حقاً، لماذا لا تترشّح النساء؟
لماذا لا تترشح النساء؟

سارة الشيخ علي/ khateera- منذ بضعة أشهر مرّت، وخلال إدارتي للقاء يشارك فيه ممثلون وممثلات عن منظمات المجتمع مدني، من بينها منظمات حقوقية، طُرح موضوع مشاركة النساء العربيات في الحياة السياسية.

وكما جرت العادة، أنه وخلال مناقشة هذا الموضوع، لا بد أن يواجهنا رجل بالسؤال النموذجي التقليدي التالي “مين مانعك، ليش ما بتترشحي؟”.

سؤال اعتدنا أن نسمعه كنساء في كل مرة نتحدّث عن ضعف التمثيل السياسي وتراجع مشاركة النساء في الحياة السياسية في العالم العربي. وغالباً ما يتبع هذا السؤال باستطراد يؤكّد أن “القوانين لا تمنع النساء من الترشّح”، أو باستحضار لاسم امرأة تتوّلى منصباً وزارياً أو تشغل مقعداً برلمانياً.

ورغم أن وجهة النظر هذه تحمل شيئاً من الصحة باعتبار أن معظم القوانين في الدول العربية لا تمنع النساء من المشاركة، غير أنها تختزل الواقع وتُلقي اللوم على النساء وتحمّلهن المسؤولية الكاملة عن عدم ترشحهن ومشاركتهن بالحياة السياسية، وتعزّز الصورة النمطية عن المرأة في العالم العربي، وتغض النظر عن عوامل عديدة تحول دون مشاركة سياسية نسائية فعّالة وحقيقية.

فجوة في التربية

بيّنت دراسة أجراها باحثان أميركيان أنه من بين الأسباب الرئيسية التي تجعل من مشاركة النساء في العمل السياسي محدودة، هي تنشئة الأطفال على معايير تمييزية تخلق ما يسمى بفجوة الثقة بالنفس بين الفتاة والصبي، ثم تتطوّر لتصبح فجوة بالطموح والرغبة في لعب دور سياسي وقيادي. 

ركّزت الدراسة على عدة عوامل مفتاحية، منها أن الفتيات لا يحظين بنفس التشجيع الذي يحظى به الصبيان للتفكير بالعمل السياسي كمهنة مستقبلية. كما ينخرط الفتية أكثر من الفتيات في الأنشطة الرياضية ممّا يعزز لديهم الرغبة بالفوز.

التربية نفسها تعزّز الشعور لدى الفتيات بأنهن أقل كفاءة من الفتية وتجعل مشاركتهن مقتصرة على أدوار نمطية. وهذا ما أكدّه استطلاع رأي نشره البارومتر العربي في فبراير الماضي، إذ أظهرت النتائج أن معظم النساء العربيات يفضلن وجود رجل في موقع القيادة.

امتيازات فطرية

تلعب الامتيازات الأبوية الممنوحة للرجال على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية دوراً رئيسياً، لا بل تشكّل العامل الأهم في تراجع التمثيل والمشاركة السياسية للنساء في العالم العربي. ترزح مجتمعاتنا تحت وطأة مفاهيم كثيرة متوارثة ترى المرأة كتابعة للرجل وليس ندّاً له. 

فهذه المنظومة التي لا تساوي بين المرأة والرجل بالحقوق، غير مستعدة لتقبّل فكرة المساواة في الأدوار بين الجنسين وما زالت تناقش بديهيات كحق المرأة بالسفر لوحدها، والمساواة في حقوق الطلاق، واستقلالية المرأة، والمساواة بالميراث.

تقول منى بن قارقة، مديرة الابتكار في منظمة “سيفيكوس” التي توّلت مهام التواصل المجتمعي في الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس، إن مشاركة المرأة التونسية في الحياة السياسية ضعيفة مقارنةً بأوضاعها ودورها الاجتماعي.

تتصدّر الإناث الهرم الديمغرافي التونسي، كذلك الأمر بالنسبة إلى عدد حملة الشهادات الجامعية، كما أنّ الحركة النسوية فعالة، قديمة، ومتجذرة في المجتمع التونسي. بالرغم من هذا، لا تزال التونسيات تتجهن نحو العمل الاجتماعي أكثر من السياسي.

تدفع النساء في تونس للأجندة السياسية عبر المجتمع المدني والحراك النسوي وليس عبر المشاركة المباشرة في الحياة السياسية. وتعتقد منى أن أحد أسباب هذه المشاركة المحدودة هي العادات والتقاليد والمنظور الاجتماعي للعمل السياسي، إذ درجت العادة أن تكون الحياة السياسية والعمل السياسي حكراً على الرجال فقط، مما أدّى الى تعميم ثقافة أن “السياسة ليست للنساء”.

حدثني عن تكافؤ الفرص 

تعدّ الإمكانيات الاقتصادية عاملاً أساسياً يمنع الكثير من النساء من الترشّح للانتخابات. وفي ظل الفجوة الاقتصادية، أصبحت النساء أقلّ قدرة من الرجال على تمويل حملاتهن الانتخابية. يضاف إلى ذلك غياب القوانين التي تضمن المساواة في سوق العمل كالمساواة في الأجور والسياسات التي تحمي النساء في أماكن العمل كسياسة مكافحة التحرّش ووجود آلية شفافة للشكاوى، إضافةً إلى بعض الموروثات الثقافية التي لا تشجّع النساء على العمل، وفي بعض الأحيان تمنعهن.

عن هذا تحدّثت أمل شريف، مرشّحة لائحة بيروت مدينتي لانتخابات مجلس بلدية المدينة عام 2016. تخبرنا أمل أنها ترشحت لعضوية المجلس بعد تشجيع من محيطها وأصدقائها، إذ قررت الترشّح على لائحة بيروت مدينتي التي خاضت المعركة الانتخابية في وجه لائحة أحزاب السلطة. تقول أمل: “من البداية كنت متحضّرة نفسياً ومدركة أن احتمالات الفوز ضئيلة، لكني رغم ذلك قررت خوض التجربة لتسليط الضوء على قضايا المعوقين ومنظور المجتمع لهم الذي يحصرهم بدور الضحايا والأبطال، ولا يعاملهم كأشخاص عاديين”.

تقول أمل إن العامل الاقتصادي كان أبرز عائق واجهها ومنعها من تكرار المحاولة والترشّح للانتخابات النيابية عام 2018. وتضيف “المرشحون المستقلون عامةً والنساء منهم خاصةً، وبإمكانياتهم المادية المحدودة، يجدون صعوبة مادية كبيرة في مواجهة مرشحي السلطة.” وهذا الأمر طبيعي في بلد لا تزال الفجوة الاقتصادية الجندرية فيه كبيرة، وإمكانيات النساء ومواردهن فيه، محدودة مقارنة بموارد الرجال.

نذكر على سبيل المثال أن قانون الانتخابات اللبناني لعام 2018 سمح بالإعلان الانتخابي ضمن ضوابط معيّنة، وأتاح للإعلام الخاص ممارسة الاعلان الانتخابي، شرط فرض تعرفة موحدة لجميع المرشحين من دون تمييز وإتاحة المجال الاعلامي أمام كل من هو قادر ومستعد لدفع هذه التعرفة. وبذلك، فتح الباب واسعاً أمام انتعاش قطاع الاعلانات في لبنان، وفي الآن نفسه أمام طغيان الأثرياء والمدعومين مالياً من أحزاب السلطة على الفضاء العام، مقابل تهميش المرشحين المستقلين، على رأسهم النساء.

خلف الرجل دوماً

استخدمت دول عدة حول العالم نظام الكوتا لضمان حد أدنى من التمثيل السياسي للنساء في السلطتين التشريعية والتنفيذية، واعتمدت عدداً من الدول العربية هذا النظام، ومنها تونس، باعتباره خطوة أولى نحو خلق تقبّل اجتماعي لفكرة وجود النساء في مراكز سياسية ولتشجيع النساء على الترشّح.

غير أن التمثيل الوزاري للنساء العربيات بقي ضعيفاً واقتصرت مشاركة النساء في تشكيل الحكومات على تولّي مناصب وزارية تقليدية يعتبرها المجتمع من اختصاص النساء، مثل الشؤون الاجتماعية والتربية واستُبعدت النساء عن الوزارات السيادية كوزارات الدفاع والعدل، مع استثناءات قليلة.

كما يرتبط ضعف المشاركة النسائية أيضاً بضعف العمل السياسي بشكل عام، ووجود أحزاب سياسية أبوية ببنيتها ولا تعمل بمبدأ المساواة، وهذه الأحزاب وإن ضمّت نساء في صفوفها الأمامية، فإن نسبة مشاركتهن تكون ضئيلة واختيارهن يكون على أسس عائلية ومناطقية وطائفية. وتعمل هؤلاء المشاركات تحت عباءة الرجل، ووفق أجندة حزبية ذكورية لا تمنح الأولوية لقضايا المرأة ولا تؤمن بالمساواة في الأدوار والفرص بين الجنسين.

وهذا ما تؤكده منى بن قارقة التي تعتبر أن معظم مبادرات إشراك النساء في العمل السياسي التي تطلقها الأحزاب السياسية في تونس ليست جديّة، بل هدفها حصول الحزب الذي يقوه الرجال على “ستيكر: نحن إنكلوسيف (دامجون) وعملنا حساس للجندر”.

تقول منى إن مشاركة التونسيات في الحياة السياسية كانت مرتبطة بالحزب الدستوري الديمقراطي أو بالمجتمع المدني مع مجموعات مثل “حركة النساء الديمقراطيات في تونس”، و”أمهات تونس”، و”جمعية بسمة”. كانت تلك الحراكات والجمعيات تابعة للحزب الحاكم أي أنها كتشكيلات، داعمة للديكتاتورية المهيمنة على الحياة السياسية في تونس. وبعد الثورة وعودة الديمقراطية توجهت بعض النساء للعمل السياسي بشكل أكبر، لكن رغم ذلك بقيت مشاركتهن ضعيفة. والسبب في هذا هو الهيكليات الحزبية التي يهيمن عليها الذكور والتي لا تشجع النساء على المشاركة.

العنف الممنهج ضد النساء

خلصت دراسة أجرتها شبكة البرلمانيات العربيات للمساواة “رائدات” تحت عنوان “العنف ضد النساء في السياسة: البرلمانيات العربيات نموذجاً”، إلى أن نسبة 80 بالمئة من البرلمانيات في الوطن العربي يتعرضن لعنف ممنهج، تختلف مصادره وأشكاله.

وبحسب الدراسة، تتعرّض البرلمانية العربية للعنف من قبل رئيس الحزب بنسبة 19.8 بالمئة، ومن قبل زميل أو زميلة في الحزب بنسبة 15 بالمئة. وكذلك أوضحت الدراسة أن العنف النفسي الذي تتعرّض له البرلمانيات يأتي في المقدمة ويشكل 76.2 بالمئة، ويليه العنف اللفظي المميّز جنسياً بنسبة 47 بالمئة.

وجاء في نتائج الدراسة أن التعرض للعنف يكون بدرجات متفاوتة مع اختلاف أشكاله وأساليب استخدامه وطرق ممارسته، ويتمركز العنف النفسي بنسبة 76.2 بالمئة في أعلى القائمة، يليه العنف اللفظي المميز جنسياً بنسبة 47.1 بالمئة، يليه الاقتصادي وغير ذلك من أشكال العنف.

تعتبر العضوة المؤسسة للحركة السياسية النسوية السورية جمانة سيف أن إغلاق مساحات التعبير ومنع العمل السياسي على مدى خمسين عاماً أثّر على المشاركة السياسية في سوريا بشكل عام، إلّا أن أثره على النساء كان مضاعفاً والسبب في ذلك يعود إلى العنف الذي تعرّضت له السوريات. وقد تمّت مواجهة كل من عارضت النظام أو حاولت الانخراط بالعمل السياسي بتشويه السمعة والوصم، إضافةً إلى الاعتقال والتعذيب، والتسبب لها بالنبذ والرفض في مجتمعها.

وبحسب جمانة، فإنه بدايةً من آذار 2011، شاركت السوريات في الثورة وكنّ قياديات ولعبن دور بارزاً على كافة المستويات، إلى أن اتجهت الأمور نحو العسكرة والعمل المسلح. وقد استخدم النظام العنف والاغتصاب كسلاح حرب ممنهج. تقول جمانة: “كنتيجة لهذا العنف، منعت الكثير من الأسر النساء من المشاركة في المظاهرات خوفاً عليهن. فالنظام استثمر بالعقلية الابوية والذكورية في المجتمع ونجح بتحييد النساء عن المشاركة إلى حد كبير”.

تخبرنا أنه ومع بداية تشكيل أجسام وهيئات سياسية جديدة، كانت السيطرة للعقلية الذكورية وللمحسوبيات والعائلية ووجود بعض الأشخاص غير المتقبلين لمشاركة النساء والذين يعتقدون أن دور النساء لا يتعدى كونه تقليدياًـ وانعكس ذلك في خطاباتهم التي اعتبرت “المرأة هي الأم والزوجة والابنة”. وتضيف “بنظرهم، المرأة متممة وليست كياناً منفصلاً، ودورها في الخطوط الخلفية لدعمهم، ولكنها ليست مؤهلة لقيادة. هذه أيضاً كانت بيئة طاردة. وقد تعرّضت النساء اللواتي شاركن ولعبن أدواراً فاعلة داخل هذه التشكيلات للعنف والتهديد وخاصةً عندما يتطرّقن لملفات إشكالية وحساسة. ومن أشكال هذا العنف هو استباحة المرأة وتناول حياتها الشخصية والأسرية بكل الطرق الممكنة”.

بالعودة إلى القصة التي أخبرتكم عنها في البداية، حول النقاش والسؤال الذي واجهني به أحد الرجال حينها “مين مانع المرا تترشح؟”، كتأكيد منه على انفتاحه وتشجيعه لنا ولكن على تقصيرنا كنساء وخمولنا واختيارنا الابتعاد عن الشأن العام، الإجابة بسيطة وواضحة رغم تعقيداتها. المنظومة الأبوية تمنعنا. من المنزل إلى المدرسة إلى سوق العمل ثم الأحزاب السياسية، لا زالت هذه المنظومة تشكك بقدراتنا وتختزلنا بأدوار تقليدية وتعتبر “السياسة للرجال”.

لكني يومها لم أقل له كل هذا، بل اخترت ألا أبذل جهداً في غير مكانه خاصةً بعدما انفعل وتغيّرت ملامح وجهه وارتفع بجسده قليلاً عن الأرض ملوحاً بإصبعه، ليقول “الكوتا إهانة للمرأة. أنا ما بقبل تنهان المرا. ليش بدكن كوتا؟”. يومها قررت الاحتفاظ بما تبقى لي من صوت لإدارة النقاش وإنهاء اليوم وأجبته “حسناً، نحن نريد الكوتا ونريد إهانة أنفسنا. ولكن هل من الممكن أن نترك نقاش متعلّق بالنساء للنساء أنفسهن، لا أن تقرر حضرتك عنهن؟”.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015