مأساة أن تكوني محطّ أنظار الذكور
أن تكوني محط أنظار الذكور

feministconsciousnessrevolution- بدأت كتابة هذا المقال بعد تردد كبير، تردد داخلي من أنني سأبدأ بطرح ما أهرب منه عادة عندما أفكر، وتردد كوني متوجسة من ردّة الفعل الخارجية التي ستصدر ولست في مزاج للتعامل معها. أن تكوني جاذبة للجنس الآخر بشكل عفوي ودائم. هذا كل ما في الأمر، شعرت بالرغبة في الحديث عن ذلك، عن الشعور نفسه وعن ثقله وعن لحظات البهجة المتعددة التي رافقتني منذ المراهقة، وعن أضراره الجسيمة كذلك.

كنت منذ مرحلة الطفولة صاحبة جمال و محط الأنظار في الحي وفي المدرسة، صاحبة شعر “أملس” كثيف مضرب مثل عند الأمهات، لم يكن غريبا أن يحاول أحد الفتية القيام بعمل بطولي أمامي أثناء ذهابي للبقالة في الحي، ولم يكن غريبا كذلك أن يمر أحدهم أمام موقف انتظار الباص واضعا عينيه علي لا يحركها، وإن نظرت إليه، لا يخجل و لا يرفع هذه النظرات عني. أختبئ خلف جموع البنات بحثا عن زاوية آمنة من هذه النظرات.

في الجامعة، ظننتُ، للاسف أن الأمور ستتحسن. ولكن لم يحدث ذلك، توجّهتُ لإحدى حملات التطوّع لأجد مدير الحملة يحاول التقرّب مني أمام الحاضرات مدَّعياً أنني لازلت بحاجة لفهم بعض الأمور قبل أن أشرح للجمهور، وجدتُ أيضاً أحد المتطوّعين اللطيفين يصفني في قصائد له على تويتر واضعاً هاشتاغ الحملة…

لم تكن محاولات صعبة منهم وهذا ما كان يحدث دومًا، الفريسة السهلة المرغوبة، لم يتكفل أحد عناء سؤالي عن شيء، كل ما يحدث هو تبني أفكار عني دون ادنى محاولات لمعرفتي، تحوّلتُ لكائنة فظّة تتبنّى سوء الظن قبل كل شيء.

تدور هذه الأحاديث في رأسي فقط ولم تخرج منه على الإطلاق، الفضاء العام ليس مستعداً بعد لسماع مثل هذا الحديث. تُطرح في الفضاء العام العديد من القضايا التي تحكي عن الاضطهاد والعنف مثل الإلحاد، المثلية الجنسية، التنوّعات الجندرية، إغتصاب الإطفال، الدفاع عن سجن النساء وقتلهنّ وحرقهنّ من قبل ذويهنّ…. إلى آخره. لكن لم يحكِ بعد أحدٌ، كما أعتقد، قصة واحدة عن غضب إمرأة لكونها ضحيّة رغبات الرجال. لم أتحدّث عن ذلك مطلقاً من قبل، سأجد من يسمع مني كل شيء، لكن بخصوص هذا الموضوع أشعر بأنني وحيدة تماماً…

أذكر عندما قدّمتُ على اختبار قصير في أحد المراكز، لم أجب عن الأسئلة كاملة. كنت أستحقُّ درجة جيد جداً، لكن المُشرف أعاد لي الورقة مصحّحاً الأخطاء، ظننتُه يطلب مني مراجعة أخطائي فأعدتُ الورقة شاكرةً له، نظر إليّ ضاحكاً ”لا يا غبية ما رصدت الدرجة، صحّحي أخطائك سريعاً.” سرت برودةٌ في جسمي، تمنّيتُ أن يكون هذا تصرّفاً يحدثُ مع الجميع، عدتُ لمكاني و قمتُ بتصحيح الأجوبة ثم خرجتُ أبحث عن أول مصدرٍ للتحقّق مما حدث، لتُخبرني إحدى الفتيات أنّها لم تتجاوز الإختبار، وقع علي الأمر كالصاعقة، انطفأ نوري كثيراً الأسبوع الذي تلى هذا الإختبار.

لم تكن الأمور سهلة بالنسبة لي أبداً، أخوضُ معاركي الكبرى وحيدة داخل ذهني، لن تصغي إليّ إحداهن، الحديث عن جمالي ليست تزكية موضوعيّة منهم لي، بل هي إشعارٌ بالخطر وعدم الشعور بالأمان الدائم، أنا محل تقييمهم/ن في كل مكان وزمان، في العمل، في الدراسة، في المقاهي والإحتفالات، وفي المناسبات الخاصة. سئمتُ فكرة أن تكون إنجازاتي وعملي مقدّمة بتسهيلات ذكورية وشعوري الدائم بأني غير مستحقة لها، رغم الجهد الكبير الذي أبذله دائماً لأثبت لنفسي أولاً، ثم لمن حولي أنني أستحق كلّ هذا بسبب عملي وليس بسبب شيءٍ آخر…

لا يأخذوني على محمل الجدّ كما أرغب. في علاقتي الثانية، والتي بدأتها من موقع تواصل لم يرني فيه الطرف الآخر، كنتُ سعيدةً جداً بهذه الخطوة؛ لأنها ستساعدني في بناء الانطباع الذي أريدُ أن أعطيَهُ للطرف الآخر، إلى أن التقينا في المرة الأولى. رأيته يتغيّر على نحوٍ غريب و لكن مألوف، لم يعد يأخذ احاديثي بجديّة، يتكلّم قليلاً و بشكلٍ متقطّع، عن مواضيع لا تعني شيئاً ويعود لنقطته الدائمة المعتادة. حزنت كثيراً وعلمتُ أن الإنفصال لا بد أن يكون قريباً، هل أخبرتُكم أنه لم يعد يتذكّر أيّاً من اهتماماتي التي أخبرتُه بها قبل لقائنا؟ نسي مقدار حبّي لغسان كنفاني ورغبتي الشديدة في إنهاء كتاب رأس المال و أنّه كان سيساعدني في ذلك؟

لا أريد التفكير في أنّ هذه المعاناة لها إيجابيات، كيف لي أن أقبل “إيجابيات” مغطّاة بغلاف الفتنة والشهوة الذكوريّة المتسلّطة؟ هذا إلى جانب النكات الجنسيّة التي يُلقيها مدرائي على مسامعي طول العام وتلميحهم بأنّي الموظفة المثالية ليس بسبب عملي إنما لسببٍ آخر أدركه جيداً. لن أرتدي النِقاب ولن أخفي وجهي، فجمالي لا ينبغي أن يكون مشكلةً يجب أن أتعامل معها. سئمتُ هذا وسئمتُ ضحكات و همسات زميلاتي و تقليل بعضهنّ لمجهوداتي طول العام معلناتٍ تقييمي منذ بدايته وبينهنّ ضحكات وهمس. “كلّ هذا الجمال وعازبة” هذا الجواب الذي سمعتُه للمرة الألف من كلّ شخصٍ يسألني عن وضعي الإجتماعي، لا أستلطفه وكأنّه يشير لقدَرٍ أكرهه.

كلّ ماكتبته أعلاه جاء نتيجة حديثٍ مطوّل مع صديقةٍ تواسيني فيه، لأمرٍ سيء حدث لي، نصحتني بالكتابة والبكاء وعدم الإتصال بها مرةً أخرى لأنها مضغوطة. وإكراماً لها قرّرت أن أكتب بالرغم من أنني لستُ بكاتبة ولا أحبُّ الكتابة.

الطريف هو عدم قدرتي على إيجاد اللغة المناسبة للحديث، في لحظات الكتابة هذه تتبادر إلي ذهني إحدى بطلات أفلام الثانوية الهوليوودية تنطق ما أكتبه، وهذا ما يثير إشمئزازي لأنني طوال حياتي وطوال مدّة معاناتي لم أجد ما أكتبه..

أعتقد أنني سأجد بداية طريقي لحلّ هذه العقدة عندما أرى هذا الموضوع من زاوية نقاش نسوي، و ليس التنمّر والانتقاص الذكوريين اللذين إعتدنا عليهما. التحرّش مثالٌ جيد لموضوع كان بدايته نقاشات النساء وبعد مضي الوقت تملّكت الضحايا الجرأة للحديث عنه، أرى نفسي ضحيةً هنا وأتمنى أن يسعَني المجال للحديث والسبّ والشتم لكلّ ما يحدث لي، بلا خوف من ردّات فعل غير محسوبة وغير ناضجة.

أن تكوني محط أنظار الذكور

أن تكوني محطّ أنظار الذكور 

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015