دورة (العار) الشّهريّة… حكايا من صراع الفتيات مع المجتمع الأبوي
قصّتها مع الدورة الشّهريّة!

روجدا علي/suwar-magazine- “كنت داخل قاعة الصفّ عندما شعرت أنّ الدماء بدأت تبلّل جسدي وثيابي؛ وقتئذ، علمت أنّني دخلت أوّل أيام الحيض. حاولت أن استئذن للذّهاب إلى الحمام، لكن المُدرّس رفض ذلك!”. تقول ريم، وهو اسم مستعار لفتاة شاركت بقصّتها مع الدورة الشّهريّة في صغرها.

حاولت ريم أن تغادر القاعة دون جدوى، فالمدرّسون غالباً ما يجدون استئذان الذهاب إلى المرحاض نوعاً من التهرّب من الدرس، فيبدأ المدرّس بتوبيخ الطالب/ة على الطلب.

ريم، وغيرها الكثير من الفتيات اللاتي يعشن داخل سوريا حتّى الآن، يتذكّرن قصصهن وبداياتهن مع الدورة الشّهريّة، وتعامل عائلاتهنّ معهن منذ أن بدأن بالدّورة، والضغوط النفسيّة والخوف الّذي رافقهنّ، ولا يزال يرافقهن كل شهر.

وجَدَ خبراء الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أنّ “وصمة العار والخجل التي تُولّدها الصور النمطيّة حول الحيض لها تأثيرات شديدة على جميع جوانب حقوق الإنسان الخاصة بالنساء والفتيات، بما في ذلك حقوقهن الإنسانيّة في المساواة والصحة والمسكن والماء والصرف الصحي والتعليم والعمل، وحرية الدين أو المعتقد والشعور بالأمان وظروف العمل الصحية والمشاركة في الحياة الثقافيّة، والحياة العامّة دون تمييز”.

تقول روجين شاويش، وهي معالجة نفسيّة من مدينة قامشلو/ القامشلي، أنّ الفتاة: “عندما تتعرض للتنمّر منذ ذلك الحين ونتيجة اختبارها للكثير من المواقف السلبيّة المنعوتة بصفات وخصائص الضعف، ومع التكرار تصبح هذه عادة مرسّخة، وصفات مجسّدة تحملها معها حتى تصبح راشدة، وتصبح أم لتنقلها إلى أولادها”.

الإصرار على حدوث العار!

رفض المدرّس خروج ريم من القاعة، وبدأ بتوبيخها. تقول: “طلب مني الخروج إلى السَبورة لحلّ المسألة، لكنّني رفضت، وتهرّبت بحجّة أنني لا أعرف الإجابة، لكن تحت ضغطته وتوبيخه، أجبرني على الخروج، وفي النهاية فعلت ذلك”.

تستمرّ ريم بحديثها: “خرجت والطبشور بيدي الذي صار يرجف خوفاً من أن يلاحظ الأستاذ أو زميلاتي بقع الدم على ثيابي، وهو ما حدث بالفعل، لأنّ الجميع لاحظ بقع الدم، ومن بينهم الأستاذ، الذي سمح لي بالخروج من القاعة، والذهاب إلى الحمام، لكن بعد أن رأى الجميع ما أمر به”.

ولأنّ المدراس في سوريا تغيب فيها الثقافة الجنسيّة، ولا يتمّ مراعاة ظروف الطالبات الصّحيّة، وما تحتاجهنّ في فترة الدورة الشّهريّة. لذا، غالباً ما تكون فترة الدورة الشّهريّة بالنسبة للطالبة كابوساً لا تتمنّى قدومه، وتتوجّس منه، خصوصاً اللاتي لا يعرفن متى تبدأ دورتهن، ومتى تنتهي.

كانت ريم تشعر بأصوات زميلاتها، وأستاذها تلاحقها أثناء ذهابها إلى الحمام، وبدأت تشعر أنّ الجميع صار يتحدّث عنها، ويسخر منها، ومما جرى معها.

تَسبّب غياب الثقافة الجنسيّة في المدارس التعليميّة بأوضاع نفسيّة بالغة السّوء للطالبات، ولم يخلُ الأمر من التنمُّر، سواء من المدرسين أو الطاقم الإداريّ، وفي بعض الأحيان من زميلاتهنّ في المدرسة.

بعد ذلك، لم تتمكّن ريم من حضور حصص الأستاذ مجدداً، وصارت تتهرّب من زميلاتها، وتأثّرت دراستها، حتّى أنّها غيّرت مدرستها لتتخلّص من التّعب النفسي الذي لم يعد يغادرها. تختم حديثها بصوت مرتجف: “لا تزال ذاكرتي تحتفظ بهذه القصّة، ولا أعتقد أنّها ستُنسى يوماً ما”.

وتشير شاويش إلى أنّ: “التنمر على الدورة الشهرية عند الفتاة ظاهرة قديمة جداً، يمكن أن تكون قد اختلفت تسمياتها، ولكنّها أصبحت عبر الأزمنة ثقافة تتقيّد بها المجتمعات، لذا نجد الكثير من المجتمعات تنبذ المرأة عندما تكون حائضاً، وبأنّها نجسة، وتكون غير قادرة على اتخاذ القرارات الصائبة، ولا يمكن الوثوق بذاكرتها، حتى أصبحت المرأة تصف نفسها بذلك، وتستجيب لكلّ تلك المثيرات”.

العائلة ليست مكاناً آمناً للفتيات

كانت جين، وهي فتاة كرديّة من مدينة ديرك، تتابع وسائل التواصل الاجتماعيّ عندما تابعت فيديوهات لمواقع وصفحات نسويّة تتحدّث عن قصص الدورة الشّهريّة، والمعاناة الّتي تمرّ فيها الفتاة للحصول على الفوط الصحيّة.

تقول جين: “تذكّرت نفسي، وشعرت أنّ الفتيات اللاتي يتحدّث الفيديو عنهن أنا واحدة منهن، بدأت بالكباء، ولم استطع التحرّك من مكاني”.

تضيف جين: “كان قدوم الدورة الشهريّة من أكثر الأمور الّتي تثير مخاوفي. كنت أعاني في كلّ مرّة أحاول فيها الحصول على الفوط الصّحيّة، فالعائلة ترفض أن نذكر ذلك، ونحن لا يجوز علينا أن نطلب ذلك أن آبائنا وإخوتنا، وأحياناً من أمي نفسها”.

الحصول على الفوط الصّحيّة جزء من المعاناة الّتي تمرّ فيها الفتاة في المجتمع؛ فطريقة الحصول عليها تمرّ بعدّة مراحل، خشية نظرة المجتمع، والثقافة الّتي تعتبر الحديث، أو الإجهار بالدورة الشّهريّة عاراً يتلبّس العائلة.

كانت جين تطلب من أختها الصغيرة، وتتّفق معها في كلّ مرة لكي تحصل على الفوط الصحيّة. تسرد قصّتها: “كانت أختي تضع الفوط بكيس أسود، خوفاً من أن يلمحها المارّة أو الجيران”.

والخوف في العائلة سببه، بحسب شاويش، هو أنّ: “الدورة الشهريّة متعلّقة بالأعضاء التناسليّة للمرأة والتي تدلّ على عورة المرأة، لذا ربطوها بالوصمة الاجتماعيّة إذا كانت هناك دلالة على أنّ المرأة حائض”.

الدّورة الشّهريّة بوصفها عاراً في المجتمع

وضع المجتمع مجموعة من المعايير الاجتماعيّة الثّقافية الّتي تضرّ بالمرأة، واعتبر أنّ الدورة الشّهريّة وصمة عار للعائلة كلّها، ومن المحظورات عن التداول، وهي من أشكال التمييز ضدّ النساء والفتيات في المجتمع المحليّ.

يعتبر المجتمع الفتيات الحائضات ملوّثات، ويحاول الجميع إظهار أنّهم شعروا بالنفور والقرف والنجاسة عند الحديث عن الدورة الشّهريّة، بسبب الثقافة الدينيّة لدى المجتمع والّتي تحوّلت إلى مجموعة عادات وتقاليد تحاول أن تقيّد النساء أكثر ضمن نظام أبويّ يعنّف النساء ويقمعهن.

وتشير الناشطة النسويّة الكرديّة، مهوش شيخي، إلى ذلك؛ إذ تقول: “المجتمع الكرديّ مجتمع محافظ وتقليدي رغم ادعاء الانفتاح والتحرّر، لذا يوجد الكثير من التابوهات والاقتراب من هذه التّابوهات من المغامرة، ومنها موضوع الدورة الشهريّة”.

وتضيف: “ما زالت الفتيات نفسهن يشعرن بالقلق والارتباك، لأنّ العقل الباطن لديهنّ يجد أنّ الدورة الشهريّة هو رجس ونجاسة، وعيب ووصمة عار”.

وغالباً ما تضع النساء تسميات مختلفة للدورة الشهيرة لعدم الإجهار بها؛ فبعضهن يطلقن عليه اسم “معيدة أو معذورة أو أنّها في إجازة أو لديّ ظروف خاصّة”. 

وترى شيخي أنّه: “من المهم أن يقمن النسويات بكشف الغطاء عن كلّ شي، أمام الإحباطات الكبيرة التي نعيشها سياسيّاً واجتماعيّاً، ولا بد من تفكيك البنى القائمة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، والوقوف على كلّ التفاصيل، وعلى النسويات الدعوة لإقرار العقوبات المناسبة للتنمّر ضدّ النساء وخاصّة فيما يتعلّق بالدورة الشهريّة وفي قضايا أخرى”.

مجتمع مدني/نسوي غائب

كان الحديث عن القضايا النسويّة في المجتمع الكردي عاراً، ولم تكن النساء النسويّات فاعلات في المجتمع؛ لكن، بعد عام 2011، بدأت المنظمات المدنيّة تتأسس تباعاً في المنطقة الكرديّة السّوريّة، ومن بينها المنظمات المدنيّة النسويّة، أو الّتي تُعنى بشؤون المرأة، وبدأ النشاط المدنيّ يأخذ فاعليّته أكثر في المجتمع المحليّ، وبات من الأجهزة التي تصنع القرار أو تؤثّر عليه على أقل تقدير.

وساهمت الحرب في سوريا بكسر قيود اجتماعيّة وتابوهات كانت مفروضة على عمل النساء في المجتمع، بسبب الهجرات الكبيرة الّتي حدثت، بالإضافة إلى تفتّت العائلة بين أكثر من بلد، الأمر الذي أفسح المجال للكثير من النساء بالتحدّث والعمل والنشاط في القضايا النسويّة.

وتعزو مهوش شيخي، وهي ناشطة نسويّة كرديّة، ضعف المنظمات المدنيّة النسويّة إلى أنّ المنظمات نفسها لم تنضج بالشكل الكافي ولا تزال في مرحلة التشكّل والبحث عن هويتها.

لكن، رغم ذلك، حافظ المجتمع على تركيبته الذكوريّة ونظامه الأبويّ، ولم تتمكن المنظمات النسويّة من العمل والتأثير بشكل كبير على المجتمع، وحافظت هي بدورها على بعض التابوهات ولم تكسرها، ومن ضمنها الدورة الشّهريّة؛ فلم يحدث حتّى الآن أن قامت منظّمة نسويّة بحشد التأييد والمناصرة لقضايا النساء المتعلقة بالدورة الشّهريّة، ولم تدعم نفسيّاً النساء اللاتي تعرّضن لمشاكل نفسيّة بسبب نظرة المجتمع الخاطئة للدورة الشّهريّة، واعتباره عاراً على العائلة والفتاة.

وتبيّن أنّ: “المنظمات النسويّة الكرديّة ليست بالقوّة لتخرق الخطوط الحمراء المجتمعيّة، ونتيجة المعضلات الأكبر الّتي تعانيها النساء تضع النسويّات جلّ إمكانيّاتها في تلك المعضلات كالاضطهادات المختلفة وجرائم الشرف والعنف الممارس عليها”.

وتعتقد أنّ: “النسويّات في المجتمعات المتقدّمة أيضاً بعد الاستقرار وتحقيق دولة المواطنة وإقرار الدساتير العلمانيّة الّتي تضمن حقوق الإنسان وتأمين بعض من الرفاه الاقتصادي، عندئذ، تلتفت النسويّات لتفاصيل مثل الدورة الشهريّة والتنمّر”.

التأثير النفسي على الفتيات

وتقول المعالجة النفسيّة أنّ النساء اللاتي يتعرّضن للتنمر بسبب الدورة الشّهريّة يمكن أن يصلن إلى مرحلة: “لوم الذات وعدم الثقة بالآخرين والبكاء غير المعتاد وفقدان الاهتمام بالأنشطة، وصعوبة في التركيز والاسترخاء واضطراب في النوم وضعف في الايمان والمسائل الروحيّة”. 

وحتّى الآن تغيب ثقافة زيارة الأطباء والطبيبات النفسيّين في المجتمع، بسبب ربط المجتمع الطبيب النفسي بالجنون وفقدان العقل والسيطرة على التصرّفات، وبالتالي، غالباً ما يتعرض الأشخاص الذين يزورون الأطباء النفسيين للتنمّر والسّخريّة من المجتمع.

وفي حالة الدورة الشّهريّة، ترفض النساء الإجهار بمشاكلهنّ النفسيّة جراء ذلك، ويرفضن زيارة الأطباء النفسيين، بسبب الخوف من العادات والتقاليد الاجتماعيّة.

تعتقد شاويش أنّ “المرأة نفسها تتقمص تلك الثقافة لتصبح ضعيفة غير قادرة على فعل أيّ شي وكما أنّها ترى نفسها نجسة وغير طاهرة “. وتشير إلى أنّ عدم الكشف عن هذه الحالات هو أنّها: “أصبحت جزء من ثقافة المجتمع و شيء مرتبط بالجانب الروحي وحتّى المرأة أصبحت مؤمنة بذلك”.

ويمكن أن تسبّب الدورة الشهريّة خوفاً لدى الفتيات من الرجال والشباب، وإنعدام الثّقة بالذات، والشعور بالدونيّة، وفقاً لـ شاويش.

وتدعو شاويش إلى: “فهم أعراض الدورة الشهريّة والتعامل معها، وتنظيم المشاعر، والتثقيف النفسي عن الدورة الشهرية، تطبيع الأعراض الفيزيولوجيّة والنفسيّة التي ترافق الدورة الشهريّة، وتخفيف الشعور بالوصمة والعار والخجل والتشويش، والعمل على تدريبهنّ للتعاطف مع أنفسهنّ والتقبّل، وتفعيل المصادر والموارد المتعلّقة بهذه المسألة”.

يتحكّم النظام الأبويّ ببنية المجتمع، ويحدّد هذا النظام مجموعة قضايا ومسائل متعلقة بالمرأة ضمن التابوهات التي لا يمكن للأفراد كسرها، ويربطها بشكل مباشر بشرف العائلة وبالعار، ومن ضمنها الدورة الشّهريّة، الّتي يعتبر المجتمع الحديث عنها، حديث عن الشرف العائلي وتجاوزها يعني تجاوز الأخلاق الّتي وضعها المجتمع، ويخلّف هذا الحصار المفروض على الفتيات والنساء، أزمات نفسيّة، ومشاكل اجتماعيّة، وعنف وقمع إضافي ضدّهن، وهنّ لا يملكن حتّى الآن، القدرة على الإجهار، وسط غياب قانون يحميهن، ومجتمع مدني يُناصرهن، وإعلام يسلّط الضوء على معاناتهن.

قصّتها مع الدورة الشّهريّة!

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
ديما الكاتب/raseef22- يحرص مؤرخو الفنون، على الفصل بين الفن الإيروتيكي، والفنون الإباحية، مستندين إلى القول: “إن الفن متعدد الطبقات بالضرورة، في حين أن المواد الإباحية أحادية البعد؛ لديها وظيفة واحدة فقط للقيام بها، وهي الإثارة الجنسية، وبالتالي فهي تفتقر إلى التعقيد الرسمي ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015