قراءة النسوية من الجنوب
Getty Image

شيرين أبو النجا/ ضفة ثالثة alaraby- في عام 1988، نشرت الباحثة الجزائرية، مارنيا لزرق، بحثاً بعنوان “النسوية والاختلاف” في مجلة “دراسات نسوية”، وهي مجلة علمية محكَّمة في الغرب. وانطلقت فيها من الإشكالية التي تقع على النساء بسبب الاستعمار وما بعده، إذ يتوجّب عليهن أن يواجهن السلطة الذكورية الراسخة محلياً، كما يُتوقع منهن القطع المعرفي الكامل مع الفكر النسوي بوصفه فكراً مستورداً من الغرب (الاستعمار).

وبالطبع تتجلى أصداء التجربة الجزائرية في فترة ما بعد الاستعمار في الفكرة الأساسية، لكنها أيضاً فكرةٌ يُمكن تعميمها على كلّ المجتمعات التي كانت – أو لا تزال- ترزح تحت الاستعمار أو حصلت على استقلالها. وقد أكّدت فاطمة المرنيسي ذلك في سيرتها الذاتية “نساء على أجنحة الحلم”.

وفي عام 1991، نشرت الباحثة الهندية شاندرا تالبيد موهانتي بحثاً بعنوان “تحت عيون غربية: البحث النسوي والخطابات الاستعمارية” حيث عملت على قراءة النظرة الاستعمارية المتغلغلة في البحث النسوي المُنجز في الغرب (الشمال).

وفي عام 1998 قامت باحثة علم الاجتماع الأسترالية شيلا بولبيك بإصدار كتابها “إعادة توجيه النسويات الغربية: تعدّدية النساء في عالم ما بعد الاستعمار” وهو عنوانٌ يشي بالمضمون إذ تؤكّد على ضرورة الاعتراف بتنوع شكل النضال النسوي في العالم.

قد يتخيّل القارئ أن الاستنتاج الطبيعي لهذه المقدمة القصيرة أنني أدين النسوية وأدعو إلى “العودة إلى الجذور” (وهي مفهوم خيالي لا وجود له إلا في رغبة العقل) أو أنني مثلاً أسعى إلى الإقرار بمسألة الخصوصية الثقافية (وهو ما يعني قبول اختلال ميزان القوى باعتباره تميّزاً ثقافيّاً).

الحقيقة أن ما أدينه – ولست وحدي في هذا – هو اختلال منظومة الإنتاج المعرفي بين الشمال والجنوب العالمي. لا يُمكن تجاهل كثرة الأدبيات النسوية في الوقت الحالي، كما أن هناك صعوداً ملحوظاً للنسوية في أميركا اللاتينية والعالم العربي وأفريقيا ولنظريات ما بعد الاستعمار. وبالتالي لا يخلو أي منهج دراسي في مجال دراسات الجندر من هذه العناصر والأسماء النضالية (ينطبق ذلك على مناهج الشمال والجنوب).

أين تكمن المشكلة إذاً؟ 

في عام 2009 لخّصت الباحثة الأميركية المعروفة سوندرا هيل، والتي عملت كثيراً على منطقتي السودان وأريتريا، الوضع عبر طرح التساؤل حول هيراركية الشمال/ الجنوب في دراسات الجندر، ولاحظت أن دراسة الجندر في الجنوب تكون دائماً متصلة بوقائع وحالات وليس بالنظرية. اتسعت الإشكالية – إنتاج المعرفة – وازداد عدد الأصوات المحتجة على تهميش رؤى الجنوب وتحويله إلى مجرد مصدر للمادة الأولية التي يقوم عليها البحث في الغرب/ الشمال، خاصةً إذا أخذنا في الاعتبار اتساع رقعة الجنوب العالمي (وله كثيرٌ من التعريفات).

وفي عام 2015 تصدّت الباحثة الأسترالية (تُعتبر أستراليا ونيوزيلاندا جزءاً من الجنوب العالمي!) راوين كونيل لمسألة تهميش التنظير من الجنوب، وفي مقالها “اللقاء عند حافة الخوف” الذي نُشر عام 2015، تؤكّد على وجود عدم توازن صادم: “معظم الكتابات النسوية التي ترتحل دوليّاً وتُناقش الجنوب العالمي تكون تطبيقية، وصفية أو مفنّدة للسياسات. وإذا كانت تحتوي على تنظير- من ناحية تعميق المفاهيم أو المنهج أو الأُطر الشارحة- فإنها دائماً ما تأتي من الشمال العالمي”. ظهر ذلك بالطبع في كلّ الأدبيات النسوية التي تناولت وضع النساء في الثورات والانتفاضات العربية.

تشرح كونيل أن السبب السوسيولوجي الكامن خلف هذه الإشكالية له علاقة مباشرة بالاقتصاد العالمي، وينطبق ذلك على البحث النسوي في الجامعات أو المؤسسات الرسمية أو المنظمات غير الحكومية. وتبرهن على ذلك برأي الباحثة الأفريقية من بنين هونتوندجي والتي ارتأت أن هناك تقسيم عمل في إنتاج المعرفة. فقد تحوّل ذاك الجزء من العالم الواقع تحت الاستعمار إلى مصدر ثري للمعلومات والبضائع، والتي يُعاد شحنها إلى المستعمر الذي يحتكر العلم والبحث العلمي.

ومع تراجع الاستعمار وصعود العولمة النيوليبرالية استمر الشمال (المستعمر سابقاً) في احتكار حقل التنظير والبحث العلمي. وهو ما يتجلّى في مراكز الأبحاث الممولة وبنوك المعلومات. بعد غياب السبب الأساسي لتقسيم العالم- أي الاستعمار (ليس تماماً!)- ظلّ إنتاج المعرفة هو المعيار الرئيسي الآن لإرساء الهيمنة.

وعليه يكون السؤال هو: ماذا يفعل المثقّف والمثقّفة في الجنوب العالمي لمواجهة هذه الهيمنة المعرفية؟

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”. 

Getty Image

Getty Image

أترك تعليق

مقالات
ArabStates.UNDP- تشير التظاهرات التي تجتاح أماكن عديدة من العالم حالياً إلى أنه رغم التقدم غير المسبوق الذي تحقق في الحد من الفقر والجوع والأمراض، إلا أن مجتمعات عديدة لا تؤدي وظائفها كما ينبغي لها. والقاسم المشترك بين هذه التظاهرات، كما يدفع تقرير جديد صادر عن برنامج الأمم المتحدة ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015