لو حاض الرجال..
لو حاض الرجال..!

ترجمة دلير يوسف/syriauntold- في هذا النص تسخر الكاتبة والناشطة النسويّة الأمريكيّة، غلوريا ستاينم، من الذكوريّة، ومن الثقافة الأمريكيّة التي سادت في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، حيث مثّلت الذكوريّة والعنصريّة وجهًا مهمًا من تلك الثقافة مقابل حركات التحرّر والحركات الطلابيّة والموجات النسويّة. هنا، تتخيّل ستاينم الحياة الأمريكيّة فيما إذا حاض الرجال، وكيف سيكون عليه شكل العالم الذي سيكون محوره دورة الرجال الشهريّة.

“أمضت أقليّة بيضاء في العالم قرونًا في خداعنا، وهي تخبرنا أنّ البشرة البيضاء تجعل الناس متفوقين، على الرغم من أنّ الشيء الوحيد الذي يحدث حقًا هو أنّهم أكثر عرضة للأشعة فوق البنفسجيّة والتجاعيد. بنى الرجال الذكور ثقافات كاملة حول فكرة تقول إنّ حسد القضيب هو أمر “طبيعي” لدى النساء، على الرغم (وقد يُقال ذلك) إنّ امتلاك مثل هذا العضو غير المحمي قد يجعل الرجال ضعفاء، وإنّ القدرة على الولادة تجعل حسد الرحم، على الأقل، أمرًا منطقيًا.

باختصار، يُعتقد أنّ خصائص القوة، أيًّا كانت، أفضل من خصائص الضعف، ولا علاقة للمنطق بذلك.

ماذا سيحدث، على سبيل المثال، لو، فجأة وبطريقة سحريّة، حاض الرجال ولم تستطع النساء أن تحيض؟

الجواب واضح: سيصبح الحيض حدثًا ذكوريًا يتباهون به، ويُحسدون عليه.

سيفتخر الرجال بطول المدة وبالكمية المُنتجَة.

سينتظر الفتية بداية الحيض، توقًا لإثبات الرجولة المترافقة مع طقوس دينيّة وحفلات توديع البتوليّة.

سيُنشئ الكونغرس المعهدَ الوطني لعسر الطمث من أجل القضاء على المضايقات الشهريّة.

سيتم تمويل المستلزمات الصحيّة في كلّ الولايات مجانًا، (بالطبع فإنّ بعض الرجال سيدفعون نقودًا أكثر من أجل إظهار مكانتهم وغناهم، من خلال شرائهم علامات تجاريّة مثل سدّادات جون واين القطنيّة، ووسادات محمد علي القطنيّة، ودروع جو ناماث جوك، “من أجل أيام بكالوريوس خفيفة”، وفوط روبرت -باريتا- بليك الصحيّة بالحجم الكبير).

سيستشهد رجال الجيش، والسياسيون اليمينيون والمحافظون الدينيون بالحيض (“الحيض”) كدليل على أنّ الرجال فقط يمكنهم الخدمة في الجيش (“عليكن إعطاء دماء مقابل حصولكن على دماء”)، أو احتلال مناصب سياسيّة (“هل يُمكن للمرأة أن تكون عدوانيّة دون تلك الدورة الثابتة التي يحكمها كوكب المريخ؟)، أو احتلال مواقع الكهنة والوزراء (“كيف يمكن للمرأة أن تتبرع بدمها من أجل خطايانا؟”) أو أن يكونوا حاخامات (“دون الفقد الشهري للشوائب، تظل النساء نجسات”).

مع ذلك، فإنّ المتطرفين الذكور والسياسيين اليساريين والصوفيين سيُصرّون على أنّ النساء متساويات مع الرجال، لكنهن مختلفات، وإنّ أيّ امرأة بإمكانها الانضمام إلى صفوفهم إذا ما كانت على استعداد لإلحاق جرح كبير بنفسها مرة كلّ شهر (“يجب عليكِ التبرع بالدم من أجل الثورة”) وعلى استعداد للاعتراف بأولويّة قضايا الدورة الشهريّة، أو إخضاع نفسها لكلّ الرجال في دوراتهم التنويريّة.

سيتفاخر أولاد الشارع (“أنا رجل الفوط الثلاث”) أو سيجيبون على مديح أحد الرفاق (“يا رجل، أنت تبدو بحال جيّدة”) بضرب كفيهما ببعضهما سلامًا، والقول “نعم يا رجل أنا في دورتي الشهريّة”.

ستبث القنوات التلفزيونيّة برامجًا مطوّلة عن الموضوع (“أيام سعيدة”: ريتشي وبوتسي يحاولان إقناع فونزي بأنه ما زال “ذا فونز” رغم أنّ دورته الشهريّة قد فاتته لمرتين متتاليتين1) وكذلك الصحف ستكتب (الخوف من القرش يهدّد الرجال الحائضين2/ القاضي يعفو عن المغتصِب بسبب إجهاد الدورة الشهريّة). وفي الأفلام (نيومان وريدفورد3 في فيلم “إخوة الدم”)، سيعمل الرجال على إقناع النساء بأنّ الجماع أكثر متعة في “ذلك الوقت من الشهر”. سيُقال بأنّ المثليات يخشين الدم وبالتالي يخفن من الحياة نفسها، على الرغم من أنّهن على الأرجح بحاجة فقط إلى رجل حيض صالح.

بالطبع، سيقدم المثقفون الذكور أكثر الحجج أخلاقيًا ومنطقيًا: كيف يُمكن للمرأة، على سبيل المثال، أن تتقن أيّ تخصّص يتطلب إحساسًا بالوقت أو بالمكان أو بالرياضيّات أو بالقياس، دون تلك الهديّة المُدمجة بالرجال لقياس دورات القمر والكواكب، وبالتالي لقياس أي شيء آخر؟ مثلًا، في حقول الفلسفة والدين: هل يمكن للمرأة أن تعوّض فقدان إيقاع الكون؟ أو أن تعوّض عدم وجود رمز الموت والقيامة كلّ شهر؟

سيحاول الذكور الليبراليون في كلّ المجالات أن يكونوا طيّبين: في الحقيقة إنّ عدم امتلاك “هؤلاء الناس” لأيّ موهبة لقياس الحياة أو الارتباط بالكون، كما يشرح الليبراليون، يجب أن يكون عقابًا كافيًا.

وكيف سيتم تدريب النساء على الرد؟ يمكننا تخيّل موافقة المرأة التقليديّة على جميع الحجج مبتسمة بمازوشيّة قويّة. (“سيعمل مقترح الدستور لتعديل الحقوق المتساويّة The ERA على إجبار ربّات البيوت على جرح أنفسهنّ كلّ شهر”: فيليس شلافي. “دم زوجك مقدّس مثل دم المسيح، وهو كذلك مثير جدًا!” مارابيل مورغن).

سيحاول المُصلحون وملكة النحل تقليد الرجال، والتظاهر بأنّ لديهم دورة شهريّة أيضًا. جميع النسويّات سيحاولن أن يشرحن، إلى ما لا نهاية، بأنّ الرجال، أيضًا، بحاجة إلى التحرّر من الفكرة الخاطئة عن الصبغة العدوانيّة، تمامًا مثلما احتاجت النساء للهروب من قيود الحيض. ستضيف النسويات الراديكاليّات أنّ اضطهاد “اللاحيضيين” كان نمطًا لجميع أشكال الاضطهاد الأخرى (“كان مصاصو الدماء أول مقاتلين من أجل الحريّة!”) ستطوّر النسويّات العاملات في الحقل الثقافي صورًا غير دمويّة في الفن والأدب. ستُصر النسويات الاشتراكيّات على أنّه، وفقط في ظل الرأسماليّة، سيكون الرجال قادرون على احتكار دم الحيض.

 في الحقيقة، لو حاض الرجال، فمن المحتمل أن تستمر مبرّرات القوة إلى الأبد.

إذا سمحنا لهم.”

الهوامش:

1 أيام سعيدة من أشهر المسلسلات الأمريكيّة في حقبة السبعينات، وريتشي وبوتسي وفونزي، هي شخصيات المسلسل الرئيسيّة.

2 لأن القرش يلاحق الدماء.

3 يعتبر روبرت ريدفورد وبول نيومان من أشهر السينمائيين في تاريخ السينما، واشتهرا بعملهما سويّة على عدد من الأفلام التي لاقت شهرة عالميّة واعة.

لو حاض الرجال..!

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
ديما الكاتب/raseef22- يحرص مؤرخو الفنون، على الفصل بين الفن الإيروتيكي، والفنون الإباحية، مستندين إلى القول: “إن الفن متعدد الطبقات بالضرورة، في حين أن المواد الإباحية أحادية البعد؛ لديها وظيفة واحدة فقط للقيام بها، وهي الإثارة الجنسية، وبالتالي فهي تفتقر إلى التعقيد الرسمي ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015