في معرض التشكيليات السوريّات: الثورة أنثى
معرض «ثورات شخصية»/ القدس العربي

آية الأتاسي/ القدس العربي- كل ما لا يؤنّث لا يعوّل عليه.. الفن مؤنث، رغم لفظه المذكر في العربية، فالأم تصنع الأبجدية الأولى لأي فنان أو فنانة. ولأن «كل ما لا يؤنث لا يعول عليه»، اختارت مؤسسة الأتاسي مناسبة احتفالية عيد المرأة لإظهار الوجه الأنثوي للفن السوري، من خلال معرض «ثورات شخصية»، الذي اختتم مؤخراً في دبي. وبما أن مسيرة أي فنانة في مجتمع شرقي محافظ هي طريق محفوف بالمصاعب والمعوقات، ونجاحها هو في النهاية ثورة على المحرمات الاجتماعية والسياسية والفكرية، كان اختيار عنوان «ثورات شخصية»، شكلاً من أشكال التكريم لجهود وكفاح الفنانة السورية عبر الزمن.
وقد تم تسليط الضوء على كامل الخريطة التشكيلية النسائية، بدءاً من الفنون النسوية في مدرسة الصنائع النسائية، بدايات القرن الماضي في مدينة حلب، وصولاً إلى الزخارف الفخارية لنساء البادية والأرياف المجاورة، إلى فنانات حقبة الخمسينيات، حيث لم تعد المرأة ملهمة للفنانين وحسب، بل أصبحت لها شخصيتها المستقلة في الفن، وصولاً إلى الثورة وما تلاها من تغييرات. ومن أجل تقديم صورة بانورامية واسعة عن مجمل الحياة الفنية النسائية في سورية، لم يقتصر المعرض على اللوحات الفنية، بل تضمن عدداً من الصور الفوتوغرافية النادرة والمجلات التشكيلية القديمة.

من جدران البيت إلى فضاء الأتيلية 

تضمّن المعرض مجموعة من لوحات فنانات الجيل الأول، اللواتي كن في غالبيتهن من سيدات المجتمع الارستقراطي، ويمارسن الفن كهواية من داخل جدران منازلهن الأنيقة، أمثال إقبال القارصلي، وهالة القوتلي. وغالباً ما كانت اللوحات بورتريهات ذاتية، أو بورتريهات للطبقة المخملية، ولم يكن غريباً في تلك الفترة أيضاً ارتباط أسماء الفنانات بأزواجهن، كما في حال درية فاخوري حماد، زوجة الفنان محمود حماد.

إلى أن أدى التطور الاجتماعي في الخمسينيات إلى خروج المرأة إلى الجامعة والعمل، وخروج الفنانات أيضاً من تحت عباءة العائلة والزوج، وتأسيس مراسمهن الخاصة، وتعتبر الفنانة ليلى نصير من الرائدات في هذا المجال، حيث بدأت ثورتها على التقاليد مبكراً، وجعلت الفن محوراً لحياتها الشخصية والفنية، كما جعلت الإنسان العادي ومعاناته محوراً للوحاتها، وقد اختار المعرض لوحات مميزة لها تتداخل فيها الذكورة بالأنوثة، ويحضر الوجه الإنساني مرسوماً بخطوط الألم، والعيون بحيرة دمع ساكنة.

كما عرضت ضمن مجموعة الفنانات المخضرمات، لوحات لشلبية إبراهيم، التي بدأت الرسم على جدران بيتها الريفي في دلتا النيل، وانضمت إلى الخريطة التشكيلية السورية بحكم زواجها من الفنان نذير نبعة، وظلت ترسم بعفوية طفلة متحررة من أي قواعد أو أطر، وكأنها تحلم بعيون نصف مغمضة، باحثة في الذاكرة عن النيل وعروسه. وليس بعيداُ عن الطفولة عرضت أيضاً لوحات للجينة الأصيل، التي رغم تجاوزها السبعين مازالت ترسم بشغف طفولي، بل هي كرست فنها كاملاً للطفل وكتابه، فالطفل لا يقرأ حروفاً، بل يقرأ خطوطاً ودوائر ونقاط، ويرى من خلال درجات اللون لا درجات النظر. واختتمت هذه المجموعة بفنانة تقف بين جيلين، ومكانين (سوريا ـ شيكاغو). ابنة الفرات الفنانة عتاب حريب، التي طالما رسمت النهر والقوارب الطافية فوقه، ولكنها بعدما فقدت ابنها خلال الثورة، لجأت إلى شيكاغو وابتعدت عن الألوان المائية، فحواف القلب المكسور لم تعد تكفي شفافية الماء لإصلاحها.

الفن ثورة والثورة أنثى 

تميّزت سنوات الستينيات بالجرأة في طرح المواضيع وتكسير المحرمات، واستمر هذا حتى مطلع الثمانينيات حيث بلغ القمع السياسي والاجتماعي والديني ذروته. لكن الثورة طريق لا ينتهي، فعندما قامت الثورة السورية في عام 2011، تفجر معها كل المكبوت والمقموع على جميع الأصعدة بما فيها الفن التشكيلي، الذي هو بالأساس تعبير عن المكنونات العميقة للنفس البشرية.

ومن هنا شعرت الكثير من الفنانات المعاصرات بانتمائهن لثورة الحرية، كنساء أولاً ينشدن التغيير في مجتمع محافظ، وثانياً كفنانات يدركن أن الحرية هي أساس أي عمل إبداعي حقيقي، حتى أن بعضهن شارك في الاحتجاجات وعاش تجربة الاعتقال المروعة، ولكن الأغلبية غادرت سوريا هرباً من الملاحقة والموت، وحتى اللواتي وقفن على الحياد، لم تكن أعمالهن بمنأى عن الأحداث الأخيرة، فما الفن في النهاية إلا مرآة للواقع المعاش. وقد أدت أحداث السنوات الثماني الأخيرة إلى غزارة في الإنتاج التشكيلي السوري، كما أدت إلى ظهور مواضيع جديدة تتعلق بالهجرة والوطن الغائب الحاضر، كما الجسد الحاضر الغائب. وقد أفرد المعرض حيزاً واسعاً لفنانات الجيل الجديد، وضم إليهن الفنانة ليلى مريود، رغم أنها تنتمي للجيل الأكبر، ولكن أعمالها تحاكي الفن المعاصر، بسبب ثورتها المبكرة على الأعراف السائدة وجرأتها في تصوير جسد المرأة. وقد ضم المعرض صورتين ضوئيتين لها، تدير فيهما الموديل وجهها للكاميرا، وتدير الصورة وجهها لكل مقاييس الجمال والقبح، العام والخاص، المحرم والمقدس. كذلك كان الجسد حاضراً في عمل للفنانة إيمان حاصباني، حمل عنوان «انفصال»، وكأن الفنانة تعيش انفصال الروح عن الجسد، حيث الجسد في برلين والروح في سوريا، العمل هو فوتومونتاج لطفلة بشعر أسود طويل تسير بين المدرعات، يقابلها في داخل إطار زجاجي وسادة خالية إلا من شعرة سوداء منسية، هي تفاصيل تحيل حتماً إلى الحلم أو بشكل أدق إلى الكابوس، الذي يعيشه السوريون جميعاً بشكل ما.

أما عمل الفنانة سلافة حجازي، رغم أن الجسد غاب عنه، ولكنه حضر بثوبه التقليدي مطرزاً رقمياً برموز الاستجابة السريعة، التي يمكن تصفحها من خلال الهاتف الذكي للوصول إلى مواقع رقمية، ومن الممكن ان يهترئ الثوب الرقمي تماماً كالثوب التقليدي عندما يختفي رابط أو يتغير محتواه. وغير بعيد عن الجسد بل في أعلاه يدور العمل النحتي للفنانة نور عسلية، وهو رأس من الجبصين، معزول عما حوله بطبقة الريزين الشفاف، وكأن الرأس يسبح في ملكوت الحلم، أو بين الموت والحياة، فما الموت في النهاية إلا نوم لا نصحو منه. كما عرض عمل آخر للفنانة عسلية، تحت عنوان «حياكة»، وفيه تظهر عيون الفنانة مطبوعة على ورق الأرز، ومنسوجة فوقها خيوط ودوائر حمراء، في استعادة للفعل الجراحي الذي كانت تعيشه الفنانة مع والدتها كلما رافقتها إلى طبيب العيون. هي حياكة بمفهومها الجمالي لا الجراحي، والدم الذي يسيل يقابله اللون الذي يسيل، وبهدف الشفاء أيضاً.

الفنانة نغم حديفة من جانبها اختارت مقاربة الجسد من خلال قميص نوم الجدة، مستحضرة ما تمثله الجدة من عائلة ودفء، حيث لا سبيل لترويض الحنين إلا من خلال استحضار الذاكرة، بل إعادة تشكيلها وفتحها على العام، فقميص النوم لا يراه عادة إلا المقربون، وكأن الفنانة أرادت إسقاط الأقنعة التي نرتديها في مواجهة الآخرين، وأحياناً في مواجهة صورتنا في المرآة. العلاقة بين هنا وهناك، أو تلك النفس المجزأة بين مكانين محتلين… جسدتها أيضاً الفنانة رندا مداح في فيديو آرت، تم تصويره من على سطح منزلها في الجولان المحتلة، ومن خلال تركيبة معقدة لمرايا متحركة، ظهرت فيها المنشآت الإسرائيلية والسورية في خط رؤية واحد، وكأن الصورة انعكاس للأخرى، والسكان على الجانبين ضحايا للعنف نفسه.

أما العملان الأخيران في المعرض، فهما الأكثر تعبيراً عن الثورة السورية وما آلت إليه: العمل الأول هو لهبة الأنصاري، الفنانة التي زارت إدلب في بداية 2014، وعثرت تحت أنقاض المنازل المهدمة على جثة كتاب رياضيات، وفي داخله أرقام مقتولة تعود للطفلة نورا بزكادي، التي بدورها قتلت تحت القصف، الفنانة أنجزت عملها التركيبي انطلاقاً من هذه الواقعة، وأطلقت عليه اسم «كتاب رياضيات»، حيث معادلاته غير منطقية كما هو عالمنا اليوم، وأطرافه محروقة كما هي بيوت السوريين وقلوبهم.

أما العمل الثاني، هو لوحة للفنانة عزة أبو ربيعة منجزة بتقنية الحفر، تظهر فيه مدينة حمص المدمرة وقد طغى فيها لون الموت الأسود على كل شيء، ما عدا منتصف اللوحة، حيث يظهر باص تهجير السوريين الأخضر، في توثيق للخروج الأول من حمص. خروج يحيل أيضاً إلى خروج عزة من سوريا بعد اعتقالها، وحصولها على إذن خروج وحيد بلا عودة.

وأخيراً لم يغب الفنان الرجل تماماً عن المعرض، بل حضر من خلال ثوب أبيض مقطع بتقنية الليزر، صممه رامي العلي مثل المشربية التي كانت تخفي النساء ورائها، ولكنها كانت أيضاً نافذتهن التي يرون من خلالها الخارج ولا يراهم.

يبقى أن نذكر أن مؤسسة الأتاسي غير الربحية تديرها منى وشيرين الأتاسي، وهما سيدتان تنتميان إلى جيلين مختلفين، وكل منهما عاشت في ما مضى ثورتها الشخصية على القيود العائلية والمجتمعية، واليوم عادتا بعد النضوج العمري وسنوات الغربة الطويلة، لتبنيا علاقة صداقة مميزة بين أم وابنتها، ولتؤسسا معاً مشروعهما غير الربحي لتوثيق الفن السوري، وحماية الذاكرة السورية الجمعية من التآكل والتخريب.

ومما لا شك فيه أن شغف منى القديم بالفن وخبرتها في المعارض الفنية، يضاف إليه حيوية الابنة الشابة وامتلاكها لغة الآخر وثقافته، جعل من مؤسسة الأتاسي مشروعاً ثقافياً رائداً، لإظهار وجه سوريا الجميل بعيداً عن الحرب والدم والموت، وكما قال فاتح المدرس: «لا شيء سوى الفن يجعل الجحيم جميلاً». وربما يضيف المعرض على تلك المقولة: لا أحد سوى المرأة يجعل الفنون جميلة.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”. 

معرض «ثورات شخصية»/ القدس العربي

معرض «ثورات شخصية»/ القدس العربي

أترك تعليق

مقالات
msn عربي- تعدّ الكويت من أكثر دول العالم ثراءً، ولكن يبدو أنها – وفي مجال تمكين المرأة من المشاركة في الحياة العامة بالتحديد – تتراجع إلى الوراء. فنصف الكويتيين فقط يتقبّلون فكرة أن ترأس امرأةٌ حكومة البلاد، وهي من أقل النسب في العالم العربي. هذا ما أشار إليه استطلاعٌ جديد ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015