“جائحة الظل” للعنف ضدّ النساء
A health worker demonstration in Paris, France, June 2020 Martin Barzilai / HAYTHAM-REA / Re​dux

بدأ كمرض غامض، وسرعان ما سمي بفيروس كورونا، عندما أغلقت البلدان اقتصاداتها لإبطاء انتشاره، تحوّل الأمر إلى ركود عالمي. ثم حذّرت الأمم المتحدة، في أبريل/نيسان، من بُعدٍ آخر لحالة الطوارئ – “جائحة الظل” للعنف المُستَعِر خلف الأبواب المغلقة ضدّ النساء.

يعلّمنا التاريخ أن تفشّي الأمراض –من الإيدز إلى زيكا إلى الإيبولا– يلعب دوراً قابلاً للتنبؤ، فبينما تصيب تلك الأمراض المجتمعات، إلا أنها تكشف استغلال القوى المهمَّشة في تلك المجتمعات، وتلقي الضوء على خطوط الصدع بين الجنس والعرق والطبقة.

ليس من قبيل المصادفة، على سبيل المثال، أنّ الأمريكيين السود في الولايات المتحدة يموتون بمعدلات غير متناسبة. أو أنه على الرغم من أن المزيد من الرجال يموتون بسبب فيروس كورونا، فإن الآثار الأوسع لهذه الأزمة تهدّد حياة المرأة وسبل عيشها.

هناك نساء في المخاض يتم إبعادهنّ عن المستشفيات المُثقَلة بالأعباء؛ وعاملات المنازل اللواتي لن يتم تعويض دخلهنّ المفقود؛ الفتيات المراهقات اللاتي لا يستطعن ​​مواصلة تعليمهنّ عبر الإنترنت لأنّ مجتمعاتهنّ تستاء من رؤية هاتف في يد امرأة.

إذا تجاهل صانعو السياسات الطرق التي يؤثّر بها المرض بشكل مختلف على الرجال والنساء، فإنهم يخاطرون بإطالة أمد الأزمة وتباطؤ الانتعاش الاقتصادي. ولكن إذا استغلوا هذه الحالة الطارئة كفرصة لاستبدال الأنظمة القديمة بأخرى جديدة وأفضل، فيُمكن للدول أن تعيد بناء ازدهارها وتساويها.

احصاءات صامتة

بكل المقاييس تقريباً، لم يكن هناك وقت أكثر أماناً للحمل في سيراليون مقارنةً بشهر شباط/فبراير 2014. كان النظام الصحي للبلاد من أسوأ الحالات في العالم، لكن معدّل وفيّات الأمهات انخفض أكثر من 50 بالمائة منذ عام 1990، بسبب توفّر مستوى ما من الرعاية السابقة للولادة شبه شامل. ثم في آذار/مارس، أعلنت منظمة الصحة العالمية تفشّي وباء الإيبولا في المنطقة، وبدأ التدهور. وبحلول شهر تشرين الثاني/نوفمبر، يمكنك رسم القصة بمنحنيين فظيعين ومروّعين: أحدهما أظهر ارتفاعاً كبيراً في حالات الإيبولا؛ وآخر أظهر تدهوراً في عدد النساء الحوامل اللواتي يتلقين الرعاية.

عندما انتهت الأزمة، كان عدد الضحايا الصامت من النساء والأطفال أعلى من الرقم الرسمي، فقد قُتِل (3589) شخصًا في سيراليون بسبب فيروس إيبولا، في الوقت الذي توفّي فيه (3359) من المواليد و(4693) من الأمهات أثناء الولادة.

هذا ما تفعله الأوبئة: فهي لا تتغلّب على جهاز المناعة فحسب، بل تتغلّب على النظم الصحية أيضاً. ولأن الأقسام من تلك الأنظمة المخصصة لرعاية المرأة غالباً ما تكون الأكثر هشاشة وقلة التمويل، فإنها تنهار أولاً وبشكل سريع.

تشير البيانات المبكرة إلى أنه في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​، يمكن أن يؤدّي خفض رعاية الأم أثناء فيروس كورونا إلى وفاة ما يصل إلى (113000) امرأة.

لا يزال هناك وقت لتجنّب مثل هذه النتيجة، وذلك عندما يتم تصنيف رعاية الصحة الجنسية والإنجابية، لكل امرأة في كل بلد، على أنها خدمات “أساسية”، وعدم إخبار شخص يُعاني من نوبة قلبية، حتى أثناء الوباء، أن رحلة إلى غرفة الطوارئ أمر مستحيل.

ومع ذلك، فإن الرسالة التي تتلقاها ملايين النساء الحوامل أثناء الأزمات هي أنه لا بأس من ولادتها في المنزل بمفردها. وخلال تفشّي فيروس إيبولا عام 2014، كان السبب الأساسي لوفيات الأمهات هو حقيقة أن النساء يلِدن بشكل متزايد دون مساعدة طبّية.

يحتاج وزراء الصحة إلى إيجاد طرقٍ لتوفير رعاية أمومة آمنة حتى في ظروف الوباء. في بعض البلدان، قد يعني ذلك تخصيص مرافق صحية منفصلة – بعضها لمن يعانون من فيروس كورونا، والبعض الآخر للأمهات وحديثي الولادة غير المصابين بالفيروس. وفي أماكن أخرى، قد يكون من الأسهل والأكثر أماناً نقل خبرة العيادة إلى الأمهات أنفسهن.

كما أن حماية سلسلة توريد وسائل منع الحمل أمرٌ بالغ الأهمية أيضاً، حيث تُشير التقديرات المبكرة أيضاً إلى أنّ هذا الوباء سيتسبب في بقاء (49) مليون امرأة إضافية بدون موانع الحمل، مما يؤدي إلى (15) مليون حمل إضافي غير مخطط له.

جزءٌ من مسؤولية معالجة هذا تقع على عاتق المجتمع الدولي. حيث تقوم مجموعة صغيرة من الدول بتصنيع معظم المكونات الأساسية النشطة لوسائل منع الحمل العامة، ومنذ تفشّي الوباء، كانوا يقومون بتخزين هذه المكونات، على الرغم من عدم وجود دليل على أنها تفتقر إليها. إنها سياسةٌ تجارية بلا قلب – وسياسة لا معنى لها.

النظام الصحي ليس مجرد شبكة من سلاسل التوريد أو مجموعة من الخدمات الأساسية، فهو مكوّن من الناس، حيث يحتاج العاملون الصحيّون في الخطوط الأمامية إلى أدوات للحفاظ على سلامتهم. وسيتطلب ذلك في نهاية المطاف منحهم الأولوية الأولى للقاح الفيروس. وفي الوقت الحالي، يتطلب الأمر تزويدهم بمعدّات الحماية الشخصية التي تناسبهم. حيث غالباً ما يتم تصميم معدات الوقاية الشخصية التي يتم تسليمها إلى المستشفيات والعيادات للرجال، على الرغم من أن 70 بالمائة من العاملين الصحيين في جميع أنحاء العالم هم من الإناث. وبالتالي يجب أن يضمن المصنّعون أنهم يصنعون ما يكفي من معدات الحماية الشخصية التي تناسب الأشخاص الذين يحتاجون إلى استخدامها، ويجب أن تتأكّد الأنظمة الصحية من شرائها بما يكفي.

النساء في العمل

إذا اضطر واضعو السياسات الصحية إلى اختيار مكانٍ يوضح تأثير تفشي فيروس إيبولا على النساء، فمن المحتمل أن يُشيروا إلى جناح الولادة. وعلى الرغم من ذلك، قد يجيب الاقتصاديون على نفس السؤال من خلال النظر إلى مكانٍ مختلف تماماً: أكشاك الطعام.

بعد أشهرٍ قليلة من انحسار الوباء، بحثت منظمة أوكسفام الدولية وهيئة الأمم المتحدة للمرأة التأثير الاقتصادي على المنطقة التي أصاب فيها فيروس إيبولا. ووجد الباحثون أن الفيروس تسبّب في ارتفاع معدل البطالة في ليبيريا إلى ثلاثة أضعاف تقريباً لكل من الرجال والنساء.

ولكن في الوقت الذي يميل دخل الرجال إلى التعافي سريعاً، فإنّ المرأة تستغرق وقتاً أطول في ذلك. لقد كانت غالبية النساء يعملن لحسابهنّ الخاص – الكثير منهنّ كبائعاتٍ للطعام – ولم يرغب أحدٌ في “تناول الطعام في الشارع” عندما كان هناك فيروسٌ قاتل ينتشر.

يبدو أن فيروس كورونا يؤثّر أيضاً على سُبُل عيش النساء بشكل أكبر من حياة الرجال. إذ تشير التقديرات المبكّرة إلى أنه في جميع أنحاء العالم، من المرجّح أن يتم تخفيض وظائف النساء في هذا الركود 1,8 مرة من الوظائف التي يشغلها الرجال. والأكثر من ذلك، أنه مع تبخّر عمل المرأة المدفوع الأجر، فإن عملها غير مدفوع الأجر لرعاية الأطفال وأفراد الأسرة يتزايد بشكل كبير.

قبل أن يبدأ الوباء، كان العمل غير المأجور يشكل بالفعل عائقاً رئيساً أمام المساواة الاقتصادية للمرأة. الآن، مع إغلاق العديد من المدارس وإرهاق النُظم الصحية، قد تضطر المزيد من النساء إلى مغادرة القوى العاملة تماماً.

إذا كان الوباء يُوقف التقدّم نحو المساواة بين الجنسين، فستدخل التكلفة في تريليونات، حيث يجب الانتظار لمدة أربع سنوات لاتخاذ إجراءات جديدة لتحسين التكافؤ – على سبيل المثال، عن طريق تطبيق تدخلات لتعزيز الشمول الرقمي والمالي للمرأة – سيؤدي إلى محو 5 تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2030. بينما يعمل صانعو السياسات على حماية الاقتصادات وإعادة بنائها، يجب أن تأخذ استجابتهم في الاعتبار التأثير غير المتناسب لـفيروس كورونا على النساء – والأدوار الفريدة التي يتعيّن على المرأة القيام بها في التخفيف من ضرر الوباء.

لنأخذ النظم الغذائية على سبيل المثال؛ هذا العام، بسبب مجموعة من الكوارث – كوكب يسخن، وباء الجراد، ووباء عالمي – قد يحتاج أكثر من 100 مليون شخص إلى مساعدة غذائية طارئة، حيث المشكلة الأساسية ليست نقص الغذاء، بل قدرة الأسر على دفع ثمنه. وهذا يؤثّر بشكل خاص على النساء لسببين: أولاً، يعتمد الكثيرون على النظام الغذائي في معيشتهم. ثانياً، المعايير الثقافية تعني أن النساء عادةً ما يكن آخر من يأكلن في أسرهنّ – وبالتالي، عندما يكون الطعام قليلاً، فإنها أول من سيُحرَم منه. وبالتالي يجب أن تتأكّد برامج الحماية الاجتماعية، إذن، من قدرة النساء على توفير ما يكفي من الغذاء لإطعام أُسرِهِنّ بأكملها. ويمكن لصانعي السياسات أيضاً دعم المُزارِعات من خلال زيادة التأمين والمدّخرات والأدوات المالية الأخرى لحمايتهنّ من أسوأ آثار هذه الصدمة أثناء عزلهنّ ضدّ الأثر التالي الذي لا مفر منه.

هناك طريقة أخرى لضمان قدرة العائلات على تلبية الاحتياجات الأساسية وهي إقرار التحويلات النقدية الطارئة مع وضع واقع المرأة في الاعتبار. في حين أنّ الجهود المبذولة لإبطاء انتشار فيروس كورونا قد أوقفت تدفّق السلع والخدمات حول العالم، يقدّر البنك الدولي أن أكثر من مليار شخص قد حصلوا على تحويلات نقدية تتعلّق بـالفيروس من حكومتهم منذ بدء الأزمة لمساعدتهم على تلبية الاحتياجات الاساسية.

ومع ذلك، فإن النساء الأكثر تهميشاً من الناحية الاقتصادية غالباً ما يكنّ غير مرئيات لحكوماتهنّ – فهنّ أقلّ احتمالية للظهور في القوائم الضريبية، ولا يمتلكن هوية رسمية، أو هاتف محمول – وبالتالي معرّضات لخطر فقدان هذه المزايا. كما تظهر الأبحاث أن برامج الحماية الاجتماعية التي تتجاهل الجنس الاجتماعي يمكن أن تؤدي إلى تفاقم عدم المساواة القائمة.

ومع ذلك، يمكن للتحويلات النقدية المدروسة أن تحقق فوائد كبيرة. فقد وجدت دراسة أجريت عام 2019 في الهند أنه عندما تم إيداع الإعانات النقدية في حساب المرأة (بدلاً من حساب زوجها) وتم توضيح كيفية استخدام هذا الحساب للمرأة، ارتفعت مشاركة الإناث في القوى العاملة.

يمكن لصانعي السياسات أيضاً توجيه أموال التحفيز إلى النساء من خلال توجيه الأموال نحو الأعمال التجارية التي يمتلكونها. في بعض الأحيان، يختفي التمييز بين الجنسين في التفاصيل الدقيقة. على سبيل المثال، نظراً لأن الأعمال التجارية النسائية تميل إلى أن تكون أصغر، وتدرّ عائدات أقل من دخل الرجال، فقد تكون غير مؤهلة للحصول على القروض الحكومية أو خطط الشراء التي تتطلب من الشركات تلبية متطلبات معيّنة للرسملة. عندها يمكن للحكومات أن تحذو حذو كندا وتضمن تخصيص بعض المزايا للمؤسسات النسائية. كما توجّه دول أخرى الأموال بحكمة نحو القطاعات التي تكون فيها النساء ممثّلة بكثافة: تشتري الأرجنتين الأقنعة من العاملات من المنزل، وتتنازل بوركينا فاسو عن رسوم المنافع لبائعات الفاكهة والخضروات.

يعتمد الوصول إلى النساء على أنواع عديدة من المزايا أيضاً، مثل حصولهنّ على الهواتف المحمولة على قدم المساواة. الهاتف المحمول يزيد من شراء السلع وبيعها، ويتم توفير المعلومات والطلب عليها، ومناقشة القضايا الحيوية، ونقل الأموال بين الحسابات المصرفية المتنقلة. ولكن في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، تقل احتمالية امتلاك هاتف محمول بنسبة عشرة في المائة للنساء عن الرجال، و 313 مليون امرأة أقل من الرجال الذين يستخدمون الإنترنت عبر الهاتف المحمول.

والنتيجة هي حلقة مفرَغة: يؤدي عدم المساواة بين الجنسين إلى عدم المساواة الرقمية، مما يزيد من عدم المساواة بين الجنسين. ومن أجل كسر هذه الحلقة، يجب على الحكومات أن تنظر إلى كينيا وبنغلاديش، اللتين عرضتا حزم هاتف وبيانات خاصة وتسويقها مع مراعاة احتياجات المرأة.

وأخيراً، يجب الاعتراف بعبء العمل غير مدفوع الأجر وتخفيضه وإعادة توزيعه. فهناك توقعات عالمية بأن المرأة يجب أن تقضي ساعات كل يوم في الطهي والتنظيف وتقديم الرعاية التي تُحافظ على استمرار أسرتها ولكنها لا تدرّ دخلاً. كما أن التوزيع غير المتكافئ للعمل غير المأجور يضرّ بالمرأة ويضرّ بالاقتصادات، وسوف يُبطئ الانتعاش بعد فيروس كورونا.

على الصعيد العالمي، ترتبط زيادة ساعتين في عمل الرعاية غير مدفوعة الأجر للمرأة بانخفاضٍ قدره عشر نقاط مئوية في مشاركة المرأة في القوى العاملة. ويمكن للحكومات التأكّد من أن هذا العمل يتم تقييمه من خلال سنّ سياساتٍ مثل الإجازة المدفوعة للآباء العاملين وإعطاء الأولوية لاستثمارات البنية التحتية، مثل الكهرباء والمياه التي تعمل بالأنابيب، والتي تجعل العمل غير مدفوع الأجر أقل استهلاكًا للوقت. كما يمكن لأصحاب العمل تقديم جداول زمنية مرنة للموظفين، وفرصة للعمل عن بُعد حيثما أمكن، وخيارات مثل رعاية الأطفال في الموقع لأولئك الذين تستدعي وظائفهم التواجد في أماكن عملهم. كما يجب أن تمتد كل هذه السياسات لتشمل الرجال والنساء على حدٍّ سواء، بحيث تقلب أدوار الجنسين بدلاً من تعزيزها.

ترجمة وإعداد: هالة الحسن لموقع شبكة المرأة السورية الإلكتروني/ عن مقالة للكاتبة ميليندا غيتس في Foreign Affairs.

A health worker demonstration in Paris, France, June 2020 Martin Barzilai / HAYTHAM-REA / Re​dux

A health worker demonstration in Paris, France, June 2020
Martin Barzilai / HAYTHAM-REA / Re​dux

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
wlahawogohokhra- احتفل العالم لأول مرة باليوم الدولي للمساواة في الأجر، في الـ18 من سبتمبر الجاري، وذلك بعد تحديده وإعلانه رسميًا بقرار للجمعية العامة للأمم المتحدة اتخذته في الـ18 من ديسمبر الماضي، ودعت فيه جميع الدول الأعضاء، والمنظمات الدولية، والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص، ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015