حمّام النساء… اغتسالٌ تحت وابلِ القصف
النساء في الحمّام

سناء إبراهيم/ جريدة (الأخبار)- «أجساد مرهقة، وأخرى لا تزال تحتفظ بالحياة» تقول سعاد، من دون أن تنسى: «وعليكِ أن لا تحدّقي كثيراً، فهذا المكان العاري، لا بد أنه يحتفظ بالكثير من الحياء». سعاد (اسم مستعار) العراقية اللاجئة في سوريا منذ عشر سنوات، تقول ذلك بنوع من التحفّظ، لكن شقيقتها عبير ستتداعى لتكمل قائلة: «نحن لا ننظر إلى أحد هنا، نأتي لنغتسل ونمضي يوماً جميلاً فقط». وما هو اليوم الجميل؟

ــ استحمام، ونارجيلة، وبعض النساء يجلبن معهن طبخات، أنواع مختلفة من الطعام.

«عبير» (1983)، لم تُشفَ بعد من حروق أصابت جسدها في التفجير الذي وقع في حيّ التربة في جرمانا في عام 2013، وفقدت بسببه القدرة على السمع في أذنها اليمنى، كما فقدت القدرة على النطق بجملة واحدة متواصلة من دون أن تشوبها التأتأة. تتابع حديثها بكلام ليس بالمقدور التقاط تفاصيله، لكن ضحكتها تكشف عن خبايا أخرى، ستتابعها سعاد وكأنها توضح ما كانت الأخت راغبة في قوله: هنا مثل كل الحياة، مثل الحياة في الخارج، كل ما في الأمر أن النساء هنا عاريات، وفي الخارج مثقلات بالملابس، هذا هو الفارق.

بعد ذلك، تطلق سعاد ضحكة طويلة، مع التذكير بأنها كما معظم النساء العراقيات، معتادة على النطق بالصوت المرتفع، وحين نطلب منها أن تخفض صوتها تجيبنا: «نحن في العراق كلنا نتميز بأصوات مرتفعة». لماذا؟

«بيوت العراق ليست بيوت طابقية كما حالكم هنا في سوريا، بيوتنا أفقية وواسعة ولها حدائق، يعني هي مساحات واسعة، إذا أخفضت صوتك لن يسمعك من في الغرفة الثانية أو من في الحديقة». فقط؟ «لا… كمان العراقي مشهور بالغناء، ما من عراقي لا يغني، حتى من صوته مضروب (يقشمرك) ويغني». يقشمرك؟، «نعم، يعني يخدعك» تقول.

في الحمّام، هنا، كما البيت العراقي، كل النساء يتكلمن بأصوات مرتفعة، لا بسبب اتساع الحمّام، ولا بفعل البخار الذي يحجب الرؤية حتى تخال القريب بعيداً. ربما لسبب آخر على صلة بالحرية التي يمنحها المكان وكأنه مولود للحرية ومن أجلها، ولهذا الكل يحكي كما يحلو له أن يحكي، لا رقابة للبوليس السري، ولا رقابة للميراث المتراكم وتعبيراته كما الحجاب أو النقاب. هنا الكل متساو، لا طبقات، ولا فوارق اجتماعية، ليس من امرأة ترتدي «بيار كاردان» وثانية ترتدي «البالة». هنا كلهن يرتدين أزياء الخالق والخلق الأول، وهنا: روسيات، إيرانيات، عراقيات وسوريات من أماكن مختلفة بهويات ثقافية مختلفة، حتى تخال بأن كلاً منهن من قارّة، كل ما يصل بينهن هو يوميات الحرب وشقاء الموت، وحديث الدفن والمدفونين.

العنوان الذي يهربن منه هو الموت، مع ذلك، لا بد من أن يزحف مع انهيار الماء واندلاق الصابون.

من الصعب مع البنت العراقية أن تسأل سؤالاً مركزاً، فهي وحدها تقودك الى السؤال وتدلّك على الموضوع، وحين تلتفت البنت الروسية، وقد أدركت أن حوارنا يطاولها، تبتسم وتتابع تدليك شعرها، وما إن أتجه إليها حتى تبتسم ثانية وتقول:
ــ نعم اسمي آااالا… وليس الله، أنا غير كل الروس، كل الروسيات اسمهن ناديجدا، ناتاشا، نينا، أنا آاااالا.

ــ ما الذي أبقاك في دمشق والحرب تدك أبوابنا؟

أحبّ هذه المدينة تقول آااااالا، وحين نستفسر أكثر، تتابع: «جدتي تحكي لي عما أصاب روسيا في الحرب العالمية الثانية، أنتم لم تروا شيئاً من مآسي الحرب، لا تعرفون ما الذي أوقعته الحرب من مآسٍ في بلادنا، كما في معظم المدن الأوروبية، لا تعرفون ما الذي شهدته بطرسبورغ في روسيا، ولا دريسدن في ألمانيا، كما لا تعرفون حجم الدمار الذي واجهته بولونيا، لو هاجر شعوبها لانقرضوا، أنتم شعوبٌ مدلّلة.

ــ ماذا تشتغلين هنا يا آلا؟
ــ مدربة رياضة، وقبلها كنت مصممة أزياء، وخياطة.

ــ تعيشين بمفردك هنا؟
ــ لا، أنا أعيش مع ابني رومي.

ــ اسمه رومي؟
-لا. اسمه رامي، لكنني أدلعه وأسمّيه رومي.

ــ هل خفتِ من الحرب؟
ــ لا… أبداً، على العكس تماماً، الحرب منحتني طاقة أكبر على الشجاعة، كل الأسئلة الجديدة التي في رأسي متعلقة بالحرب.

ــ مثل ماذا؟
ــ مثل مجمل قيم الحياة كلها، الموت والحياة، القدر، الآخرة، الحب، الشغل، كذلك الأسئلة في السياسة.

ــ ما دمنا نحكي في السياسة، الى أين ستصل الأمور في بلادنا؟
ــ ستشهد بلادكم كل ما شهدته البلدان التي تعيش تحولات عميقة في تاريخها. قد تتعرضون للكثير من المآسي، ولكن لا بد من هذه المآسي، الحروب تغيّر كثيراً في بنية الناس ومعتقداتهم، فإما تميتهم وإما تحييهم.

ــ أنت من أنصار هيغل؟ الحرب ولاّدة التاريخ.
ــ نعم.

آلا تفهم في الفلسفة والتاريخ والعلوم الطبيعية، وهي دارسة علوم الجيولوجيا، ومن ثم اتجهت إلى تصميم الأزياء وبعدها تعمل الآن في نادٍ رياضي في منطقة المزرعة، مع أنها تسكن في جرمانا. هي لا تتأخر عن مواعيدها مع طالباتها، لا تتذرع بالقصف ولا بالحواجز، ولأنها كذلك أنهت استحمامها على عجل وتقول: تدرّبي على الرياضة، الرياضة والاستحمام يحرران الجسد.

قبل أن تتّسع أرضية حمام النساء في جرمانا لكل النساء، عربيات كنّ أو أجنبيات، كان السرير السوري قبلها قد اتسع لكل الإخوة اللبنانيين والعراقيين والفلسطينيين، وكما اقتسم السوري الرغيف والرصيف مع هؤلاء جميعاً، لا يزال يقتسمه تماماً كما يقتسم الهواء والماء والكهرباء وحتى «برنس» الحمام.

ومع ذلك «إنها الحرب»، لا نعرف ماذا أخذت وعلى ماذا ستبقي. الحرب ونيرانها… الماء وطهرانيته.

النساء في الحمّام

النساء في الحمّام

أترك تعليق

مقالات
دمشق/ جريدة (الثورة) الرسمية- زواج الصغيرات ليست قضية عابرة، ولا هي بمنأى عن الاختراق، بترغيبٍ هنا، أو ترهيبٍ هناك، حالاتٌ قد حكمتها وتحكمها ظروفٌ قسرية وأخرى كانت بمفعول العادات والتقاليد وقصور بعض القوانين، والنتيجة وجعٌ اجتماعي واقتصادي ونفسي. في السنوات السبع الماضية ثمّة تجاوزات ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015