جيل بلا وثائق
©Syrians for Truth and Jsutice-STJ

لمى قنوت/ enabbaladi- تواجه العديد من الأسر السورية تحديات ضخمة جراء فقدان الوثائق الثبوتية أو/ وعدم قدرتهم على تسجيل جميع الواقعات في السجلات الرسمية، التي طرأت على سجلهم المدني خلال النزوح أو التهجير القسري، وخروج العديد من المناطق عن سيطرة النظام، وتدمير أو إغلاق دوائر السجلات المدنية، وحصرها والمحاكم في حيّز نطاق سيطرة النظام، وقد أشار “المجلس النرويجي للاجئين” إلى أن 70% من اللاجئين يفتقرون إلى وثائق التعريف الرسمية (الهوية الوطنية)، ومن أصل 734 أسرة نازحة داخليًا في خمس مناطق تابعة لمحافظتي درعا والقنيطرة، أفاد أكثر من نصف المستجيبين بأنهم “فقدوا شهادة زواجهم أو تمت مصادرتها أو إتلافها أو تركوها خلفهم عند نزوحهم”، ومن نفس عيّنة الدراسة الاستقصائية، فإن ربع أفراد الأسرة، من الذين بلغت أعمارهم 14 عامًا فما فوق، والذين يحق لهم الحصول على الهوية الوطنية لا يحملونها، بالإضافة إلى 304 أطفال من أصل 675 طفلًا تحت سن الخامسة، غير مسجلين في دفتر العائلة الخاص بتلك الأسر، ويعد دفتر العائلة سجلًا رئيسًا للحصول على وثائق أخرى، وتفيد الدراسة أيضًا، بأن 195 طفلًا تحت سن الخامسة من أصل 675 طفلًا ليس لديهم بيان ولادة رسمي، سوى ما صدر عن سلطات الأمر الواقع، التي لا تعترف بها الدوائر الرسمية، وبالتالي فإن العديد من الأطفال والطفلات معرضون إلى انعدام الجنسية.

أثر انعدام الوثائق على مكتوم القيد

يستند نظام التسجيل المدني إلى إلزام المواطنين والمواطنات بتسجيل جميع الواقعات التي تطرأ على سجلهم المدني، وتشمل كل حادثة أحوال مدنية من ولادة أو وفاة أو زواج أو طلاق وما يتفرّع عنها.

ويؤدي عدم تسجيل، أو عدم القدرة على تسجيل واقعات المواليد الجدد، إلى فقدان الشخصية القانونية، والحقوق السياسية والمدنية، كحق الانتخاب والترشح والتصويت على سبيل المثال، ويؤسس لحرمان متعدد الأثر، مثل الحرمان من التعليم والصحة، والملكية والعمل دون ضمانات قانونية، بالإضافة إلى عدم القدرة على التنقل والحصول على جواز سفر وتثبيت الزواج رسميًا، ومن ثم تثبيت نسب الأولاد، والطلاق إن حصل، وحتى تثبيت الوفاة، بالإضافة إلى تمييز مجتمعي نتيجة جهالة نسبهم، ووفق سلسلة الأضرار هذه، تخسر الزوجات حقوقهنّ الزوجية، والحماية التي يوفّرها القانون.

ويُعتبر أثر انعدام الوثائق بالغ التعقيد على الأسر التي تعولها النساء اللواتي تم اعتقال وإخفاء أزواجهنّ قسرًا، كما أن عدم تزويدهنّ بشهادة وفاة من مات منهم، يحرمهنّ من التحرك في الجوانب القانونية المترتّبة على الوفاة، والمتعلقة بتسجيل الأطفال وصعوبة التنقل والسفر معهم، وحقوق الميراث، ومن ضمنها الحق في السكن والأرض والملكية، وقد لجأت أو أُجبرت العديد من النساء على إعلان وفاة أزواجهنّ بعد مرور أربع سنوات أو الادعاء بهجرانهنّ بعد مرور عام، إذ تنص المادة “109– التفريق للغيبة” في قانون الأحوال الشخصية على أنه: “إذا غاب الزوج بلا عذر مقبول أو حكم بعقوبة السجن أكثر من ثلاث سنوات، جاز لزوجته بعد سنة من الغياب أو السجن أن تطلب إلى القاضي التفريق، ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه”.

ناهيك عن أن قانون الجنسية السوري يحرم الأم من إعطاء جنسيتها لأطفالها، إلا في حال عدم وجود صلة قانونية بالأب، كما نصت المادة “3 –ب” من المرسوم التشريعي رقم “276” لعام 1969 على ما يلي، “من وُلد في القطر من أم عربية سورية ولم تثبت نسبته إلى أبيه قانونًا”، ومن ضمنها منحها الجنسية للأطفال المولودين خارج إطار الزواج أو في جرائم الاغتصاب، لكن الاستناد إلى هذا النص نادر بسبب الوصمة والنبذ الاجتماعي.

كما أن وصاية الأم على أطفالها في قانون الأحوال الشخصية (المعدّل)، لا تكون إلا حين يختارها الزوج وصية عليهم، كما ورد في نص المادة “167- 2″، “إن الوصاية في أموال القاصرين بعد وفاة الأب هي للوصي الذي اختاره الأب وإن لم يكن قريبًا لهم”.

إن معاملات المفقودين في المحاكم بطيئة جدًا بسبب ازديادها، حتى للرجال الذين سُجلوا رسميًا بأنهم متوفون، إلى جانب ازدياد دعاوى تثبيت الزواج العُرفي واشتراط الموافقات، ومن ضمنها الموافقات الأمنية التي تطال كل شيء، من معاملات الزواج والطلاق والموت والدفن والبيع والشراء والاستئجار…، فقُدّر مثلًا ارتفاع طلبات تثبيت الزواج الإداري (كتب كتاب شيخ وكاتب المحكمة)، حسب تحقيق تم بالتعاون مع مكتب القاضي الشرعي الأول بدمشق، عشرة أضعاف في عام 2015 (10504 طلبات) عن عام 2009 (719 طلبًا)، كما يُشكل ارتفاع أجور رفع الدعاوى القضائية لتثبيت الزواج والنسب لمن تزوجن عرفيًا تحديًا آخر للفقيرات بعد وفاة الزوج أو اختفائه، ويسبب الابتزاز والفساد الواسع النطاق عدم قدرة الأسر بشكل عام والنساء بشكل خاص على تسجيل الواقعات في السجل المدني.

تواجه النساء اللواتي تزوجن أو أُجبرن على الزواج من مجهولي النسب، ومن ضمنهن القاصرات اللواتي زُوّجن قسرًا وأطفالهنّ، تحديات واسعة النطاق في تسجيل واقعتي الزواج ونسب الأطفال،

وأخضع تنظيم “الدولة الإسلامية“ بعض الفتيات للعبودية الجنسية وغيرها من أشكال العنف الجنسي، وأجبر أطفالًا على القيام بدور الجلاد، وفي ظل صعوبة إحصاء عدد الأطفال المجهولي النسب، وثقت حملة “مين زوجك” 1826 طفلًا مجهولي النسب في إدلب وريفها وريفي حماة الشمالي والغربي، ولدوا عن 1124 من أصل 1735 واقعة زواج، وتمتنع العديد من النساء الموجودات في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام عن رفع دعاوى خشية المساءلة.

البحث عن حلول

تبدأ معالجة تحدّيات تحديث واقعات السوريين والسوريات في السجل المدني بأهمية تسجيل الزواج رسميًا، وضمان توفير وحماية حق السوريين والسوريات بتوثيق الواقعات بشكل فعال ومرن ومستدام، وإعلاء تحقيق مصالح الأطفال الفضلى، وتجميع وحفظ وتوثيق سجلات السكن والأراضي والملكية، وإنهاء التمييز القانوني ضد المرأة السورية، والإقرار بحقها في إعطاء جنسيتها لأطفالها، وحثّ المحاكم على تعجيل الفصل في أحكام القضايا المرفوعة والمتعلقة بالقضايا الأسرية، وتشجيع المحامين والمحاميات على التطوع في رفع القضايا المتعلقة بالتوثيق بشكل مجاني، وخاصة للنازحات واللاجئات، والإفراج عن المعتقلين والمختفين قسرًا، نساء ورجالًا وأطفالًا، والكشف عن مصير المفقودين، وتعزيز المعايير الدولية المتعلقة بمنع حالات انعدام الجنسية، لأن فقدانها يؤسس لانعدام الحماية والأمن والكرامة.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

©Syrians for Truth and Jsutice-STJ

أترك تعليق

مقالات
مايا البوطي/aljumhuriya- في صفحات موجزة لكن إشكالية، تبحث جوديث بتلر في مفهوم اللاعنف كحل لتعقيدات عصرنا الراهنة، والتي ترتبط بالهوية ومفهوم الأمة والحدود والبحث عن آليات المقاومة اللاعنفية ضمنها. جوديث بتلر فيلسوفة أميركية، لها إسهامات رائدة في مجالات الفلسفة النسوية، ونظرية النوع ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015