جرائم قتل النساء.. الرجل يعود إلى صنيعه الأوّل، رغم الوعود التي يقطعها على نفسه
احتجاجات النساء في سويسرا/ مجلة سيدتي

swissinfo/ وكالة أخبار المرأة- في سويسرا، كل أسبوعين تموت امرأةٌ نتيجةً للعنف الأسري، وذلك منذ سنوات. لوقتٍ طويل كان الحديث حول هذا الموضوع محظوراً من الناحية الاجتماعية، لكنْ مؤخراً أخذت تنشط مقاومة لهذا الحظر. وقد شكّل تصاعد جرائم القتل بحقّ النساء في الأسابيع الأخيرة، سبباً إضافيّاً.

تبدأ القصة مع شيءٍ ليس ذي أهمية كبيرة، وخلال لحظة قصيرة فقط، تعلو الأصوات قليلاً ثم تتحوّل إلى صراخٍ وغضب وإهانة. وفي بعض الأحيان، عندما تطول تلك اللحظة، تمتد اليد فجأةً فتتعرّض المرأة، التي يقول الزوج إنه يحبّها كثيراً، للدفع والهجوم والضرب. أحياناّ يبقى الأمر عند هذا الحدّ ولا يتكرّر، لأنّ الضرب في الأساس ليس أسلوب الزوج، أو لأنّه لا يتأخّر في طلب المساعدة في حلّ المشكلة، أو لأنّ المرأة تذهب على الفور إلى إنهاء العلاقة.

ولكن في الغالب، فإنّ الرجل يكرّر الضرب بقوة، بينما المرأة تُسامح في كلّ مرّة. ويستمر تكرار المشهد حتى يقتل الرجل شريكة حياته.. نعم، يحصل ذلك نادراً، لكنه كثير.

كل أسبوعين ضحيّة في سويسرا

»فَمِتْسيد«، هكذا أُصطلح على تسمية الظاهرة، أي قتل النساء. وفقًا لمنظمة الصحة العالمية WHO فإن المنزل هو أشدّ الأمكنة خطراً بالنسبة للمرأة على الإطلاق. وعلى مستوى العالم في العام 2017، أكثر من 50.000 من النساءَ قُتلْنَ على أيدي شركائِهِنَّ الحاليين أو السابقين.

سويسرا لا تشكل استثناءً، فقد بلغ في الأعوام الماضية المعدّل الوسطي لجرائم القتل بحقّ النساء، والتي ارتكبها شركاء حاليين أو سابقين وهزّت سويسرا، أكثر من خمسين جريمة، وذلك كما ورد في تقريرٍ أصدره في أيار/ مايو الماضي المكتب الفيدرالي للإحصاء. وبقولٍ أوضح: كلّ أسبوعين تموت امرأةٌ في سويسرا بفعل عنف شريكها.

السلطة والسيطرة

«وسواءٌ تعلّق الأمر بمحاولة قتل أو بجريمة قتل ناجزة، فإن الأمر يدور حول السلطة والسيطرة»، كما تقول ناديا شُيَب، المتخصصة في حقل الشؤون الاجتماعية والموظفة في مكتب نصح وإرشاد النساء ضدّ العنف في علاقات الشراكة والزواج/رابط خارجي في زيورخ، والتي قدّمت في السنة الماضية نصائحَ وأجرت مشاورات مع أكثرَ من ألفي امرأة.

هنالك أسبابٌ عديدة للاعتداءات التي تتعرّض لها النساء: الإفراط في شرب الكحول، اضطرابات شخصية أو تجارب عنفية غير مُعالَجة سابقاً في حياة المُعتَدِي. تقول شُيَب: «وفوق ذلك ما زال الكثير من الرجال الذين يمارسون الضرب يشعرون بأنه يجب عليهم السيطرة على النساء».

وفي حال قاومت المرأة أو ناقضت السيطرة أو وضعت حدوداً لذلك، فإنّ سلطة الرجل المفتَرَضة تصبح في عيونه موضع شك وتساؤل، فيردّ بالعنف مستفيداً من تفوّقه الجسدي. وإذا حدث أن وصل الأمر إلى حدّ القتل فإنّ الفكرة التي تكمن وراء الجريمة، وفقاً للمتخصصة الاجتماعية شُيَب، تكون في الغالب: «كشريك، لا يتركني أحد، من الأفضل أن تموت الشريكة إذا أرادت العيش بدوني».

وعلى الرغم من أنّ الناس في سويسرا، بما في ذلك وسائل الإعلام، يفضّلون أن ينظروا إلى جرائم قتل النساء على أنها جرائم علاقات أو على أنها نتيجة لتصعيدٍ مفاجيء في الموقف، إلّا أنها في الغالب تشكّل خاتمةً لسلسلة طويلة من ممارسة العنف. وفي حوالي نصف هذا النوع من الجرائم تتعرّض النساء الضحايا للتهديد أو للاعتداء المسبق من قبل شركائهِنَّ. في 39% من هذه الحالات كانت تلك التهديدات والاعتداءات معروفة لدى الشرطة.

خمس ضحايا خلال أيامٍ قليلة

في الأسبوع الماضي فقط كُشِفَ عن جريمة قتل امرأة تبلغ من العمر 34 عامًا. قتلها زوجها، لديهما عدّة أطفال وكانا يعيشان منفصلين. كان الزوج معروفًا عند الشرطة منذ فترة طويلة، فقد سبق وإن قُبِضَ عليه بسبب العنف الأُسريّ وحُظر عليه الاتصال بشريكته ومُنع من الدخول إلى دائرة سكنها. ولكنَّ لحظةً واحدةً كانت كافيةً ليجد مدخلاً إلى عالم حياة شريكته السابقة ويجعلها تدفع الثمن لأنانيته المريضة، كما يستوجب التخمين.

بالنسبة للعام الحالي 2019 لم تتوفّر إحصاءات بعد، ولكن بوسعنا أن نعتمد في ذلك على التقارير الصحفية، فحتى نهاية مايو/أيار كان هنالك تسع ضحايا جُدد من النساء، من بينهنّ خمسٌ قُتلْنَ في غضون أيامٍ قليلة.

يصعب فهم وإدراك كل حالةٍ على حدة، فشراكة الرجل والمرأة مسألةٌ شخصية، ولكن هنالك نموذجٌ يشبه خيطًا أحمرَ يمتد في الكثير من قصص العنف التي تشهدها تلك الشراكة، ألا وهو نمط التفكير والسلوك الأبوي الذكوري الذي ما زال يطبع المجتمع السويسري.

إنّ المساواة بين الجنسين؛ من الناحية القانونية على الأقل، هي حقيقة واقعة في سويسرا، لكنّ الباحثات والباحثين في قضايا النوع الجنساني (الجندر) لا يمنحون سويسرا شهادةً جيدة. وفي هذا الصدد تقول الخبيرة في هذا الشأن سوزانا نَف، وهي من جامعة زيورخ للعلوم التطبيقية: «إنّ سويسرا أيضاً، مصابةٌ بفجوةٌ بين الجنسين.» ثم تضيف: «بوعي أو بغير وعي، فإن الكثير من الذكور ما زالوا يُعَلَّمون بأنّ الهجومية هي ما يؤسس هُويّتهم، وأن هذه الهجومية ما زالت كما في السابق طريقةً مقبولة اجتماعيّاً للتغلّب على الخلافات، وذلك بدلاً من أن يتعلّموا التعامل بجدّية وعمق مع مشاعرهم.»

وتؤكّد الخبيرة نَف التي قابلت العشرات من النساء والرجال المعنيين، وذلك في إطار البحوث التي أجرتها، بأنّ «العنف الأُسري يبقى موضوعاً خاضعاً للحظر، فالكثيرات من الضحايا يكدن أن لا يتحدّثْنَ عنه، ولا حتى مع محيطهِنَّ الأكثر قرباً، لأنهُنَّ يخجلْنَ من أن يُصبحْنَ ضحايا لا غير.»

وأيضًا لأنهنّ يسمعْنَ عند ذلك جملاً مثل: «لماذا تجعلين العلاقة محل إعجابك؟»، «لماذا لم تنفصلي عنه مبكراً»، «من المؤكّد أنك قمتِ باستفزازه»، «ولكنه بلا شك شخصٌ محبوب» أو «لكنني أعتقد أنكما سعداء».

في دراسته، يشير مكتب الإحصاء الفيدرالي إلى «أنّ العنف في علاقات الشراكة والزواج يحدث في الحقيقة أكثر مما توثّقه الأرقام في الإحصاءات، لأن وقائعه لا تُبلَّغ بها الشرطة إلا نادراً. بالإضافة إلى ذلك فإنّ الإحصاءات لا تدوّن تدخّلات الشرطة التي لا تؤدّي إلى ادعاء شخصي أو إلى فتح تحقيق قضائي من قبل السلطات.»

أحكام مُسبقة وضغوط التبريرات ومشاعر الذنب

في كثيرٍ من الحالات، وفقاً للخبيرة نَف، فإنّ المرأة هي التي تضطّر إلى أن تعلّل سلميَتها المفترضة وليس على الرجل أن يعلّل هجوميته، وتضطّر أن تُدافع عن نفسها ليس في مواجهة الرجل المُعتَدي فقط، بل في مواجهة الأحكام المسبقة ومشاعر الذنب والضغط الذي تولّده الحاجة إلى التبرير.

فهل ذلك بسبب الفكرة التي ما زالت سائدة في المجتمع بأنّ المرأة التي تنهي علاقتها بزوجها، رغم وجود أطفال بينهما، هي أمٌّ سيئة؟ أم لأنّ المرأة تكون ذات قيمة أكبر في المجتمع عندما تغفر؟ أم لأنّ وضعها ما زال في كثيرٍ من الجوانب مرتبطاً بزوجها؟

الآن يتصدّر الموضوع اهتمامات السياسة أيضاً، وذلك قبل الانتخابات الفيدرالية في أكتوبر/تشرين الأول القادم، فعلى سبيل المثال، حزب الشعب السويسري الذي يتبنّى سرديَّةً تقول: “إنّ العنف الذي تتعرّض له المرأة من شريكها هو، في المقام الأول، مشكلةٌ عند الأجانب.”

المهاجرات ضحايا بشكلٍ متكرّر أكثر

في الواقع، إنّ النساء من أصولٍ مهاجرة يلجأْنَ إلى مكاتب إرشاد الضحايا أكثر مما يفعلْنَ السويسريات. المتخصّصة الاجتماعية ناديا شُيَب تقول في توضيح الأسباب: «إنّ النساء السويسريات لديهِنَّ إمكانياتٌ مالية أكثر ولا يواجهْنَ صعوباتٍ في اللغة، كما إنهُنَّ يعرفن النظام القضائي، لذلك فإنهُنَّ يتحرَّيْنَ شخصيّاً طريق المساعدة.» وترى أنه: «كلما كانت المرأة أكثر ارتباطاً بزوجها، كان الوضع أكثر صعوبة» وإنّ  «المهاجرات غالباً ما يكونَنَّ أكثر ارتباطًا بأزواجهنَّ، سواءٌ أكان ذلك ثقافيّاً أو ماليّاً أو جغرافيّاً.»، وتضيف مؤكّدةً بقوّة: «إنّ العنف يُمارَس ضدّ المرأة في المجتمعات التي يسيطر عليها عدم مساواةٍ واضحة ولا يُلاحَق أو يُعاقَب فيها اجتماعيّاً السلوك العنفي ضدّ النساء، إلا بشكلٍ ضئيل.»

التناقض بين إرادة التحرّر النِسْوِي والوقوع ضحية

بالتأكيد لا يمكن ردّ القضية إلى الخلفيات الثقافية وحدها، فالعنف في المحيط الأُسري يحدث بالأساس دون ارتباط بالطبقة الاجتماعية أو بالمستوى العلمي أو المالي. تقول الخبيرة نف: «بالأخص النساء المتعلمات جيداً، واللواتي يَرَيْنَ أنفسهُنَّ متحرّرات، يقعْنَ، على الرغم من ذلك، في التناقض بين ما يعتقدْنَ به وما يجب أن يفعلْنَه، وبين ما يعشْنَه في الواقع».

خلاصة الأمر؛ لا تودّ أيّ أمرأة أن تعترف بأنها ضحية عنف. لذلك فإن الكثيرات من النساء يُلقِيْنَ على أنفسهِنَّ بجزءٍ من الذنب ويكتمْنَ الواقع المعاش ويجمّلْنَ وضعهنًّ، لأنّ صورة المرأة القوية التي يظهرْنَ بها لا تتوافق مع صورة المرأة المُعنَّفة.

السياسة تنشط بتردّد

على الرغم من الحقيقة التي تُشير إلى أنّ جرائم القتل الناجزة قد تقلّصت، فإن محاولات القتل قد تزايدت بشكلٍ كبير. في حزيران قدّمت البرلمانية مايا غْراف من حزب الخضر مبادرةً طلبت فيها فحص الأسباب.

ربما يكمن الأمر هنا في أنّ الأسابيع الأخيرة شهدت بشكلٍ ملفتٍ للنظر العديد من جرائم القتل التي قام بها شريك حالي أو سابق بحقّ نساء في سويسرا، بعضهُّن طُعِنَّ بالسكاكين، وبعضهن ضُرِبنَ حتى الموت، وذلك كخاتمةٍ لشهور من الملاحقة والضغط، في أغلب الحالات.

وبلا شك فإن الموضوع قد حظي بالانتباه عقب إضراب النساء على المستوى الفيدرالي في 14 يونيو/حزيران 2019.

الصورة الرومانسية للحب المعذّب

تقول المتخصصة الاجتماعية ناديا شُيَب: «بعد فعل العنف يأتي شهر العسل، فالرجال يعبّرون عن أسفهم، وللحظة يبدو من جديد كل شيء أفضل.» وتستطرد: «ربما لهذا السبب أيضاً تمنح النساء شركاءها الرجال الفرصة مراراً وتكراراً».

أما الخبيرة نف فتقول: «الكثيرات من النساء لا يعرفن في البدء التحكم والسيطرة كما هي بالفعل، فالمرء يستغرق في الصور الرومانسية التي يعرفنها من الأغاني والأفلام، حيث الحب الحقيقي هناك يجب أن يعرف الألم». وتضيف: «تشعر المرأة بعد ذلك بأنها مشتهاة فتلتبس عليها الغيرة والتحكّم والوجْد»، وترى نف بأنه: «يجب أن يشعر الرجل بعواقب فعله ويدفع الثمن».

ما يزعج الباحثة في قضايا النوع الجنساني هو أنّ العنف ضدّ النساء يجري تناوله دائماً كحالات منفردة، بدلاً من تحديده كمشكلة اجتماعية بالكامل. لذلك فإن «الحديث يجري حول جرائم علاقات وجرائم شرف أو مأساة عائلية»، ما يتضمّنه ويعنيه ذلك تلقائيّاً هو أنّ العنف المنزلي يتعلّق بمشكلة مشتركة، «يُترك الأمر ليبدو كما لو أنّ كلّاً من الطرفين يتحمّل حصّته في العنف. يجب أن يتغيّر السرد»، تقول نف، وذلك «من التركيز على المرأة التي يجب أن تحمي نفسها وتتحمّل الذنب إذا لم تطلب الانفصال عن شريكها، إلى التركيز على الرجل الذي عليه أولاً ألّا يمارسَ الضرب».

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”. 

احتجاجات النساء في سويسرا/ مجلة سيدتي

احتجاجات النساء في سويسرا/ مجلة سيدتي

أترك تعليق

مقالات
د. أم الزين بن شيخة/ alittihad الإماراتية- لا تزال قضيّة المرأة اليوم، بعد قرن ونيف من النضالات النسويّة، موضع جدل فكريّ واجتماعي وسياسي، وذلك على الرغم من إقرار أهمّ الدساتير الدولية لمبدأ المساواة بينها وبين الرجل في كل الحقوق والواجبات. ولا تزال الحركات النسويّة في حالة تدفّق باهر، ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015