جنسانية الأطفال
Steve Teare

feministconsciousnessrevolution- أقدامٌ صغيرة تطلّ من تحت باب الحمام، وعيونٌ تتحرك بين الثقوب محاولةً اختراق الحاجز، “كيف يبدو جسم أبي بدون ملابس؟”.. تصرخين عليها كي تبتعد عن الحمام، بينما تلحقين بطفلك الآخر الذي يركض عارياً في الفناء.

تابو الجنس

في المجتمعات الدينية المحافظة يحكم التشريع الديني قبضته على الممارسات الجنسية فيحصرها في سلوك واحد مقبول يصبغه بهالة القداسة ويصبح ما عداه محرما؛ فالنساء اللاتي بلغن سن انقطاع الحيض يجوز لهن التخفف من بعض ثيابهن لأنهن مُستقذَرات فلا يَشتهِين ولا يُشتهَين [2]، والفتيات الصغيرات يتم ختانهن لضبط شهوتهن عند الكبر. تترسخ أحكام الدين كأيدلوجيا مجتمعية تصبح مع مرور الوقت عرفا سائدا لا يقبل المساومة وتفرض بدورها تربية النشء على كبت جنسانيتهم حتى يحين موعد الزواج، المنفذ الجنسي الوحيد للأفراد. ولا يقتصر التحريم على الممارسات الجنسية فحسب بل أنه يطال الحديث عنها فيصبح الآخر تابوه مجتمعي يستوجب غلق الأبواب والهمس بحذر. يلقي الوالدان بعبء التعليم الجنسي على دروس الأحياء في المدرسة، ويتملص المعلمون من الإسهاب في التفاصيل فيقرأون رؤوس الأقلام على عجل. وتبقى أسئلة الأطفال معلقة، يسترقون مشاهد جنسية من الإنترنت ويتبادلون تجاربهم الغضة مع أصحابهم بحثا عن إجابة تشبع فضولهم.

التعبير عن الجنسانية عن طريق السلوكيات أمر طبيعي وصحي، ومن المهم أن يتطور فهم الأطفال تدريجيا لماهية الجنس وكيفية التعامل مع أعضائهم الحميمة. فقد أشار إليلن جيل وتوني جنسون في كتابهما Sexualized Children إلى أن أكثر من 50% من الأطفال سيشاركون في نوع من السلوكيات الجنسية قبل إتمامهم 13 عاما. [7]. ومع ذلك فإن تراكم الخبرات الجنسية لدى الوالدين يشكل مأزقا حقيقيا في التعامل مع سلوكيات أطفالهم وتبسيط المعرفة الجنسية لهم، محاصرين بين مقص التحريم وعين المجتمع، يُقدِم بعض الآباء والأمهات على تعنيف أطفالهم بالضرب أو الصراخ أو إحراجهم أمام الآخرين ليجبروهم على تناسي الأفكار والسلوكيات المتعلقة بجنسانيتهم، دون أن يدركوا أن توبيخ الطفل/ الطفلة ولومه على اكتشاف جسده يجعله يشعر بالعار تجاه نفسه ويدمر احترامه لذاته واستحقاقه لنشاط جنسي مُرضي عندما يصبح بالغاً.

إن التناقض بين الرغبات الجنسية للفرد والخوف من غضب الإله وانتقام المجتمع والأسرة منتشر إلى حد لا يمكن إخفاؤه أو إنكار وجوده، فالرغبات والممارسات الجنسية يتم تجاهلها ورفضها ووصمها بالعار منذ سنوات الطفولة المبكرة. تجنُّب الحديث حول الجنس لن يلغي وجوده، ولن يقلل من فضول أطفالكم للبحث عنه، تغطية أعضائهم الحميمة وإطلاق ألفاظ ضبابية عليها لن يجعلهم يتناسوا وجودها فكل ممنوع مرغوب، وإذا سكت الأطفال عن طرح الأسئلة أمامكم فاعلموا أنهم يبحثون عن الإجابات في مكان آخر.

جنسانية الأطفال عبر التاريخ

قبل القرن 18 كان الإمتاع الذاتي (الاستمناء) مدانًا أخلاقيا ثم أصبح مقرونًا بالأمراض الجسدية، ففي عام 1854 قدم عالم الصحة العامة تشارلز درايسدال سيناريو حول الإمتاع الذاتي يتصور فيه “الضحية” يستيقظ من نومه مبللا -أثر المتعة- وعندما يتفقد بيديه ما حصل له يغرق في حالة من اليأس فيدرك ما حدث ويخطر بباله الغد القاتم، وقد يعاني “الضحية” لسنوات عدة من الضعف أو يتطوّر مرضه إلى الجنون. [11].

وبعد نصف قرن كتبت الممرضة بيركنز عن الجهاز “الأكثر أمانًا” والذي أسمته (الدرع الجنسي)، الجهاز عبارة عن سترة جلد وحديد تغطي منطقة الجذع السفلي، يوجد بها فتحة صغيرة للتبول وأخرى خلفية للتغوط تفتح بمساعدة الآخرين. يستعمل هذا الجهاز لمنع حالات الإمتاع الذاتي خصوصا بين الأطفال باعتباره آفة تودي بحياتهم إلى الهلاك. [11].

أما بين عامي 1914 و1921 فقد وصل الذعر من النشاط الجنسي للأطفال إلى مستوى مؤلم بشكل واضح؛ فقد كان مص الإبهام والإمتاع الذاتي خطرا محدقًا يستلزم الخلاص منه قبل أن يقتل الأطفال أو يشوه خلقة الأجيال التي ستنجبها الطفلات. كان الآباء والأمهات يربطون أيدي وأرجل أطفالهم معا حتى لا يتمكنوا من مص إبهامهم أو حك فخذيهم لضمان ألا يحدث نوع من المتعة اللاإرادية أثناء النوم. [11].

وفي أواخر عشرينات القرن الماضي، بدأ التشديد يخفت وانتقل التركيز إلى أساليب أقل عنفا كتدريب الأطفال على استخدام الحمام في عمر أبكر وضبط مواعيد الأكل وصرف انتباههم بأنشطة أخرى ليتناسوا فكرة الإمتاع. ثم بعد عشر سنوات تم تقديم الإمتاع الذاتي كاستكشاف طبيعي للجسد ولم يعد يُنظر للممارسات الجنسية الذاتية كخطر يهدد حياة الأطفال، بل على أنها حادثة غير مهمة ولكنها تسبب الإحراج للأهل. [11].

كان الطبيب هافلوك إليس أول من أعلن أن الإمتاع أمر طبيعي وربما جزء ضروري من التطور الجنسي الصحي لدى الأولاد والبنات على حد سواء. وأوضح هافلوك أن القمع الجنسي لدى الصغيرات كان عاملا رئيسيا لبرودهن الجنسي بعد الزواج، فكان أول من كسر الصورة النمطية حول الإمتاع الذاتي وقاد الثورة الجنسية دون أن يسرق الأضواء. [11].

وعلى الرغم من أن سيجموند فرويد تخفف من القيود الجنسية الفكتورية إلا أنه أيضا كان يعتبر الإمتاع استنزافا للطاقة، وأنه يورث الوهن العصبي (Neurasthenia) إلى أن قَبِل به كممارسة طبيعية في الستينات من عمره. يعتقد فرويد أننا كما نؤمن بأن الموت أمر لا مفر منه لكننا نخشاه، كذلك الجنس فنحن نعتقد أنه أمر صحي وسيمارسه أبناؤنا/ بناتنا عندما يكبرون ولكننا نخشى بوادر جنسانيتهم الآن. [11].

وبحلول عام 1948 كانت المحاولة الأولى للعالم ألفرد كينزي في دراسة الإثارة الجنسية خلال مرحلة الطفولة. أجرى كينزي عدة مقابلات مع أطفال من عمر سنتين، وخلص من أبحاثه إلى أن الفتيات كنّ أكثر تقييدا وأقل خبرة جنسيا من الأولاد، وأن النساء القلائل اللاتي أبلغن عن اختبارهن للإمتاع الذاتي عند الطفولة حظين بفرصة أكبر في الوصول إلى النشوة عند الزواج. [11].
توالت الأبحاث وبدأ الخوف حول جنسانية الأطفال ينقشع تدريجيا كاشفًا معه حقائق أخرى كالضغوط المضاعفة على البنات عن أقرانهن الأولاد في عمر مبكر، ففي عام 1966 أكد وليام ماسترز وفرجينيا جونسون أن العوامل النفسية والاجتماعية المبكرة في حياة الإنسان تؤثر على حياته لاحقا لاسيما الإناث. [11].

بحلول عام 1970 أصبح تعليم الثقافة الجنسية في الدنمارك إلزاميا في المدارس الابتدائية، حيث يتم تدريس الطلبة مواضيع جنسية مختلفة كالأعضاء الجنسية، والبلوغ، والهرمونات، وبعض الأنشطة الجنسية كالإمتاع الذاتي والجماع والنشوة. وقد تم تدريب المعلمات/ المعلمين بشكل مكثّف للتعامل مع المحتوى والطريقة المناسبة لتقديمه للطلبة. .[8]

وبعد عشرين عاما تم عقد مؤتمر السكان والتنمية في القاهرة والذي سعى لنشر أهداف التربية الجنسية في 33 دولة تمتد إلى أقصى شرق كازاخستان، ولكن أهداف المؤتمر تعطلت بسبب الصراع الأيدلوجي ورفض بعض الحكومات نشر التعليم الجنسي في المدراس والجمعيات والمنظمات المدنية. .[8]

وبنهاية القرن العشرين بدأت الكنيسة بتخفيف إدانة الإمتاع الذاتي، غير أن الفعل نفسه بقي يُنظر إليه كخطأ كما صرح أحد اللاهوتيين البريطانيين. ولكن الفعل ذاتي وقد لا يكون خطيئة دائما. .[8]

حديثاً، وجدت الاستطلاعات الوطنية البريطانية في عام 2015 أن الرجال والنساء الذين أبلغوا عن تلقيهم دروس التربية الجنسية كمصدر رئيسي لمعلوماتهم كانوا مؤهلين بشكل أكبر خلال تجربتهم الجنسية الأولى، حيث كانوا أكثر قدرة على اختيار التوقيت المناسب لخوض التجربة، واستخدام وسائل منع الحمل الموثوقة، واتخاذ قرار ذاتي للممارسة الجنسية دون الخضوع لضغوط خارجية. .[10]

وللتنويه فإن التسلسل التاريخي السابق والمختصر غير مرتبط بالثقافة العربية التي لا تزال إلى الآن شحيحة المصادر والأبحاث حول جنسانية الأطفال في المنطقة، وبالإضافة إلى قلة المصادر بقي معظم الأطباء والمختصين في الطفولة يعتقد أن لذة الإمتاع الذاتي رعب يمكن للأهل التخلص منه عبر تكريس أوقات أطفالهم في أنشطة مختلفة، كما نصحت طبيبة نفسية في أحد اللقاءات. [1].

يسهم الباحثين/ الباحثات في هذا المجال في إعادة إنتاج الفكر المجتمعي بحلة علمية، فيقتنص الباحث/ الباحثة المعلومات التي تؤيد توجهه الديني وبما يلائم الضوابط المجتمعية متجاهلا -بقصد أو بغير قصد- المعطيات التي تخالف الوضع السائد في بيئة البحث كي يتوصل إلى نتيجة ترضي الخلفية القانونية للدولة، وللحفاظ على شكل الأسرة في صورتها المألوفة والضيقة. ولا نبرّأ الإعلام المرئي والمسموع والمقروء من تهميشه لجنسانية الأطفال، فهو دائما ما يعرضهم كمادة توعوية لحمايتهم من الاعتداءات الخارجية ولم يتم تقديمهم إطلاقا ككائنات جنسية تحتاج وترغب وتستكشف.

خطاب جنسانية الطفولة

عندما يطلق أحد الأطفال سؤالا وسط تجمع عائلي: “كيف ماما حملت؟” ترتفع حرارة المكان وترى عيون الكبار هاربة في كل زوايا الغرفة محملقة في اللوحة أو السقف أو الكنبة البعيدة، أي شيء متاح للنظر بعيدا عن ذلك الكائن الفضولي الضئيل بانتظار أن تمر الدقائق المحرجة بسرعة. وقد يجتهد أحدهم لإنقاذ الموقف فيشغل الطفل بسؤاله إحضار كوب ماء من المطبخ فيمسح البقية جباههم وتعود عقارب الساعة للحركة.

يشير هوكس وإيجان في ملخصهم للتاريخ الفكري لخطابات جنسانية الطفولة خلال القرن التاسع عشر وأوائل منتصف القرن العشرين إلى أن الذعر المنتشر حول النشاط الجنسي للأطفال هو انعكاس لاضطرابات ثقافية أكبر، ويعتبران الحاجة إلى حماية الأطفال من الأعمال الجنسية بمثابة حاجز للتدخلات الاجتماعية التي تذهب في كثير من الأحيان إلى أبعد من أجساد الأطفال ومتعتهم. إذن فالقلق الشائع حول التطور الجنسي عند الأطفال مرتبط بدرجة كبيرة بتصور البالغين عن ملائكية وبراءة الطفولة التي لا يجب أن “تدنس” بالممارسات الجنسية أيا كان شكلها وسياقها ومستواها. [5].

تشير بعض الأدبيات إلى النمو الجنسي كمرحلة تعلم واستكشاف فقط دون الإشارة إلى شعور المتعة الذي تحققه للأطفال، وبالتالي فإن النظرة لهذه المرحلة كشر لا بد منه لم تتغير، حيث يعاني الوالدان من قلق الحفاظ على سلوكيات أطفالهم ضمن الإطار المسموح به اجتماعيا. فردة الفعل العنيفة التي يصدرها الأهل إزاء ممارسات أطفالهم الجنسية تشي بخوفهم من أن يحكم الناس عليهم من خلال أطفالهم، دونما اعتبار لآثار هذا الكبت على جنسانية أطفالهم وقدرتهم على التعبير عن رغباتهم والاستمتاع بها عند البلوغ. ويعبّر أحيانا تطرف الوالدين في التعامل مع هذه السلوكيات عن عدم تقبلهم لجنسانيتهم الشخصية، فالأم التي فرض عليها أبويا “ألا تهش ولا تنش” حتى يفرغ منها زوجها لن تقبل حتما أن تستمتع ابنتها بنفسها دون أحكام، والأب الذي يجتهد لدمج ابنه في مجتمع الرجولة سيسعى لترويض سلوكه بما يرضي مجالس الرجال.

يطرح فوكو في كتابه تاريخ الجنسانية فكرة القمع الذي تمارسه السلطة على الجنس في كل المستويات، من الأعلى للأسفل، من القوانين الشاملة إلى عقوبات التفاصيل اليومية الدقيقة، من الدولة إلى الأسرة، ومن الأمير إلى الأب. وفي جميع الأحوال تفرض السلطة وجودها بشكل قانوني سواء على هيئة تشريعات مدنية أم أعراف اجتماعية، وتظهر آثارها بالخضوع، فهناك دائما صاحب سلطة وخاضع قد يكون مواطنا أمام الدولة، أو طفلا أمام والديه، أو تلميذا أمام معلمه. ويضيف أن هناك عدة استراتيجيات طورت لصالح السلطة والمعرفة منها إضفاء الطابع التربوي على جنس الطفل، وهو تأكيد مزدوج على أن كل طفل يتعاطى أو بإمكانه التعاطي مع نشاط جنسي ما، هذا النشاط الذي يعد طبيعيا وغير طبيعي في الوقت ذاته، يشكل مخاطر جسدية وأخلاقية لا على الطفل وحده ولكن على المجتمع أيضا، وعلى الأطباء والمربين والآباء أن يتكفلوا بحماية هذه البذرة الجنسية الخطيرة من نفسها ومن الآخرين، هذه الصياغة تظهر بشكل جلي في الحرب ضد المتعة الذاتية للأطفال على مدى قرون. [4].

يلعب القمع الممنهج الذي تمارسه السلطة على المستوى التشريعي في الدولة، والتربوي في المدرسة، والاجتماعي في الأسرة وبين المجتمع دورا محوريا في فرض الرقابة على خطاب جنس الطفولة؛ فقد وضع ضمن النظام الثنائي للسلطة: مباح، ومحظور، وبالتالي فإن الكلام حول كل ما هو محظور يصبح محظورا أيضا حتى يتم إلغاؤه من الواقع “وما ليس موجودا لا حق له في الظهور، حتى في نظام الكلام”. فالسلطة تقدم نفسها كراعية للحق والذي يتم تقديمه أيضا بصورة تشبه ما تمارسه السلطة ليصبحا متطابقين في نظر الأفراد، فالقوانين والتشريعات التي تقبل وترفض الممارسات الجنسية يتم تدعيمها بمحتوى تعليمي في المناهج الدراسية، وخطب دينية في المنابر، وأبحاث علمية منشورة، وكتب يعاد طباعتها ويكرم معدّوها، والأسرة التي تلتزم بتنشئة أطفالها جنسيا وفق النموذج المثالي الذي أعدته السلطة -بكافة مؤسساتها- تكافأ بالسمعة الحسنة والقبول والوعد بالنسل القوي. [4].

لأكثر من قرنين كانت حياة الأطفال الجنسية مقرونة بلغة الخوف والترهيب، وبنهاية سبعينات القرن الماضي ظهرت حركة مناهضة الاعتداء الجنسي ضد الأطفال وأصبحت هذه الخطابات أقوى كما يوضح ستيف أنجليديس. [5]. ليس الخلل في الخطابات المناهضة لعنف الأطفال نفسها، ولكن في آثارها التي حرمتنا -دون وعي- من طرح الأسئلة حول خواص جنسانيتهم فأصبحت الطفولة منطقة مسيجة بالكامل وغير قابلة للنقاش مجتمعيا. كما لا يخفى على القراء أن هناك شبه إجماع من المختصين على الخطاب الذي يوحي بأن الجنسانية وحش لا يجب استفزازه، فعبارات من قبيل ” إمتاع ذاتي أم تدمير ذاتي؟” توحي بأن الإمتاع بلا شك تدمير ذاتي. فنجد أرفف الكتب التي تتحدث عن الطفولة أنها تقل الحديث عن جنسانيتهم كمرحلة، وتعتبر طريقة مونتيسوري أن الأطفال المشغولون بأنشطة مختلفة لن يحتاجوا إلى اللعب بأعضائهم، تماما مثلما يسوّق بأن الشباب الطموح يتوجه للانهماك في المساعي الأكاديمية، فالترويج للمتعة الذاتية غير المربحة لن تؤدي لعوائد اقتصادية ولن تسمح بإعادة إنتاج رأس المال البشري، فهي متعة إسراف لا تكرس للتوالد وحده. [8].

أنثى بقيود إضافية

حينما كنت ألعب مع طفلتي ذات السبع سنوات أخبرتني فجأة أنها تريد أن تريني شيئًا، وعندما أبديت حماسي للمفاجأة التي تخبئها، خلعت كل الملابس التي تغطي الجزء الأسفل من جسمها وأشارت إلى أعضائها التناسلية! شل تفكيري في تلك اللحظة وهربت تاركًا المنزل، موكلا أمها مهمة التخلص من المصيبة التي حلت علينا، فلو كانت صبيا لكان الأمر أهون! * [3].

تعاني الفتيات الصغيرات كبتًا مضاعفًا لضبط سلوكياتهن الجنسية في عمر مبكر، فالختان وعدد قطع الملابس التي يرتدينها وحرمانهن من بعض الألعاب التي قد تؤذي غشاء البكارة -المزعوم- جميعها ممارسات سلطوية تنصب حصريًا لتقييد الإناث دون الذكور منذ الطفولة. وكما هو معلوم عن تاريخ هسترة الجسد الأنثوي المرتبط برحم المرأة، تم تجريد جنس الإناث كاملا من أهليته الجنسية استنادًا على تفسيرات طبية وفلسفية ذكورية منذ عهد بعيد. غير أن الأساس الذي بنيت عليه أفكار ميلامبس وسقراط وأفلاطون لم يزل باقيًا إلى يومنا هذا متخذًا شكلا جديدا، مستخدما تبريرات موازية لحاجة كل مجتمع على حدة، ومدعومًا بالسلطة المعرفية.

تكرار رفض الأهل لكل ما يعبر عن جنسانية الصغيرات يوصل لهن رسالة مفادها أن هذا العضو من جسدهن أقل قبولا وأكثر خطرًا، هذا الجزء يثير استياء أقاربهن ويجب أن يظل منسيًا قدر الإمكان. يمتد أثر مواقف الطفولة وتربية الوالدين على نمط حياة الإناث مستقبلا، فتشعر معظم النساء بالدونية في الفراش وبالتردد عند التعبير عن رغباتهن وأحيانًا كثيرة يدّعين بلوغ النشوة. قد يكون ما يحصل للنساء في هذه الحالة هو تجسيد لافتراض فرويد حول ارتباط فقدان ذاكرة الطفولة (Infantile Amnesia) بالحياة الجنسية للبالغين، حيث يعتقد فرويد أننا ننسى ما حدث لنا في المهد، وهذه الفجوة في الذاكرة تخفي عنا بدايات حياتنا الجنسية وكأنها غير موجودة وغير مساهمة في تطورنا الجنسي. فالمشاعر التي تتكون في الطفولة كالقرف، والعار، والكبت تعمل على تشكيل تفاعلنا السلبي مع أجسادنا وتؤثر على أدائنا الجنسي مع شركائنا في المستقبل. [9].

إلى جميع الآباء والأمهات والمربين والمربيات، تأكدوا أن كل حديث متعلق بجنسانية الطفلة/ الطفل مهم في ربطكم به عاطفيا ويؤثر على صورتكم في ذهنه كمصدر آمن يستطيع إبلاغه في حال تعرضه لأي اعتداء جسدي، فالتعاطي مع السلوكيات الجنسية بحساسية وإضفاء طابع التحريم على الحديث حولها يجعل الطفلة/ الطفل ينتقل مباشرة للبحث عن مصادر معرفة أخرى غالبا ما تكون مضللة، وقد تساهمون دون قصد في استمرار حادثة اعتداء جنسي تقضي على حياة بناتكم/ أبنائكم. يشرح عالم الاجتماع الأمريكي ديفيد فينكلهور في أحد أبحاثه أن الحديث مع الأطفال حول جنسانيتهم يساعدهم في اكتساب مهارات مثل كيفية تحديد المواقف الخطرة، وطريقة رفض الاعتداء، وطلب المساعدة دون أن يلوم الطفل/ الطفلة نفسه بعد تعرضه لحادثة اعتداء جنسي. .[6] الخجل والتعتيم حول كل ما يتعلق بالجنس يسهل على مجرمي البيدوفيليا الحصول على مزيد من الضحايا الأطفال، لا تكونوا يدًا خفية في استمرار هذه الجريمة.

المراجع:

[1] أبو لبدة، هالة. (2019). التحرش بين الأطفال.. براءة ومشاغبة أم مشاعر ورغبات؟. تم الاطلاع عليه في 22/5/2020. رابط الموقع: https://www.aljazeera.net/midan/miscellaneous/2019/2/23/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D8%B4-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%B4%D8%A7%D8%BA%D8%A8%D8%A9-%D8%A3%D9%85

[2] القرآن الكريم – مشروع المصحف الإلكتروني بجامعة الملك سعود. رابط الموقع: https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/qortobi/sura24-aya60.html

[3] حسن، أميرة. (2018). كيف تتعامل مع طفلك إذا علمت أن له علاقة جنسية بطفل آخر؟. تم الاطلاع عليه في 27/5/2020. رابط الموقع: https://www.sasapost.com/how-to-deal-with-your-child-if-he-has-sexual-activity-with-another-child/

[4] فوكو، ميشال. (2004). تاريخ الجنسانية: إرادة العرفان، (ت: محمد هشام). (ج1). الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.

‏[5] Angelides, S. (2019). The Fear of Child Sexuality: Young People, Sex, and Agency. Chicago and London: The university of Chicago Press. Retrieved from: https://books.google.com.om/books?id=fx2jDwAAQBAJ&pg=PR12&lpg=PR12&dq=Children,+Sexuality+and+Sexualization+By+Jessica+Ringrose+children+sexuality+++About+this+book&source=bl&ots=eNWucuKysB&sig=ACfU3U2yLZIteYDBNxG2UIPnTIRXtOrOnQ&hl=en&sa=X&ved=2ahUKEwiH9rfR36_pAhWM0eAKHSYNBAI4ChDoATAIegQIChAB#v=onepage&q=Children%2C%20Sexuality%20and%20Sexualization%20By%20Jessica%20Ringrose%20children%20sexuality%20%20%20About%20this%20book&f=false

‏[6] Finkelhor, D. (209). The Prevention of Childhood Sexual Abuse. The Future of Children Journal, Volume 19. Retrieved from: https://muse.jhu.edu/article/361498

‏[7] Gil E, Johnson TC. (1993). Sexualized Children: Assessment and Treatment of Sexualized Children and Children Who Molest. Rockville, MD: Launch Press. Retrieved from: https://www.ncjrs.gov/App/abstractdb/AbstractDBDetails.aspx?id=151390

‏[8] Heins, M. (2007). Sexualized Children: Not in Front of The Children: “Indecency”, Censorship, and The Innocence of Youth. New Jersey: Rutgers University Press. Retrieved from: https://books.google.com.om/books?id=3Phb_wsA1J8C&pg=PA151&lpg=PA151&dq=children+sexuality+in+90s&source=bl&ots=i0iJS5IVrR&sig=ACfU3U1qRElagEpPgPA4ctLb_8VseIkoug&hl=en&sa=X&ved=2ahUKEwjP96eD-eLpAhXhxoUKHb3vBV04ChDoATADegQIChAB#v=onepage&q=children%20sexuality%20in%2090s&f=false

‏[9] Freud, S. (1910). THREE CONTRIBUTIONS TO THE SEXUAL THEORY, (Translated by: A. A. Brill). New York: The Journal of Nervous and Mental Disease Publishing Company. Retrieved from: https://www.stmarys-ca.edu/sites/default/files/attachments/files/Three_Contributions.pdf

‏[10] Sex Education Forum. (2015). SRE-The Evidence. Retrieved from: https://www.sexeducationforum.org.uk/resources/evidence/sre-evidence

‏[11] Yates, A. (1978). Sex Without Shame: Encouraging the child’s healthy sexual development. OCR scanned  edition. New York: William Morrow. Retrieved from: https://b-ok.asia/book/684321/36b627?regionChanged

Steve Teare

Steve Teare

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
مي عبد الكريم محمود/ awanmedia- تُعدّ عالمة الأخلاق وعالمة النفس الأميركية كارول غيليغان واحدةً من أقوى الأصوات النسوية المعاصرة. تُرجم كتابها “بصوت مختلف” (1982) إلى 16 لغة وبيعت منه أكثر من 700 ألف نسخة حول العالم. في كتابها الأحدث “لماذا تستمر البطريركية؟” (2018)، تطوّر غيليغان، ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015