“زمن العار” للمخرجة رشا الشربتجي: وأد الأنوثة على مذبح العادات والتقاليد
“زمن العار” للمخرجة رشا الشربتجي

خديجة بن صالح/ مجلة (ميم)- ثمة مسلسلات نجحت في أن تصبح من العلامات البارزة في تاريخ الدراما العربية نظرا لجرأتها في طرح مواضيع من قبيل المسكوت عنه أو بالنظر إلى تميّزها فنياً وجمالياً.

وقد باتت الدراما باتت في العقود الأخيرة من أهم الفنون وأقربها إلى المتلقّي، بعد أن زحفت على مكانة السينما وتجاوزتها في أحيان كثيرة على مستوى التقبل الجماهيري بالتحديد. ومن الأعمال الدرامية البارزة التي يمكن التوقّف عندها واستقرائها مسلسل زمن العار.

منذ أول وهلة يضعنا المسلسل ومن خلال عنوانه في سياق إجتماعي تحاول من خلاله المخرجة رشا الشربتجي أن تعرّي بعض الوضعيات الإجتماعية وتحديدا واقع النساء العربيات. من البدء نوضع أمام مفارقة عجيبة هي مفارقة الأسماء والسياقات فالبطلة بثينة و البطل جميل ولا شبه يجمعهما ببطلي قصة الحب العذري الخالدة في التاريخ العربي.

ولعل المخرجة أرادت من خلال إختيارها لهذين الإسمين أن تسلط الضوء على التحولات التي طرأت على المجتمعات العربية المعاصرة التي جعلت تمثّلها للحب يتغير جذريا وكذلك طرائق تصورها للعلاقة بين المرأة والرجل واقعاً وممارسة.

في هذه الدراما الإجتماعية ترصد كاميرا المخرجة رشا الشربتجي قصة بثينة الفتاة الثلاثينية المنحدرة من أسرة محافظة من الطبقة المتوسطة التي تآكلت وتدهورت أوضاعها بفعل التحولات الكبرى التي عصفت بالمجتمع. وتعيش هذه الفتاة وطأة الكثير من الظروف القاسية داخل أسرتها، فهي التي كرّست حياتها للإهتمام بوالدتها التي تعاني من مرض مزمن ألزمها الفراش منذ ما يزيد عن عقد من الزمن.

ورغم تضحيتها الكبيرة، لا أحد من أفراد عائلتها سواء والدها أو اشقائها الذكور أو حتى شقيقتها الصغرى يكترثون لوضعيتها، وهي التي وأدت أنوثتها من أجلهم. لا أحد يكترث لهذه الزهرة التي تذبل تدريجيا داخل أسوار بيت الأسرة التي أفنت شبابها في خدمتها دون كلل ولا ملل ودونما كلمة شكر أو ثناء، وهذه الشخصية تتماهى في الحقيقة مع شخصيات نسائية واقعية، فلا يكاد يخلو بيت عربي من نموذج المرأة التي تضحي دون مقابل بالنفس والنفيس.

لكن الأنوثة الموءودة تستيقظ في نفس بثينة على يد جميل، هذا الذي يتسلل إلى قلبها وحياتها في غفلة منها. ففي إيقاع حياتها الرتيب والمضني تجد متنفسا وحيدا هو صديقتها الوحيدة وجارتها التي تزورها في بعض الأحيان على عجل لتحتسي قهوة سريعة معها وتتبادل أطراف الحديث. وهنا كان لقاؤها بجميل زوج هذه الصديقة الذي أحدث منعرجا خطيرا في حياتها وجعلها توسم بالعار.

إذن تجد الأنثى، المتعطشة للحب وللإستقرار العائلي التي تخشى أن تمضي حياتها دون أن تحقق أبسط أحلامها، في هذا الرجل الوسيم المفعم بالرجولة والعنفوان ضالتها، فتنشأ بينهما علاقة سرية ترفضها الأعراف والعادات الإجتماعية، وهي وصمة عيب وعار. وتجد هذه الفتاة نفسها ضحية زواج عرفي تعيش وطأة إخفاءه عن عائلتها وتصارع إحساسها بتأنيب الضمير، إلى جانب سيطرة هذا الزوج الذي ما فتىء يطالبها بحقه الشرعي في جسدها.

هنا يقع ما لم يكن في الحسبان، إذ تجد بثينة نفسها حاملاً من جميل وتجد تبعاً لذلك نفسها في مواجهة ترسانة التقاليد والأعراف التي تدينها وتصمها بالعار.

وقد نجحت رشا الشربتجي في أن تسلّط الضوء على تناقضات المجتمع وأن تعري مواطن القبح فيه من خلال رحلة معاناة بثينة وكيفية مواجهتها للمأزق الذي وجدت نفسها فيه. كما طرحت سؤالاً مركزياً عن مفاهيم الشرف والعفاف في مجتماعتنا العربية التي ترتبط فقط بعذرية المرأة ولا معنى لها خارج هذه الدائرة، في سياق يبيح الرشوة والإستغلال بكل تمظهراته ويعتبرها من قبيل الذكاء وحسن التصرّف.

ولازال المسلسل الذي عرض منذ حوالي عشر سنوات يحصد نجاحاً كاسحاً عندما يُعاد عرضه على بعض الشاشات، إذ جمع بين النجاح الجماهيري المنقطع النظير والنجاح الفني او النقدي، وهذا قلما يحدث في المشهد الثقافي وفي عالم الدراما بالتحديد.

وليس هذا فحسب فالمخرجة أحسنت إدارة الفنانين الذين نزعت عنهم الصورة النمطية وقدمتهم في أدوار مختلفة عن تلك التي ألفناهم فيها، ومن بينهم سلافة معمار البطلة التي جسدت دور بثينة، وكذلك تيم حسن الذي أدى دور جميل وسمر سامي التي قامت بدور المرأة اللعوب التي تلهث خلف المال مهما كان مأتاه، حتى لو كان مصدره زيجة عابرة.

وإذا كانت تفاصيل الحكاية تجعل قطب العار في هذا العمل بثينة، فإن هذا ليس سوى تعتيم على العار الذي تمارسه كل الشخصيات في العلن ولا أحد يكترث له، فشقيق بثنية مثلا الذي قام بدوره مكسيم خليل موظف مرتش يرتب صفقات الرشوة مع زميلته في العمل التي تقوم بدورها الفنانة نادين تحسين بك.

كما أن رنا أبيض التي تقوم بدور السيدة التي تتخلى عن أبنائها وزوجها لترتبط بشخص مقيم في الخليج بحثا عن المال كانت تمارس نمطا من أنماط العار وهي تجعل زوجها بائع الكتب الذي أبدع في أداء دوره بسام كوسا يغرق في اليأس.

أما الوالد فيتخلى عن زوجته المريضة ليدعها تموت بمفردها ولا يقدم لها مساعدة رغبة منه في أن يتزوج من سمر سامي التي تروم سلبه ماله إثر بيعه بيت الأسرة.

من خلال هذه الدراما الرائعة تقول المخرجة التي قادت بإقتدار نخبة من الممثلين إن الجميع مغرق في العار ويدعي الطّهر، كلهم يحاولون اختزال العار في  إنقياد بثينة إلى غواية جميل وحملها منه وإفتضاح أمرها، ويرون  فعلتها خدشا لعفاف الأسرة وشرفها الرفيع، وهم مغرقون في العار الحقيقي، في زمن لا يمكن إلا أن نسمه بـ “زمن العار”.

“زمن العار” للمخرجة رشا الشربتجي
“زمن العار” للمخرجة رشا الشربتجي

أترك تعليق

مقالات
محمد يسري/ رصيف22- تتفق معظم القوانين المنبثقة عن الدساتير المعاصرة، على تحديد سن أدنى للزواج، وذلك فيما يخصّ المرأة أو الرجل. تلك القوانين، راعت مصلحة الطرفين المشاركين في العلاقة الزوجيّة، بحيث لا يعاني أحدهما، من جراء تغوّل بعض العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعيّة، والتي قد تضرّ ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015