قصّة نجاح امرأة عربيّة مفعمة بالتضحية
رولا امرأة مفعمة بالحياة وتمكّن العائلة بأكملها وتشكّل مصدر إلهام بإيجابيّتها

مجلة (ماري كلير العربية)- يشكّل 20 أغسطس 2017 مفترق طرق في حياة أمّ وابنتها. فما قبل هذا التاريخ، لن يكون كما بعده. بعدما كانت كلّ واحدة منهما تعمل بشغف في المجال الذي اختارته لنفسها، ها هي اليوم Dolly Chagoury Cachecho تكمل مسيرة والدتها Roula Zelhof Chagoury متمسّكة بالأمانة التي تركتها لها بعد استشهادها. وتشكّل رولا مثالاً على شجاعة المرأة العربيّة وإقدامها وتضحيتها ودولي مثالاً على المثابرة. “أشتاق إليها اليوم لكنّني لست تعيسة، إذ أشعر بالفخر والحظّ لأنّها كانت أمّي”، بغصّة يغمرها الفخر تطلعنا دولي على قصّة نجاح والدتها التي أفدت بحياتها كي لا تحرم موظّفي مشغلها من العمل الذي يؤمّن لهم الاستمراريّة في الحياة. فيشكّل شغفها بعملها وحبّها الحياة والعطاء وفرحها الدائم وسلامها الداخليّ مصدر إلهام لابنتها ولكلّ من سيتعرّف على هذه القصّة المؤثّرة المفعمة بالتضحية والأمل والسعادة، على الرغم من الخسارة المؤلمة. قصّةٌ سنطلعك عليها في هذه السطور.

تبدأ القصّة في العام 1989 عندما ابتعدت رولا عن عملها الأساسيّ في مجال الهندسة والتعليم الجامعيّ لتحقّق شغفها بتصميم ثياب الأطفال. فأسّست مشغلاً في دمشق لتقوم بكلّ شيء من الصفر كمصمّمة محترفة، فتختار بنفسها الأقمشة والتصاميم والقياسات قبل التنفيذ، على أن يهتمّ خالها إدوارد صايغ، بالمحاسبة والأمور الإداريّة. لم تحقّق أرباحاً في بادئ الأمر، لكنّ ذلك لم يردعها من المضي في شغفها وتطوير عملها، خصوصاً أنّ زوجها كان يثق بقدراتها ويدعمها دائماً. وبعد سنوات قليلة، زادت خبرتها وتوسّعت أعمالها وبدأت بتصدير بضاعتها باسم علامة Bambini-Piccolini إلى ليبيا والعراق والأردن ومصر والمملكة العربيّة السعوديّة وكندا، وبالاشتراك في معارض حول العالم للتعرّف على الأذواق المختلفة والاستلهام والاطّلاع على الجديد وشراء مختلف الأقمشة، حتّى باتت مشهورة في الشرق الأوسط بتصاميمها المميّزة والرائدة ذات الطابع الإيطاليّ.

وبلغ العمل في المشغل ذروته في العام 2008 مع 25 موظّفاً إضافة إلى تعامل رولا مع ستّ ورش ومشاغل صغيرة أخرى. فشكّلت السنتين اللاحقتين سنيناً ذهبيّة للمشغل. لكن في العام 2011 مع اندلاع الأزمات في المنطقة خصوصاً في ليبيا والعراق، البلدان اللذان كانا يشكّلان السوق الرئيسيّ للمشغل، بدأت المبيعات بالانخفاض، لكنّ ذلك لم يوقف اندفاعها فقرّرت تركيز إنتاجها من جديد على السوق الداخليّ السوريّ. لكن مع اندلاع الحرب في سوريا، تدهورت الأوضاع فقرّرت رولا التروّي وعدم توسيع أعمالها. ونذكر أنّه في هذه الفترة، كان تنظيم المعارض في سوريا قد توقّف بسبب الأخطار الأمنيّة.

ومع تحسّن الأوضاع الأمنيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة في سوريا في أغسطس 2017، نُظّم “معرض دمشق الدوليّ للصناعات السوريّة” ولم تتردّد رولا لحظة عن المشاركة فيه. وكانت عائلتها في هذه الأثناء تنظّم احتفالاً عائليّاً في بيروت. “كنّا نرجوها القدوم لمشاركتنا بالاحتفال، فوعدتنا بذلك على أن تعود في اليوم التالي إلى المعرض. لكنّها استفاقت يوم الأحد 20 أغسطس وقرّرت البقاء والذهاب إلى المعرض”، تخبرنا دولي. وبالرغم من هدوء الوضع الأمنيّ واتّفاق الهدنة، استُهدف المعرض بصاروخين فوقعت الفاجعة. استشهدت رولا وخالها في المكان الذي كان يشكّل لهما وللكثير من الصناعيّين والمصمّمين السوريّين فسحة أمل. وتضيف دولي: “في السنوات الأخيرة، كنّا نطلب من أمّي التوقّف عن العمل والسفر لتجنّب الأخطار، فهي وأبي يمتلكان الجنسيّة الكنديّة واللبنانيّة إضافة إلى الجنسيّة السوريّة ولديهما بيوت في لبنان وكندا. لكنّها كانت ترفض رفضاً قاطعاً مجيبةً أنّها لا يمكنها التخلّي عن موظّفي المشغل، فبقائهم في هذه الظروف الصعبة يعتمد على عملهم معها … وفدت حياتها لأجل ذلك”.

القوّة تولد من صميم الحزن

في قلب هذه الفاجعة ومن صلب الحزن، تولّدت لدى دولي القوّة والطاقة فاختارت المضي قدماً. وهنا تبدأ قصّتها… “أخذتُ هاتف أمّي وبعثت رسائل لكلّ الأشخاص الذين كانت تتعامل معهم بأنّنا سنكمل وأنّ المشغل لن يتوقّف. ومع أنّني وأبي نعمل في مجالين محتلفين كلّيّاً عن مجال عمل أمّي، اتّخذنا بسرعة جدّاً قرار الإكمال للمحافظة على إرثها”، تُخبرنا الابنة التي كانت تعمل اختصاصيّة تغذية. وبعد أقلّ من أسبوع، افتُتح المشغل من جديد، بالرغم من كلّ العقبات. “شعرنا بأنّ روحها تقودنا لمعرفة تسيير الأمور. نقل أبي مكتبه إليه حتّى يشرف على عمله من جهة وعلى موظّفي المشغل من جهة أخرى”، وتؤكّد دولي مضيفةً: ” بالرّغم من أنّني لا أتمتّع بالخبرة في التصميم بل بالذوق والشغف فحسب، شعرت بأنّ روحها تدخل إليّ لتشكّل مصدر تحفيز داخليّ. فصمّمت هي من خلالي مجموعة الصيف التي عرضتها في شهر فبراير 2018 في المعرض عينه الذي استشهدت فيه “.

تركت مشاركة دولي في هذا المعرض انطباعاً جيّداً لدى الناس، فتلقّت دعماً كبيراً وإثناءً على نجاحها في هذا التحدّي في مدّة قصيرة. “كانت تطلب منّي أمّي دائماً السفر إلى Florence المعروفة بتصميم ثياب الأطفال لدراسة التصميم، إذ كانت بحاجة إلى أشخاص لمساعدتها. إلاّ أننّي آنذاك كنت متمسّكة بعملي ولم أكن آخذ طلبها على محمل الجدّ. أمّا بعد تاريخ 20 أغسطس 2017، بدأتُ بهذا العمل باعتباره واجباً إلّا أنّني أقوم به اليوم بلذّة ويمنحني الرضى. وأنا سعيدة بأنّني أقوم بدورها، لكنّ ذلك لم يكن ليتحقّق من دون دعم عائلتي من زوجي وأبي وأخي وجدّتي وخالاتي”. وتضيف : “بعد هذا التاريخ، تغيّرت نظرتي إلى الحياة. أمّي كانت شخصاً مفعماً بالحياة وتمتلك سعادة وسلام داخليّين لا مثيل لهما. كانت تمكّن العائلة بأكملها وتشكّل مصدر إلهام بإيجابيّتها. لم يكن شيء يحزنها وكانت تحثّنا دائماً على التفاؤل والنظر إلى الجانب الإيجابيّ من الأشياء. وكانت تعيش كلّ يوم بيومه وتستفيد من كلّ لحظة في يومها، ولم يكن لديها أحلام لسنين قادمة، إذ كان هدفها أن تقضي كلّ ساعة بشكل جيّد في عملها ومع عائلتها. وكانت الزوجة المثاليّة التي لا تتوانى عن إعطاء الحنان لعائلتها.”بالطبع كانت رولا مميّزة بالنّسبة إلى أفراد عائلتها الذين لم يعوا درجة تأثيرها في الآخرين أيضاً إلاّ بعدما وردتهم رسائل من أشخاص لا يعرفونهم يعبّرون عن حزنهم لفقدانها ويشكرونها على مساعدتهم.

تكريم عالميّ

“حثّتني والدة زوجي Sonia Khandji، رئيسة غرفة التجارة في دمشق، على المشاركة في مسابقة Femmes Chefs d’Entreprises Mondiales التي تكرّم سيّدات أعمال من حول العالم”، تروي لنا دولي. فحضّرت الملفّ الذي كان يجب أن يحتوي على معلومات دقيقة عن المشغل بتأنٍّ. ولم تكن تفكّر في الربح، بل كانت ستكتفي بإطلاع أشخاص من حول العالم على قصّة والدتها. لكنّ رولا حصدت جائزة Woman Entrepreneur of the Year، فاستلمتها والدة زوج دولي في روما في حفلٍ ضمّ 600 شخص وأخبرتها:”وقف الحاضرون عند إعلان الجائزة في جوّ من البكاء والتصفيق لعظمة اللحظة، إذ للمرّة الأولى يكرّم هذا الحفل سيّدة أعمال شهيدة قضَت شغفاً بعملها وحبّاً بموظّفيها وإرادةً منها بالصمود”. كذلك كرّمت جمعيّة النادي الأدبيّ النسائيّ رولا في فبراير 2018 على أعمالها وانخراطها في الأعمال الخيريّة وحضرت دولي التكريم لتسمع مرّة جديدة أخباراً طيّبة عن والدتها.

وعندما كانت رولا على قيد الحياة، كانت تهتمّ بكلّ ما يتعلّق بالمشغل بمفردها، إذ كان كلّ شخص في العائلة منشغل بعمله. أمّا اليوم فروحها تشرف على هذا المشغل الذي أصبح مصدر سعادة للعائلة التي تهدف إلى استمراريّته والحفاظ عليه. وكانت تقول لدولي:”إيّاك أن تتوقّفي عن العمل. نحن نساء عاملات علينا إثبات أنفسنا”. فكانت رولا امرأة سعيدة لأنّها عاملة ومنشغلة بشيء ذات قيمة. نصيحة أسدتها لابنتها لكنّها تسري على كلّ النساء العربيّات اللواتي ينجحن كرولا ودولي في التوفيق بين عملهنّ وعائلتهنّ.

رولا امرأة مفعمة بالحياة وتمكّن العائلة بأكملها وتشكّل مصدر إلهام بإيجابيّتها

رولا امرأة مفعمة بالحياة وتمكّن العائلة بأكملها وتشكّل مصدر إلهام بإيجابيّتها

أترك تعليق

مقالات
محمد يسري/ رصيف22- تتفق معظم القوانين المنبثقة عن الدساتير المعاصرة، على تحديد سن أدنى للزواج، وذلك فيما يخصّ المرأة أو الرجل. تلك القوانين، راعت مصلحة الطرفين المشاركين في العلاقة الزوجيّة، بحيث لا يعاني أحدهما، من جراء تغوّل بعض العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعيّة، والتي قد تضرّ ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015