حول جندرية الدستور السوري
الدليل إلى دستور متوافق مع منظور النوع الاجتماعي (الجندر)

صفوان داؤد/ ahewar- خلال أكثر من نصف قرن، أكثر من عشر اتفاقيات دولية منها “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، “اتفاقية الحقوق السياسية للمرأة”، “العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”، “إعلان القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة”، “إعلان حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة”، واتفاقية “سيداو”، جميعها كرّست (نظرياً) حقوق المرأة.

وظهر مفهوم “الجندرية” لأول مرة في “مؤتمر السكان والتنمية” الذي عُقد في القاهرة عام 1994, واخذ لاحقاً ابعاداً اجتماعية وقانونية واسعة, واعتُمِد في العام التالي لـ”مؤتمر المرأة العالمي الرابع” المنعقد في بكين, مبدأ “الكوتا النسائية” التي تعني تخصيص حد أدنى من المقاعد في المجالس الوطنية المُنتخبة وهي 30%, لرفع نسب إشراك المرأة في عملية صنع القرار.

منذ نهاية السبعينات عندما تأثرت الدراسات النسوية بالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1)، ارتبط مفهوم الجندرة كذلك بشكل عميق مع دراسات متنوعة في ميادين معرفية أخرى، مثل العلاقة مع الدولة، السياسة والمواطنة، القانون والعمل، وذهبت بعض الدراسات الى اعتبار العلاقة بين الرجل والمرأة هي علاقة صراع طبقي (2).

تُعرف الجندرية بأنها مجموعةُ المظاهر الشخصية الخارجية الفيزيائية والنفسية للفرد المنعكسة عن مفهومه لنفسه سواء كذكر أو أنثى، وتُتحدَّد الجندرية نتيجةً لمجموعة من العوامل المُتأصِّلة (تشريحية وجينية) والعوامل البيئية الاجتماعية، وتنعكس خارجياً عبر السلوك والمظهر، بحيث أن تقسيم الافراد جنسياً وفق المفهوم الجندري ليس له دلالة في البحث الاجتماعي، اذ ليس هناك علاقة أوتوماتيكية بين الجسد من جهة، وعمليات محددة في البنى الاجتماعية من جهة ثانية (3).

ويختلف مفهوم الجندرة بذلك عن مفهوم الجنس حيث هذا الأخير هو ثابت مرتبط بالصبغيات التي تحدد نوع الجنس البيولوجيّ والمظهر الخارجي للأعضاء الجنسية.

إن عدم تآلف مفهوم الجندرية مع الرأي العام يعود الى وجهة النظر التي تقول أن كل من النساء والرجال ينتميان للثقافة نفسها، ثقافة المجتمع اللذان ولدا فيه، لكن هذه الثقافة هي التي تخلق التمايز. هنا يكون الدور الجندري الذي يرسمه المجتمع حول الفرد محدد وفقاً للشروط الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية السائدة.

وتشير الأبحاث السريرية أنّ الطفل يولد مع شعورٍ كامنٍ بالهوية الجندرية، ومع مرور حياة الطفولة تتكرس هذه الهوية في الدماغ، بشكل متلائم مع جنسه البيولوجيّ. لكن مع دخول معترك الحياة يحدد المجتمع بشكل كبير القيم السلوكية والدور الجندري لكلا الجنسين، التي تتغير وفقاً لتغير المكان والزمان، أي وفقاً لعناصر البناء الفوقي السائد للمجتمع وهي الطبقة الاجتماعية، النظام الطبقي، التقاليد، العرق، المؤسسة الدينية، طبيعة النظام السياسي الحاكم.

ومن البديهي القول انه في المجتمع السوري جميع العناصر السابقة هي مقاومة للجندرة وتحمل مظلومية تاريخية لجنس الأنثى.

لكن ماهو موقف الدستور السوري الذي يُفترض انه سيأخذ موقف متساوٍ وعادل لكل المواطنين؟ ماهي الخيارات التي قدّمها المشرّع السوري لجندره لغة الدستور؟ وكيف تعامل الدستور 2012 الساري حالياً مع الحقوق الأساسية المتوافقة مع منظور الجندرة؟ وكيف يُمكن صياغتها بنصوص دستورية؟

المرأة والجندر في الدستور السوري

حتى إقرار دستور 2012 لم يكن مفهوم المساواة الجندرية قد وجِد في أي من الدساتير السورية السابقة، وكان على مشرّعي دستور عام 2012 أن يلحظوا هذا الغياب. لقد تجاهل هذا الدستور الكثير من الحقوق الضامنة للمرأة، دون آليات واضحة لتنفيذها.

مثلاً في نص المادة 23 منه نجد “توفّر الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعّالة والكاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطوّرها ومشاركتها في بناء المجتمع”. في هذه المادة حلّت كلمة تعمل محل كلمة “تضمّن” أو “تلتزم”.

وبحسب تقرير صادر في تشرين الثاني نوفمبر 2014 عن «تجمع سوريات من أجل الديمقراطية السورية» بدعم من «المبادرة النسائية الأوربية IFE-EFI»؛ فقد خلا دستور 2012 من مادة صريحة تحدّد مفهوم التمييز ضدّ المرأة وتحظره، وتجاهل ايراد أي مادة تنص على حماية المرأة من العنف القائم على النوع الاجتماعي أُسوةً بدساتير العديد من دول العالم، بما في ذلك دساتير بعض دول المنطقة.

ومن المعروف أن العنف القائم على النوع الاجتماعي هو ظاهرة راسخة في المجتمعات الشرقية، ومنها المجتمع السوري الذي يتحدّد بمجموعة من القوانين التمييزية ضدّ المرأة نجدها في بعض قوانين الأحوال الشخصية للطوائف، وقوننة العنف ضدّها من خلال جرائم الشرف وجرائم الاغتصاب ومبدأ الولاية للرجل على جميع نساء العائلة، وزواج القُصُّر؛ حيث يُبيح قانون الأحوال الشخصية السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 59 لعام 1953 على أن العمر المناسب للزواج هو (17سنة) للفتاة، لكنه يسمح بزواجها في سن 13 عام، إذا احتمل جسدها الزواج وكانت لديها نيّة حقيقية لبناء أُسرة، وفق تقدير القاضي؟!.

ويعكس مؤشر المساواة بين الجنسين؛ وهو مقياس مركّب أوجده برنامج الامم المتحدة الانمائي، التفاوت بين الرجل والمرأة من حيث الصحة الإنجابية والتمكين وسوق العمل، وصُنّفت سوريا فيه العام 2010 -أي قبل اندلاع الازمة السورية- في المرتبة 118 من أصل 148 دولة تم تقييمها دون أي تقدّم منذ عام 2000 (4).

أكثر من ذلك؛ زادت الحرب السورية من الاوضاع سوءاً، إذ بيّن “تقرير التصدّع الاجتماعي في سوريا 2017” أن “دليل رأس المال الاجتماعي المُركّب في سوريا تراجع حوالى 30% أثناء الأزمة مقارنةً بما قبلها، حيث ساهم الاستبداد السياسي والتطرّف، وانتشار مظاهر العنف والاستغلال، في تهميش مشاركة المرأة الاجتماعية”(5).

منذ الاستقلال، وكما هو وضعها في الواقع الاجتماعي، وقعت المرأة السورية في التشريع وفي الدستور فريسة التهميش. ولم تتغيّر بنود الدساتير المتعاقبة المتعلّقة بحقوقها إلا في الشكل. لقد أُفرِغت الحقوق الدستورية المُعطاة للمرأة من مضامينها عبر تقييدها بتشريعات أخرى تتعارض معها وتحدّ منها، حيث نجد في قانون الأحوال الشخصية السوري العديد من هذه التشريعات؛ منها مثلاً قانون الجنسية السوري رقم 276 لعام 1969 الذي بموجبه لاتستطيع المرأة السورية إعطاء الجنسية لأبناءها، وينصّ البند 3/أ: “يعتبر عربياً سورياً حكماً من ولِد في القِطر أو خارجه من والد عربي سوري”.

هذا القانون هو دليل صارخ على التمييز ضدّ المرأة السورية ومتناقض اخلاقياً ولايمكن إدراجه إلا ضمن القوانين العنصرية.

وتقول لمى قنوت من «اللوبي النسوي السوري» أن “هناك ثمانِية قوانين أحوال شخصية تكرّس التمييز ضد النساء وتحرمهنّ من حقوقهنّ المدنية وتُسلِّط المرجعيات الدينية على حياتهنّ”.

رغم أن دستور 2012 يشير إلى الحقوق المدنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحماية الأمومة ومسؤولية الدولة في رعاية القاصرين وكبار السن والمعاقين، إلا أنه يفتقد إلى بنود واضحة تُلغي الفوارق الجندرية الكبيرة على حساب المرأة، خاصةً في العمل “ما يجعل العلاقات غير المتكافئة ضمن هيكلية الأسرة عاملاً رئيسياً في حرمان النساء من “حقوقهن” النظرية” (6).

مثلاً؛ لايُورد أي بند دستوري صريح مساواتها مع الرجل في الحصول على نفس الأجر عن نفس العمل، أو حقوق متساوية للرجل والمرأة في الملكية وإدارة الملكيات المشتركة بين الزوجين، أو التجريم الصريح (وليس العام) للعنف القائم على النوع الاجتماعي.

وحول هذه الحيثية؛ لايكفي ابداً دمج هذا التجريم في حقوق أخرى في دستور بلادٍ حيث التقاليد الاجتماعية الشرقية هي السائدة فيه، والمنصوص عليها تشريعياً كتلك المتعلّقة مثلاً بمفهوم “بيت الطاعة”.

إنّ انتهاك حقوق النساء تحت ذريعة الدين أو العُرف خطر ملموس ويومي يواجه المرأة السورية، ويظهر في الأوساط المتديّنة كما لو أنه مبَرر ومشرّع لخضوعه لقانون ديني أو عُرفي، وهو أخطر بكثير من خطر العنف القائم على النوع الاجتماعي المرفوض (نظرياً) ومحظور بالنصوص التشريعية.

ويغيب عن دستور 2012 تمييز صريح لمعيارين مترابطين مرتبطتين بحقّ المرأة؛ الأول: عدم التعرّض لهذا العنف، والثاني واجب الدولة في اتخاذ كافة التدابير اللازمة لضمان عدم التعرّض لهذا العنف وحماية ضحاياه (7).

إن هذا التمييز قد عزّز بشكل أو بآخر منظومة القيم الثقافية العُنفية التمييزية المفروضة على المرأة لدرجة تصبح هي جزءاً من تكريس التمييز أو مايُطلق عليه “العنف الرمزي” بحسب تعبير الفيلسوف الفرنسي بيير باردو، وهو عنف يُمارَس عبر الطرائق والوسائل الرمزية الخالصة، عبر التواصل وتلقين المعرفة وعليه؛ يرتبط العنف الرمزي بالسلطة والحقل المجتمعي.

إنّ العنف الرمزي أكثر خطورة من باقي أنواع العنف المادي والسلطوي؛ لأنه عنف عادي وبسيط ولاشعوري، ولايُعترَف به -مجتمعياً- على أنه عنف.

إنّ وجود نص صريح في الدستور يحمي المرأة من العنف لا يقتصر فقط على حمايتها من مبرر العُرف الاجتماعي، بل أيضاً لتقييد ومنع إصدار تشريعات لاحقة، ويعيد هضم حقوقها. وهو ما يحدث عادةً في قوانين الأحوال الشخصية.

هناك علاقة جدلية بين الدستور الذي يحدّد شكل نظام الحكم وبين مفاهيم المواطنة والمساواة والتعدّدية وتداول للسلطة، يحكمها تطور العملية السياسية وقدرة هذه العملية على تطويع النص الدستوري. وعادةً ما يكون الدستور الجديد هو عقد اجتماعي يؤسّس لحقبة اجتماعية وسياسية جديدة.

من قراءة دستور 2012 يتبيّن بوضوح أنّ اللغة الدستورية الجندرية غائبة أو مبهمة أسوةً ببقية الدساتير السورية السابقة، وأنّ واضعي الدستور القائم حالياً لم يراعوا اهمية المساواة الجندرية. كان يجب أن تكون هذه المساواة خطاب متكامل، وأن لا تقتصر على اللغة دون المضمون أو العكس. كما افتقد الدستور الى حقوقٍ أساسية وتعبيرات حقيقية ملائمة للعصر، وهو إضافةً إلى فقدان قيمته الجندرية، فقد الكثير من القضايا الجوهرية المتعلّقة بحقوق الانسان والعدالة الاجتماعية، كما لم يُرفق أي تدابير للعمل الايجابي مع مفهوم المساواة.

بمعنى أنّ النص الدستوري (النظري) لايكفي دون إقرار ايجابي للدولة تُفعِّل فيه هذه المساواة وتضمنها. ولولا بعض النقاط الجيدة فيه لما ترددنا بالقول ان دستور عام 2012 ليس أكثر من تسويق سياسي مخادع لمرحلة متأزمة من تاريخ سوريا، كان المجتمع السوري فيها منقسماً انقساماً عمودياً.

نأمل أن يلحظ الدستور القادم تدهور الأوضاع الاجتماعية وحقوق المرأة كمخرجات سلبية من الحرب السورية، يجب حلّها. فقد فاقم النزاع بحسب دراسات متعدّدة تعزيز النظام الأبوي، وزادت نسب العمل القسري والمسؤوليات الاقتصادية على المرأة. كما زادت نسبة التسرّب المدرسي وضعف التعليم، وتراجع الرعاية الصحية، وزواج القُصَّر والاتجار بالبشر.

وتُعاني الشابّاتُ في حالات النزاع معدَّلاتٍ من العنف القائم على النوع الاجتماعي أعلى بكثير منه في الظروف المستقرة؛ وتزداد هذه المعدَّلات ارتفاعاً إذا كانت النساءُ أيضاً منتمياتٍ إلى أقليةٍ أو مجموعةٍ مهمَّشة. كما يُلحق النزاع أيضاً أضراراً غيرَ متناسبة باستقلاليّة وتنميةِ النساء، خصوصاً الشابّات مِنْهُن. ففي حالات النزاع أو الفقر، تنخفض الفرصُ التعليميةُ للشابّات إلى حدٍّ كبير؛ كما يُمكن لانعدام الأمن البدَنيّ والاقتصادي أن يكون محدِّداً بارزاً في الزواج المبكّر أو الأقلِّ مواتاةً للشابّات (8).

نعتقد أنّ أحد الحلول الجريئة والعادلة إنشاء هيئة دستورية معنية بحقوق النساء حصراً، وليس كامل حقوق الإنسان، مهمتها إلغاء كلّ مظاهر التمييز ضدّ المرأة، وتمتّعها بالصلاحيات التي تؤمّن لها القدرة على إنجاز هذه المهمة. وتعدّ هذه الهيئة قاعدة أساسية لصبغ الدستور بطابع المساواة الجندرية، وأحد الركائز لتحقيق العدالة في المجتمع السوري.

لكن قبل ذلك؛ يجب أن نعترف أن الدستور المُقتَرَح كما الدستور الحالي لا يساوي قيمة الحبر الذي كُتب فيه، إذا بقي النظام السوري بشكله الحالي قائماُ على رأس السلطة.

الهوامش
(1): أعادت بعض الدراسات االنسوية الكلاسيكية متاثرةً بكتابات الفيلسوف ميشيل فوكو صياغة بعض المفاهيم من رؤية تفكيكية لها. مُعتبرة أن التعامل معها كمُسلمات هي التي سببت سيطرة السلطة او النظام الذكوري.
(2)French, Marilyn. Power–Gender Social Relations In Theory And Practice, edited by Dad Tke, M. Lorraine and Henderikuse J. Stam , thousand Oaks, New Delhi, 1994
(3): Alvesson, Mats and Due Billing, Yvonne. 1997. Understanding Gender and Organizations, Sage Publications Newburry Park, London, 1997
(4): “تقرير الانتهاكات الواقعة على النساء في سوريا والاثر المجحف للنزاع عليهن”, «رابطة النساء الدولية للسلام والحرية», نوفمبر تشرين الثاني 2016
(5): “تقرير التصدع الاجتماعي في سوريا, أثر النزاع في رأس المال الاجتماعي”, «المركز السوري لبحوث السياسات», بيروت, البيان الصحفي, 2017
(6): تقرير “المدخل إلى دستور حساس للنوع الاجتماعي والدروس المستفادة من عمليات بناء الدستور في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”, إعداد «تجمع سوريات من أجل الديمقراطية السورية بدعم من المبادرة النسائية الأوربية IFE-EFI» نوفمبر تشرين الثاني 2014
(7): ابراهيم دراجي, بدائل دستورية لسوريا, برنامج “الاجندة الوطنية لمستقبل سوريا”, 2016
(8): “تقرير التنمية البشرية”, برنامج الأمم المتحدة الانمائي, 2016

الدستور المتوافق مع منظور النوع الاجتماعي
الدستور المتوافق مع منظور النوع الاجتماعي

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
ديما الكاتب/raseef22- يحرص مؤرخو الفنون، على الفصل بين الفن الإيروتيكي، والفنون الإباحية، مستندين إلى القول: “إن الفن متعدد الطبقات بالضرورة، في حين أن المواد الإباحية أحادية البعد؛ لديها وظيفة واحدة فقط للقيام بها، وهي الإثارة الجنسية، وبالتالي فهي تفتقر إلى التعقيد الرسمي ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015