فيلم «روما» قصيدة ملحمية عن قوة النساء في وحدتهن
فيلم «روما» للمخرج المكسيكي ألفونسو كوارون

أمل الجمل/ فينيسيا/ جريدة الحياة- في نهاية الأمر لا بد من القول إن الدورة الخامسة والسبعين من مهرجان فينيسيا السينمائي كانت دورة تاريخية، واستثنائية ليس فقط في تاريخ المهرجان ولكن أيضاً مقارنة مع المهرجانات الكبري العريقة مثل كان وبرلين – إذ جمعت عروضاً سينمائية لافتة بتوقيع مخرجين كبار مثل جاك أوديار، والأخوين جويل وإيثان كوين، ويورغوس لانثيموس، مايك لي، آموس جيتاي، أمير كوستاريتشا، أوليفييه ألسايس، تيرانس ماليك، بول جرينجراس، لازلو نيميس، وآخرين. كذلك شهدت الدورة عرض فيلم لم يكمله أورسون ويلز خلال حياته لأسباب مالية وفنية بعنوان «الجانب الآخر للريح». وما استتبع ذلك من أحاديث عن شبكة نتفليكس وتكريمها في مهرجان البندقية ورد الاعتبار لها – خصوصاً بعد مأزقها مع مهرجان كان- وعرض 6 ستة أفلام من إنتاجها وتوزيعها، ونيل اثنين من هذه الأعمال جائزتين من أهم جوائز البندقية وهما جائزة الأسد الذهبي لفيلم «روما»، وجائزة السيناريو لشريط الأخوين كوين «أنشودة باستر سكروجز».

نساء حاضرات

مرة أخرى لم تغب قضايا النساء عن العديد من أفلام هذه الدورة خصوصا منها المتعلقة بالثأر والانتقام والمقاومة، لكنها شهدت غياب النساء المخرجات في المسابقة الرسمية ربما باستثناء شريط واحد هو «العندليب» nightingale الذي تُوّج بجائزتين؛ الأولى نالتها مخرجته وهي جائزة لجنة التحكيم الخاصة، والثانية جائزة مارشيللو ماستريوني لبايكالى جانامبار كأفضل ممثل شاب. في المقابل اقتصر حضور المرأة المخرجة بكثافة على مسابقة «الواقع الافتراضي» الذي يُعتبر هو المستقبل للسينما والمعتمد على التصوير بزاوية ٣٦٠ درجة بأسلوب لا يتحقق في الواقع الحقيقي، حتى أن البعض كتب يقول: «فينيسيا تقول للنساء.. إما أن تسبحوا أو تغرقوا».

أما على صعيد السينما العربية التي شاركت بسبعة أفلام كانت جميعها في البرامج والمسابقات الموازية، وعلى رغم أي تحفظات على المستوى الفني لها، فقد نالت ثلاث جوائز؛ الأولى جائزة العمل الأول للسورية سؤدد كعدان عن «يوم فقدت ظلي»، والثانية نالها الفلسطيني قيس ناشف (جائزة أفضل ممثل) عن دوره بفيلم «تل أبيب على نار» والاثنان شاركا في مسابقة «آفاق»، كما نال الوثائقي السوري «لسه عم تسجل» جائزة آخرى من أسبوع النقاد.

سبعينات روما المكسيكية

ونتوقّف هنا عند الفيلم الفائز بالأسد الذهبي وهو بالطبع «روما» للمخرج المكسيكي ألفونسو كوارون – صاحب «غرافيتي» -. فالفيلم ينطلق من لقطة طويلة يتم فيها تنظيف بلاط الممر في أحد المنازل من بقايا مخلفات الكلب. في نهاية اللقطة نرى صورة طائرة محلقة في السماء منعكسة على المياه المتبقية على البلاط في إشارة واضحة لإنعكاس العام على الشخصي، وبعدها نتعرف على الخادمة «كليو» التي تقوم بالتنظيف، والتي تعيش حياة تبدو هادئة مستقرة – في بيت بحي اسمه «روما» بالمكسيك -، مع أسرة من الطبقة المتوسطة مكونة من زوجة تُدعى «صوفيا» وأطفالها الأربع، والزوج الذي نراه مرتين فقط، والجدة الدافئة الحنون. إلى جانب خادمة أخرى اسمها عديلة.

يتقدّم السرد في خطين متوازيين؛ الشخصي المتأثر بقوة من الوضع العام، بل المدموغ به، بدءاً من أن الخادمة كليو تفقد جنينها أثناء تظاهرات الطلبة وعملية القمع التي تعرضوا لها عام ١٩٧١ ومقتل ما يزيد عن ١٢٠ منهم على أيدي ميليشيات استأجرتها الشرطة. كما أن الرجل الذي ارتبطت به كليو كان نذلاً وتنكر للجنين في أحشائها واتضح أنه أحد أفراد تلك الميليشيات.

هنا، تسير حكاية كليو التي تواصل أشهر الحمل بمحاذاة مأزق سيدتها من الطبقة المتوسطة. فالأخيرة هجرها زوجها وأصبحت وحيدة، تحاول جاهدة أن تحافظ على تماسك عائلتها وتحقيق السلامة النفسية لأطفالها، على رغم اعترافها للخادمة بمشاعرها قائلة: «نحن النساء وحيدات، وسنظل وحيدات مهما قالوا لنا من أشياء».

ربما لذلك نشعر بالتضامن القوي بين المرأتين، التضامن الذي يبدو واضحاً في التصرفات؛ فعندما تعترف كليو بالكارثة التي وقعت فيها – وهي الحمل من دون زوج يتحمل تلك المسؤلية – لا تطردها صوفيا، بل تحتضنها وتصطحبها إلى المستشفى للاطمئنان على صحتها هي والجنين. وهذا الدعم والمساندة التي تقدمها صوفيا لخادمتها لا يأتي من فراغ، فالسيناريو يرسم لنا ملامح تلك المرأة الشابة كليو بحب كبير، وكأنها لم تكن خادمة عادية، فهي تعامل الأطفال كأنهم أبناؤها برقة وحنان جعلهم يحبونها ويريدونها معهم باستمرار حتى في لحظات مرحهم واستمتاعهم بالحياة.

إنها شخصيات حقيقية من لحم ودم، أتت من عالم المخرج ومن سنوات طفولته. كما يؤكد كوارون في أحد تصريحاته معرباً عن اعتزازه وسعادته بحصوله على الجائزة في يوم عيد ميلاد بطلته كليو التي أثرت في حياته، وساهمت في تنشئته وغرست فيه حباً كبيراً. ربما لذلك تم تصوير شخصيتها وكأنها القلب المضيء والنابض بالحيوية لهذا العمل، الذي يُعد قطعة حميمة من مسيرة مؤلفه، ومن حياته؛ هو الذي يقول لنا أن تلك الفترة التاريخية هي ما شكّل وجدانه وهويته، على رغم أنها كانت مخيفة على المستوى الاجتماعي.

مفاتيح الشخصيات

في «روما» يتضافر الإخراج بكافة عناصر العمل ليقدم لنا قصيدة سينمائية عذبة مشحونة بالعواطف والانفعالات، والمرح والضحك، والخوف، والمسؤولية التي تتحملها النساء في شجاعة. إنه قصيدة سينمائية مفعمة بالتفاصيل التي لا تخلو من رؤية للتكوين الطبقي لذلك المجتمع في السبعينات؛ تفاصيل نراها في المطبخ، أو في العلاقة بين الزوجين، وبين الخادمتين، أو بين الخادمة وسيدتها، وبينها وبين الأطفال، وبينها وبين الجدة في مشاهد تبدو ملحمية أحياناً كثيرة، وذلك من خلال غرس التفاصيل الرقيقة المعبرة، المحملة بالمعاني القريبة والبعيدة، فكل لقطة وكل صورة بكافة تفاصيلها تعلو ببناء الفيلم وتصعد به درجات فوق درجات حتي نصل لختام العمل ونصعد مع بطلته إلى المنتهى.

يحفل الفيلم إلى هذا بجماليات تصوير ساحرة بالأبيض والأسود، تشتغله حركة الكاميرا الترافلنغ الهادئة المنسابة حيناً، والثابتة المنتظرة طويلاً لأهدافها من البشر. كل هذا مع موهبة لافتة في تصوير ورسم ملامح الشخصيات، فتتجلى مفاتيح قراءتها من مشاهدها الافتتاحية، وأسلوب تقديمها. فمثلاً شخصية الشاب الخسيس الذي تخلى عن كليو والذي شارك في التظاهرات تم تقديمه للمرة الأولي على شاشة الفيلم في المطعم عندما كانت كليو وزميلتها تتناولان الطعام وتركت بقايا الكولا فانتظر هو حتى خروجهما من المطعم ليسرق تلك البقايا ويبتلعها، قببل أن يقترض بعض النقود من رفيقه ليعزم كليو. ولاحقاً نبتلع مع البطلة صدمة فراره من قاعة العرض السينمائي عندما علم بخبر الحمل. ثم نكرهه أكثر عندما يُهدد كليو ويصفها بـ»الخادمة القذرة»، نكرهه ليس فقط بسبب خساسته وانحطاطه ولكن أيضاً لأننا في الطريق وأثناء تدفق شريط الفيلم نقع في حب غامض لتلك الفتاة الصلبة الجميلة التي يتدفق منها الحنان والرقة، والتي لا تتخلى عن إنسانيتها وقت المحنة التي مرت بها، ونتأمل طويلا في اعترافها الباكي لاحقاً.

ولا يمكن أن ننسى كذلك المشهد الذي تقدّم فيه شخصية زوج صوفيا الطبيب من المشاهد الطريفة التي تشي بسماته الدقيقة في شكل لافت. أما شخصية صوفيا وتعاملها مع السيارة الكبيرة واحكتاكها بالجدران وبالسيارت فكانت تحمل مقداراً من ملامح شخصيتها في تعاملها مع الحياة، إضافة إلى مشهد الحانة وانكسار الكأس عندما كانت إحدى النساء تحتفل بالعام الجديد وتتمني الحياة المفعمة بالصحة لجنين كليو. لحظتها عندما ينكسر الكأس نتوقع حدوث مكروه ما للطفل القادم. على رغم ذلك، فلا هذا المشهد، ولا غيره من المشاهد التنبؤية الآخرى أتى ليُقلل من قوة الفيلم أو جماله الفيلم، لأن أسلوب السرد وأداء الشخصيات وإيقاع الفيلم وخصوصية أجوائه الفنية بامتياز تحملنا على أمواجه وتجعلنا نستمتع به.

فيلم «روما» للمخرج المكسيكي ألفونسو كوارون

فيلم «روما» للمخرج المكسيكي ألفونسو كوارون

أترك تعليق

مقالات
سناء عبد العزيز/ ضفة ثالثة- ظلّت قضية التحرّش الجنسي القضية الأكثر جدلاً في ما يتعلّق بردود الفعل تجاهها. فما بين معارضة وتأييد واستهجان وتجاهل تام، تضيع بين الأرجل، فتبهت معالمها، وتخفت جذوتها تدريجياً، إلى أن يطويها النسيان بالنسبة للجميع، عدا ضحيتها التي تختزنها في صندوق أسود، لا ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015