جرائم اللا شرف
اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا "جرائم الشرف"

وفاء علوش/ brocarpress- يبدو المشهد متكرراً وغير غريب، وربما بات مألوفاً وعادياً لدى تعثرنا بأخباره المتداولة اجتماعياً أو إعلامياً. “جريمة الشرف” اسم لا يشبه مضمونه ولا يتقاطع معه حتى من قريب أو من بعيد، اعتاد المجتمع والقانون استخدامه من أجل إضفاء صيغة شرعية على جرائم ترتكب بحق النساء، لمنع إدانة المجرم اجتماعياً بل وحتى قد يصل الأمر إلى الرفع من شأنه، ذلك أنه انتصر لشرفه المزعوم.

وتعرّف جرائم الشرف بشكل عام بأنها جريمة قتل يرتكبها غالباً أحد أفراد الأسرة من الذكور بحقّ إحدى الإناث في ذات الأسرة، لأسباب تتعلق بشكوك حول ارتكاب الأنثى فعلا مُخلَّا بالأخلاق في نظر الجاني، بهدف الحفاظ على شرف العائلة.

لا يخفى على أحد الكم الهائل من العنف الذي يختبئ خلف مثل هذه الجرائم المُبَرَّرة اجتماعياً وقانونياً، علاوة على ترسيخ الفكرة العامة بأن الفاعل من الممكن أن يكون وصياً وحارساً على أخلاق كائن يعتقد أنه أقل منه شأناً وعقلاً. فالثقافة الراهنة التي تبيح هذه الجرائم لا تقع في فخ تبرير العنف فقط، وإنما ترسخ لمجتمع لا يقبل بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة وتنتقص من حقوق المرأة التي تعد _وفقاً لوجهة نظره_ بحاجة إلى وصي ذكر يتصف بتمام الحقوق الإنسانية والقانونية ورجاحة العقل.

يتبادر إلى الذهن في البداية انعدام وجود مثل هذه الظواهر في بلاد الغرب، غير أن الحقيقة قد تكون مختلفة، ذلك أن المهاجر من البلاد الشرق أوسطية يرحل حاملاً معه معتقداته وأفكاره التي اعتنقها في البيئة التي نشأ وترعرع فيها، ويصطدم في المهجر بما يختلف مع منظومته الفكرية بشكل جذري ويتعرض إلى معاناة كبيرة بسبب الفجوة الاجتماعية والثقافية بين المجتمعين، الأمر الذي يضطره في بعض الأحيان أن يتعامل مع نساء عائلته بشكل أكثر تشدداً وتعنتاً معتبراً إياهن أكثر عرضة للانحلال الأخلاقي.

على اختلاف مناطق توزعها تتركز مثل هذه الظواهر في المجتمعات الأقل وعياً والأكثر انغلاقاً، وقد كشفت الإحصاءات الأخيرة التي صرحت عنها سلطات وحكومات دول الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع بعض المنظمات الحقوقية والنسائية التي تعنى بقضايا المرأة، أن الأعداد قد ازدادت في العقد الأخير في أوساط المهاجرين نتيجة موجة اللجوء الكبيرة التي شهدتها القارة العجوز، كما بينت التقارير أن الجرائم غالباً ما ترتكب لمجرد الشبهة والظن حتى ولو لم يكن الفعل المخل للشرف وفقاً لمنظومتهم الأخلاقية قد ارتكب بالفعل.

ترتكب جرائم الشرف غالباً ضد النساء بحيث تشكل الجرائم المرتكبة في بلادنا نسبة 72%من الحالات المنتشرة في جميع أنحاء العالم وذلك وفقاً التقارير الخاصة بالشرق الأوسط، وما يزيد الأمر سوءاً استطاعة الجاني الإفلات من العقاب وعدم تعرضة إلى المحاكمة بسبب الأعراف الاجتماعية والقوانين التمييزية ضد النساء، الأمر الذي يرسخ حق الرجل في القتل لأسباب واهية.
وقد وثقت الأمم المتحدة في تقريرها السنوي المتعلق بالجريمة لعام 2018 أن أكثر من نصف ضحايا جرائم القتل من النساء قتلن على يد شركاء أو أقارب، ما ينذر بخطر فشل الجهود المبذولة لوقف هذا النوع من الجرائم.

فمن بين حوالي 87.000 امرأة وقعن ضحايا للقتل العمد العام الماضي في جميع أنحاء العالم، قُتل منهن حوالي 34% على يد شريك حميم، زوج أو حبيب، و24% على يد قريب، وكانت نسبة النساء اللاتي قُتلن على يد شريك أو قريب أعلى في بلدان أفريقيا، تليها الأمريكيتين، وكان أقل معدل في أوروبا.

وأشارت تقارير لجنة الأمم المتحدة إلى أن جرائم الشرف تقع في مصر، والهند، وفلسطين المحتلة، وإيطاليا، والأردن، وباكستان، والمغرب، والسويد، وتركيا، وأوغندا، والعراق، وإيران، وأفغانستان.

وتأخذ جرائم الشرف أسماء مختلفة في دول مثل الهند، التي تسمى فيها «جرائم المهر»، وفي أمريكا الجنوبية تحت اسم «جرائم العاطفة»، ولها أفكار مماثلة من حيث إن النساء يُقتلن على أيدي أفراد الأسرة الذكور، ويُنظر إلى مبررات هذه الجرائم على أنها عذر أو مبرر.

وبالنسبة للفترة التي شملها تقرير الأمم المتحدة بين عامي (2010 إلى 2016) بخصوص ازدياد معدلات جريمة الشرف؛ جاءت الأردن في المركز الثاني بعد تنزانيا، وتبعتها مصر. وازداد عدد الجرائم في الأردن سنويًّا، حتى أصبحت الأولى عربيًّا في جرائم الشرف في العامين الماضيين، وتقدمت على مصر.

“جرائم الشرف” في سوريا ومعالجة القانون السوري

صُنِّفَت سوريا في المرتبة الخامسة بين الدول الخمس الأولى عالمياً والثالثة عربياً بناء على تقارير الأمم المتحدة الأخيرة، وشكّلت نسبة جرائم الشرف المعترف بها ما يقارب 60% تزداد في القرى والأرياف.

وقد أعلنت منظمات حقوقية يوم 29 تشرين الأوّل/ أكتوبر من كلّ عام، يوماً عالمياً للتضامن مع ضحايا جرائم “الشرف”، على خلفية حكم إحدى غرف الجنايات في سوريا على رجل قتل شقيقته بأنه “بريء من دمها” لأنه ادعى أنه قتلها باسم “الشرف”.
لا توجد إحصائيات رسمية واضحة حول جرائم الشرف في سوريا، وفي كثير من الأحيان، لا يجري توثيق عدد كبير من النساء بأنهن ضحايا هذه الجرائم، وذلك بسبب التكتم على الأسباب الحقيقية التي كانت دافعاً رئيسياً للقتل، ولكن التقارير الخاصة بالمنظمات الحقوقية تقدر عددها في البلاد بنحو 200 إلى 300 جريمة سنوياً وتحدث معظمها في المناطق الريفية، ما يجعل القوانين الخاصة بتلك الجرائم موضع جدل مستمر كونها هشة وتبرر للجاني أو تمنحه أعذاراً مخففة في أحسن الأحوال.

في العقدين الأخيرين طالبت المنظمات الحقوقية بإلغاء المادة 548 من قانون العقوبات السوري المتعلقة بجرائم الشرف، وذلك على الرغم من تعديلها بموجب مرسوم تشريعي في تموز/ يوليو 2009، شدّد فيه القانون العقوبة على الجاني.

وبموجب تعديل هذه المادة المتعلقة بجرائم الشرف لم يعد بوسع مرتكب مثل هذه الجرائم الإفلات من العقاب كما كان عليه الحال قبل التعديل، فقد نصّ التعديل على فرض عقوبة سجن “مدة سنتين على الأقل بحق من يرتكب جريمة شرف بسبب ضبطه لزوجته أو لأخته أو لابنته أو لإحدى قريباته بجريمة الزنا أو بصِلاتٍ جنسية مع شخص آخر”.

هذا التعديل لم يرق للمنظمات الحقوقية ولا النسوية بالأحوال كلها، لأنه يعد بمثابة تعديل خجول لا يرقى إلى مستوى الجهد والعمل المبذول لترسيخ مبدأ المساواة المعمول به في أغلب الدساتير وغير المطبق على أرض الواقع، ولأنه يمثّل محاولة فاشلة لرتق قطعة قماش مهترئة بالكامل، فبدلاً من حلّ المشكلة من جذورها، نحاول أن نتغاضى عنها ونعمل على ذرّ الرماد وتخدير العاملين في الشأن القانوني بتعديل غير مجدٍ ولا يتناسب مع ازدياد معدّل الجريمة خاصة في الآونة الأخيرة.

استمرت المنظمات الحقوقية وبعض رجال التيار الديني المعتدل بالمطالبة بإلغاء المادة 548 ومواد قانونية أخرى تخفف العقوبات عن مرتكبي جرائم الشرف، معتمدين بذلك على أن العقوبة تخالف مبادئ الشريعة الإسلامية، التي لا تعاقب على الزنا بالقتل أولاً ولا تفرق بين الرجل والمرأة في حدودها.

من نافل القول هنا أن مثل هذه التعديلات الهزيلة تثبت عدم جدية السلطات التشريعية بالتجاوب مع مطالبات المنظمات الحقوقية بخصوص تطبيق مبدأ المساواة تفعيل حقوق المرأة، وأن هذه الجريمة لا تنطوي في مضمونها على تبرير القتل فحسب، وإنما تعد سلسلة متواصلة من الجرائم الاحتماعية والجنائية تبرز في مقدمته اضطهاد النساء بوصفها كائناً أقل شأناً وقيمة.

وعليه؛ فإننا إذا ما قررنا المضي في العمل على إلغاء مثل هذه القوانين التمييزية تماشياً مع مبدأي الحرية والمساواة، فعلينا البحث عن أساس المشكلة وعدم نزع القضية من سياقها، يقترح المشتغلون بحقوق الإنسان قبل المطالبة بالمساواة بين المرأة والرجل دراسة وتفكيك البنية الاجتماعية والبحث عن حلول للمشكلات الاجتماعية مثل زيادة الوعي والعمل على تحسين سوية التعليم والشروط المعيشية في المجتمعات التي تنبت فيها مثل هذه الظواهر.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.  

اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا "جرائم الشرف"

اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا “جرائم الشرف”

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015