سوريّاتٌ أَسَرَهُنّ داعش؛ فكَسَرنه بالنجاحات
”أحسست أني تحرّرت. أجبرونا عليه رغمًا عنّا؛ لهذا خلعته نكاية فيهم.“

لامار إركندي/ شباك سوري- بين شغفها بتعلّم اللغة الإنكليزية، وممارسة هوايتها في صناعة الزهور، تواظب “ريم” على تنظيم وقتها وترتيب حياتها من جديد، بعد مرور عامين على تحرُّرها من تنظيم”داعش” الذي احتل مدينتها “منبج” شمال شرق محافظة حلب، وساقها (سبيّة) لأحد أمرائه في مدينة “الرقة” قبل خمس سنوات.

تعمل ريم (22 عاماً) بائعة ورود طبيعية وصناعية، تتفنَّن هي في صنعها وترتّبها في مزهريات مزخرفة جميلة، وتنسّقها بألوانها الزاهية، والتي امتهنتها قبل عام، محقّقةً حلمها الوردي الذي راودها منذ عشر سنوات.

تصف الشابة العشرينية الورود بأنها: “لغة التواصل الأجمل في العالم، فهي تعكس ما بداخلنا من طاقات إيجابية، تبعث رسائل حب وسلام ومحبّة بين الناس، وتمدّنا بالقوة لتجاوز مِحَن الحياة القاسية”.

تميّزت ريم بتنوّع إبداعاتها، إلى جانب صناعة الزهور؛ تُبدِعُ في ابتكار تصاميم جديدة في صناعة الإكسسوار والدمى والمطرّزات الفنيّة، التي تعرِضُها في محل “الأمل” الخاص بعائلتها في مدينة “منبج“، وتحرِصُ الشابّة العشرينيّة على متابعة كل ما هو جديد في المهرجانات الفنيّة ومعارض الأعمال اليدويّة التي تشارك بها، لتضيف إليها لمساتها الناعمة.

عاشت ريم أَسيرةً تحت حكم داعش الذي قتل خطيبها “أحمد”، وجَلَدوا والدها، وسَجَنوها في واحدة من مدارس المدينة التي حوّلها مسلحو التنظيم إلى معتقلات نسائية؛ فاقت حجم الجحيم على حدّ وصفها: “كانت سجوناً مكتظّة بمئات الفتيات والنساء المُعتَقَلات بتهم واهية، لم يتوانوا عن  شحذ سكاكينهم لحزّ رؤوس من طاب لهم من الأبرياء بحجج تافهة”.

الجلد، والضرب، والصعق بالكهرباء، والاغتصاب بالقُرعة، هو مصير القابعات في أقبية سجون داعش المظلمة الذي حوّل أحلام ضحاياه لكوابيس مرعبة.

نفضت ابنة “منبج” الغبار من جديد بين تعلّم اللغة التي تحبّها منذ طفولتها، واحتراف ما تنتجه أناملها من إبداعات فنية، كمهنة وفّرت مورداً اقتصادياً لها ولعائلتها، موضحةً أنّها انطلقت بدايةً بمنتجات بسيطة لاقت استحساناً وقبولاً من الزبائن، مضيفةً: “تغلّبتُ على محنتي بإرادتي، واليوم أُديرُ محلي، وأحبُّ مهنتي التي منحتني مستقبلاً واعداً وإرادة قوية في تحقيق المزيد من النجاحات”.

كما استمرت التحوّلات في يوميات سوسن (اسم مستعار)، شابّة آشورية تنحدر من قرى الخابور في ريف مدينة “الحسكة“، عانت كغيرها من المُختَطَفات السوريّات، التعنيف الجسدي والنفسي من قبل تنظيم “داعش” بعد احتلاله لقريتها قبل أربع سنوات، وكغنيمة حرب، سِيقَت لأسواق الرقّ بين مدينتي فلوجة والموصل العراقية، الرقّة ومنبج، ديرالزور والميادين، جرابلس و الباغوز السورية.

تعمل سوسن ذات العشرين ربيعاً في اليوم ثماني ساعات، تصنع الحلويات في محل صديق والدها بمدينة الحسكة، ترتسم على قسمات وجهها علامات السعادة، وتعلو شفتيها الرقيقتين ابتسامةٌ تُخفي وراءها أملاً كبيراً، وإرادة فولاذية بدت جليّةً على ملامحها، وهي تبدع في تزيين قوالب الكيك بالكريمة الملونة والشكولاتة.

قَهَرت سوسن ندوبها النفسية التي حفرت عميقاً في قلبها، لتتجاوز مآسي أيام عاشتها (سبيّة) في ظلّ سواد داعش، وبَنَت مستقبلاً تُواظب على السير في طريقه بخطى ثابتة، وبدعم عائلتها عادت إلى كتب الدراسة، وبمعنويات عالية تتحضّر لخوض امتحانات البكلوريا، لتحصل على علامات تؤهّلها لدخول كلية التاريخ، إلى جانب عملها في صناعة وبيع الحلويات.

تُلبّي الشابّة النَشِطَة سوسن طلبيات الأعراس ومناسبات الميلاد والأعياد، وتُعِدُّ مختلف صنوف الحلوى، وتطمحُ إلى تحقيق مشروعها الخاص بها في صناعة الحلويات الشرقية، وبعلامة تجاريّة تمكّنها كما تشير من تصدير منتجاتها إلى الخارج. لكنّ ذلك لن يثنيها عن العمل بشهادتها الجامعية بعد تخرّجها.

فسحة الأمل التي أنارت حياة الشابة الشقراء لن تُنسيَها قسوة تعّرضها للاسترقاق الجنسي، تقول سوسن: “ما أصعب أن يُنتَهَك جسدُكِ بدعوى تطبيق شرع الله، الربّ بريءٌ من زيف إدّعائهم, فأنيابهم نهشتنا بالقُرعة، وتقاسمونا وتلذّذوا بتعنيفنا وانتهاك كرامتنا، واليوم استردّيتُ ذاتي وتغلّبتُ بقوّة على تلك الأيام السوداوية”.

شرّع تنظيم داعش لنفسه إبّان سيطرته على مدن سوريّة، (سَبْيَ) السوريّات وبيعهنّ عبر فتاوى أطلقتها دائرة الأبحاث والفتاوي التابعة له. وفي تموز 2015 كشفت وزارة حقوق الإنسان العراقية عن “بيع” التنظيم 100 مُختَطَفة سوريّة في مدينتي الفلوجة والموصل العراقيتين، بأسعارٍ تراوحت بين 500 إلى 2000 دولار، بعضهن تمّ تحريرهن، وأخرياتٌ لازال مصيرهنّ مجهولاً. 

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”. 

”أحسست أني تحرّرت. أجبرونا عليه رغمًا عنّا؛ لهذا خلعته نكاية فيهم.“

”أحسست أني تحرّرت. أجبرونا عليه رغمًا عنّا؛ لهذا خلعته نكاية فيهم.“

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015