خطط أكثر فاعلية ومنها بالتأكيد خطط التمكين لكل شرائح المجتمع المحتاجة، وخاصةً المرأة التي تعاني من وضع معقّد في المجتمع السوري.

تمكين المرأة

تمكين المرأة

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015