حينما يحتفي الشرف بالجريمة
الطفلة “ديانا عماد أبو حسون”

جبر الشوفي/ القدس العربي- لا أعرف الشابة (ديانا أبو حسون) ولكني رأيت صورة فتاة، قتلت حديثاً بيد أبيها، وهل من عجب أن تصل ديانا إلى ذروة إعجابها بأبيها وهي تتلقى رصاصته (الشجاعة) في الرأس، لتغدو حكايتها إضافة نوعية على السرديات السورية السوداء عامة، ومأساة المخطوفات والشهيدات بيد تنظيم الدولة في المحافظة منذ أقلّ من شهرين بشكل خاص.

لقد خضّت الحادثة محافظة السويداء طولاً وعرضاً، ولاقت من الاستنكار والشجب والإدانة ما يكفي ليموت الجاني ندامة وقهراً لو كان اللوم يقتل، ولكنّ القاتل وبالعكس من ذلك، سينفش ريش العزة كأي ديك أصيل، تغذّى بمخلفات العقل الذكوري المهزوم مادياً ومعنوياً وتخلّق بأخلاقه، ثم وجد من يغذي وهم الكبرياء المطعون بشرفه : (الله يسلم إيديه ..فطست مثل الكلبة ) ولكن المكافأة الكبرى، ستأتيه من القانون السوري في ما يسمى (جريمة الشرف).

العقل الاجتماعي القاتل

أيّ شرفٍ هذا الذي يصبغه القانون السوري على المجرم، فيخفف عنه جرمه إلى حدود الحقّ العام، وفي جريمته اعتداء صريح على المجتمع بإعادة تصدير الجريمة إليه وتبريرها أمامه والتشجيع على ارتكابها ؟!

وإذا كنت لست ذاهباً إلى تبرئة الفتاة لأثقّل على المجرم جرمه، بل إلى مناقشة العقل الاجتماعي القاتل، والقانون الذي يبيح القتل بذريعة ساقطة أخلاقياً وقانونياً، ولا في نيتي تحرير رقبة المرأة أيّ امرأة أو رجل من المسؤولية، التي هي شرط الحرية الأهم، ولكني في صدد التوزيع الجائر للمسؤولية عن (الشرف) المدّعى وإيكالها للرجل فرداً وللعقل الاجتماعي الذكوري العميق والمتجذّر في وعي الجماعة، وهو وعي مأزوم تساهم المرأة في تكريسه وترسيخه، بما يساوي دور الرجل أو ربما يتفوق عليه، إذ ليست قليلة هي الحالات التي حاسبت المرأة امرأة أخرى ( بنتا أو أختاً أو غير ذلك) وذبحتها بفعل الدافع نفسه.

وهنا يجب أن ينظر القانون إلى جريمة القتل بوصفها جريمة فردية، تنال العقاب الذي تستحقه، وإخراجها من توصيفها الجرمي المخفف باعتبارها إحدى تجليات العقل الاجتماعي والعرف العام، وإلا فستظل وفقاً لهذه الحالة الاستثنائية خارج قوانين وأنظمة الدولة الحديثة ومستغرقة في العرف القبلي والتقاليد البدوية المتحجرة، والتي لا تكرّس الذكر الفرد معتدياً جنسياً وقضائياً فقط، بل تكرّس هيمنة الذكورة بصفتها الاجتماعية السالبة لحقّ الحياة من المرأة أيضاً، في الوقت الذي قد يفلت فيه المعتدي على المرأة جنسياً أو شريكها من العقاب، ويظلّ جنس الرجال في الخلفية المسؤولة عن محاكمة الحالة وإصدار فتواه حولها، بما فيها تحليل قتل الضحية.

وفي هذا المنحى، يأتي هياج الشرف الذئبي للأب، ليقتل ابنة تعتبر طفلة (ستة عشر ربيعاً) رغم أنّ الكثيرين قد أكدوا أنّ ديانا، قد ذهبت إلى السويداء مسافة عشرة كيلو متراً عن بلدة المزرعة، التي تتلقّى تعليمها فيها برفقة زميلة لها، أما الأب المنكود القاتل، فيبدو أنه قد رجح أنها ذهبت مع زميل لها، مما أسقط الحصن الحصين عنّ حقّها بالحياة، واستوجبت الموت بطلقة في الرأس، ليعود الوالد شامخاً إلى سجنه وقد غسل عاره بيده، وتلحق الشابة الغضة الإهاب بمثيلاتها ولكن بلا عرس ودبكة وهياص وخوض بالدم، كما جرى لفتاة سبقتها بسنوات إلى المقبرة.

الإرهاب ليس حكراً على تنظيم «الدولة»

الحادثة عصفت بالرؤوس ولاكتها الألسن، وارتجفت لها رُكَبُ جيل من الفتيات رأينّ بأم أعينهنّ، أنّ الخطر عليهنّ لم يكن يوماً ولن يكون محصوراً في تنظيم «الدولة»، بل في داعشية اجتماعية، لم تزل مهيمنة في عصر، تتهيأ فيه المرأة السورية للقيام بالمسؤوليات الجسام سواء في إدارة البلاد أو في مشاريع التنمية وإعادة البناء، بعد أن فقدت بلادنا طاقتها الشبابية من الذكور قتلاً وتعذيباً وتهجيراً وعطلاً دائماً، وهنا يسرني أنّ أزف هذا لمن لا يزال يترصد الفتاة، فما أن يتكوّر نهدها وتبدأ بتلمّس أنوثتها، حتى تستيقظ غريزة الوحش المختبئ بداخله، فإن مالت مع النسمة سارع إلى حبسها أو قتلها من دون إذن حتى من ربّه وربّ الفتاة الذي لم يوكّله بمحاسبتها إن أخطأت، إذ «كلّ نفس بما كسبت رهينة» وأولادكم ليسوا لكم أولادكم أبناء الحياة، ثمّ أو ليس السيد المسيح الذي قال قبل أكثر من ألفي عام: «من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر!» من هنا حقّ لنا أن نسأل القاتل بصفته الذئبية: أنسيت كم احتفيت بذكورتك وغلمتك وحُمتَ حول نساء الآخرين وبناتهم قبل ولادة ديانا وبعدها ؟! وماذا لو أنك قتلت..!

وإذا كانت جريمة قتل النفس البشرية أكبر وأخطر حالة خروج على الشرف الفعلي، «من قتل نفساً بغير حقّ فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكانما أحيا الناس جميعاً» فالمستهجن والمستنكر أن توصف جريمة قتل النفس التي حرّم الله (بالشرف) إذ كيف يقرّ هذا المصطلح الهجين رغم مخالفته لمعايير الشرف الحقيقية وأعراف الدين والدنيا، ومتى يهيأ للمواطن ذكراً كان أو أنثى أن يكون مسؤولاً عن جسده مسؤولية أخلاقية وجمالية ؟.

تحرير العقل الذكوري

لا شكّ أنّ تكريس هذه الحقوق المدنية، يرتبط ارتباطاً عضوياً بمسألة تكريس حقّ الحياة المقدسة والحرية الفردية، ونظام الحريات العامة، لذا كانت الجريمة العامة والمخففة منها مرتبطة ارتباطاً عضوياً وبنيوياً بنظام الاستبداد والقمع السياسي وحاضنه الاجتماعي، وستكون مهمة التصدّي للجريمة ومنها (جريمة اغتيال الشرف) مرتبطة بالتغيير السياسي الاجتماعي وما يحتاجه من تجديد القوانين وتحديث المتكلس منها.

إنّ التصدّي للجريمة وهذه الجرائم بشكل خاص، يعني تحرير العقل الذكوري من مرجعيته البدوية، التي حرّمت على المرأة حقها بالحياة الحرة الكريمة، وهو مهمة التشريعات القانونية أولاً والنخب الثقافية والمجتمع المدني والمنظمات النسائية والجندرية، إذ من المستغرب أن يسبقنا مجلس النواب الأردني بعملية التعديل، رغم التركيبة العشائرية المعروفة كما ليس من المعقول أن يتوافق إيقاع التغيير السوري مع الصومال أو موريتانيا وهي آخر دولة ألغت الرقّ قانوناً ( 1981) وما زالت آثاره في الأعراف والتقاليد، وفي الدوائر القضائية والمحاكم أيضاً.

إنّ بقاء هذا العرف عندنا وإيجاد المبررات ومناصرته، هو بحدّ ذاته فعل لا أخلاقي، لأنه يجدد ارتباطنا بمفاهيم عفنة ويهيئ المناخ الاجتماعي والنفوس لارتكاب مزيد من الجرائم بل ربما التنافس في ارتكابها، بينما يشكل إلغاء العذر المخفف موقفاً أخلاقياً يعزّز قيم الحرية الفردية والكرامة الشخصية وإن الاعتراف بهذا يعني اعترافاً بأهلية الفرد، ليوفق بشكل إيجابي وخلّاق بين الحرية والمسؤولية.

الطفلة “ديانا عماد أبو حسون”

مقتل الطفلة “ديانا عماد أبو حسون” العمر: 16 سنة من قرية “جرين” في الريف الغربي لمحافظة السويداء

أترك تعليق

مقالات
سناء عبد العزيز/ ضفة ثالثة- ظلّت قضية التحرّش الجنسي القضية الأكثر جدلاً في ما يتعلّق بردود الفعل تجاهها. فما بين معارضة وتأييد واستهجان وتجاهل تام، تضيع بين الأرجل، فتبهت معالمها، وتخفت جذوتها تدريجياً، إلى أن يطويها النسيان بالنسبة للجميع، عدا ضحيتها التي تختزنها في صندوق أسود، لا ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015