مخترعة تونسية: للمرأة الفنانة أو الراقصة حظوة أكبر من العالمة المبدعة
المخترعة التونسية حياة العمري

انطلقت مسيرة الدكتورة حياة العمري من محافظة “سيدي بوزيد” بتونس التي شهدت أولى شرارات الثورة بسبب التهميش الذي طالها لعقود، ولكن الدكتورة العمري تجاوزت ظلم السياسات واكراهات الجغرافيا لتصبح مخترعة عالمية ساهمت في دعم المجال العلمي التونسي والعربي وحتى الدولي، وحازت جوائز عالمية وتكريمات داخليا وخارجيا، كما دخلت المجال السياسي لتدافع عن الشباب الباحث والمهمش وتكون جسرا بين العلم والسياسة

وقد خصّت مجلة “ميم” بهذا الحوار لتتحدث عن مسيرتها العلمية والسياسية وحياتها الخاصة.

في البداية لو تعرفين نفسك لجمهورنا العربي، من هي حياة العمري الاسم الذي برز مؤخرا وحاز جوائز عالمية هامة؟

حياة العمري  شابة تونسية دكتورة وباحثة في الكيمياء وحاليا عضوة في مجلس النواب التونسي، لا يعرفني الجمهور العربي لأني كنت مقتصرة على مجال البحث العلمي والمشاركات البحثية التي كانت بالأساس مع البلدان الأوروبية والفعاليات الدولية ومجالات الاختراع في أوروبا. كنت مقصرة بعض الشيء على الصعيد العربي حيث كانت أول تظاهرة عربية أشارك فيها في السودان في ديسمبر/كانون الثاني لسنة 2015 لما فزت بجائزة “أفرابيا” للعلوم على مستوى القارة الافريقية وعندما فزت بجائزة المهندسة العربية المتميزة على مستوى الوطن العربي في مارس 2016 ومن هنا انطلق الامتداد العربي.

لو تحدثينا عن اكتشافاتك في مجال الكيمياء والتي تحصلت من خلالها على جوائز عالمية هامة وتم تكريمك من قبل رئاسة الجمهورية في تونس لأكثر من مرة؟

قمت بست براءات اختراع وكانت كلها في مجال الفسفاط وتثمين الحامض الفسفوري لتقليص الشوائب من هذا الحامض ليتم استعماله في مجالات أخرى غير الأسمدة الكيميائية.  فبالرغم من أن تونس هي البلد الثاني عالميا في انتاج الحامض الفسفوري الا أننا نقتصر على انتاج الأسمدة الكيميائية فقط.

وخلال بحوثي في مجال الماجستير والدكتوراه، أنجزت أربعة براءات تتعلق على اختلافها بإزالة الشوائب من الحامض الفسفوري حتى يتم استعماله في مجالات أخرى وهي طرق جديدة وحديثة تعتمد على تثمين أنواع من الفضلات النباتية وأخرى من الطين لتتكون في شكل غربال يمتص هذه الشوائب من الحامض ونتحصل بذلك على مادة يمكن استغلالها في عدة قطاعات.

وقمت باختراع آخر حول السماد البيولوجي باعتباري أصيلة محافظة سيدي بوزيد، والقطاع الأساسي في الجهة هو القطاع الفلاحي، يتم فيه استعمال مكثف للأسمدة الكيميائية التي تخلف أضرارا جسيمة على المائدة المائية والمنتوج الفلاحي بالجهة وهو ما ينعكس مع التراكمات على صحة الانسان.

واستطعت الحصول بعد البحث والتجربة على سماد بيولوجي يعوض الأسمدة الكيميائية وفي نفس الوقت يقلص من استعمال المبيدات وذلك من خلال تثمين الفضلات النباتية والحيوانية.

وبالنسبة للاختراع السادس فهو يتعلق بتثمين التراب التونسي الغني ب”الصوان النشيط” الموجود في احدى الطبقات عند استخراج الفسفاط. وتحتوي تونس على ملايين الأطنان من المادة في حين كنا نستوردها بالمليارات، وذلك لتقليص الفليور من الحامض الفسفوري، واكتشفت بعد التجربة أن الصوان التونسي أكثر نجاعة مما نستورده، وتم تطبيق هذا الاختراع على مستوى المجمع الكيميائي التونسي منذ 2008.

هل تعتبرين أن دور المرأة العالمة مثمن في العالم العربي أم هو مهمش؟

للأسف مهمش، فحتى خلال مشاركاتي الدولية أكون سعيدة جدا وفخورة بالتعرف على عربية متميزة في مجال العلوم، ولكن للأسف لا يكون لها مكانة في بلدها، وهذا اشكال كبير في الدول العربية بالأساس.  فالعنصر النسائي وابداعه منحصر في توجهات معينة بالنسبة لهم وليس في المجال العلمي، واذا وجدنا سيدة عربية متميزة دوليا في مجالها، لن تجد لها تشجيعا ولا حظوة ولا مكانة حقيقية وفعلية، بالرغم من أننا قادرات كعربيات أن نتميز وأن نحصل على أهم الجوائز الدولية.

كما أن غالبيتهن يعتمدن على موارد ذاتية وهذا مؤسف جدا، فلو كانت امرأة متميزة في الفن أو الرقص لوجدت حظوة أكثر من المرأة العالمة المبدعة التي قد تجد حلولا اقتصادية لوضع مجتمعها وللإنسانية جمعاء.

هذا التداخل بين السياسة والعلم الى أي مدى ساعدك في مسيرتك؟

في الحقيقة دخولي للمجال السياسي لم يكن اعتباطيا لأني تعرضت في بدايات 2014 الى صدمة في بلدي، فقد ظننت أني سأجد مكانة وسيكون صوتي مسموعا بعد فوزي بجوائز دولية وميداليات ذهبية لكوني شابة ومتميزة في مجال العلوم، في حين وجدت العكس تماما وهو حال عدد كبير من الأصدقاء المتميزين الذين لا يجدون لفتة أو مساعدة.

فكنت أمام خيارين، اما مغادرة البلاد أو أن أتحمل وأبقى شرط أن يكون صوتي مسموعا وقررت حينها خوض التجربة السياسية، بأن أمثل الشباب المخترع والمبدع وأحمل مشروعا للمخترعين الشباب يمكنني فرضه على مستوى البرلمان باعتباره المؤسسة التي تضع التشريعات والمشاريع الفعلية التي تنزل على مستوى السلطة التنفيذية.

كما اخترت العمل على مستوى اللجان التشريعية والخاصة بالبرلمان في قطاع التعليم العالي والبحث العلمي وأمثل جهتي سيدي بوزيد وهي مهد الثورة التونسية” على مستويين الأول بتمثيل الشباب المبدع والمخترع وتبني ملفاتهم أما الثاني فبالعمل على النهوض بالجهة وتحقيق التنمية بالعمل المتواصل.

ولكن على مستوى الفعل، هل نجحت في تحقيق هذه الأهداف المتعلقة بدعم الشباب الباحث؟

أنجزت مشروعا يتعلق بمجال البحث العلمي والاختراع، ولا زلت أقاوم ليتم قبوله، فرغم لقائي مع رئيس البرلمان وتخصيص جلسة بمكتب المجلس للنظر فيه لم أجد تشجيعا فعليا له ويعود ذلك لخلفيات معينة. وفي الأثناء أقوم بالعمل على تحسين قطاع الصحة بالجهة وهناك خطوات عملية أسعى لتحقيقها.

أنت تقرين إذاً بأن مؤسسات الدولة في تونس لا تشجع على تحقيق المشاريع التي تعنى بالبحث العلمي؟

بقدر ما أطمح أن يصبح البحث العلمي هو العمود الفقري لبلدي لأن مجال الاختراعات هو المرآة العاكسة لتطور الدول، لا زلنا كمؤسسات غير واعين بذلك. لأن المجال الوحيد الذي يجعل البلد مستقلا فعليا هو الابتكار والتصنيع الذي يهدف لتحقيق الاكتفاء الذاتي، ولكننا نعيش نوعا من التبعية لأننا لا نضعها في أولوياتنا ولا نستغل الفرص لنصبح بلدا مصنعا ومالكا للتكنولوجيا.

تزوجت منذ مدة قصيرة، كيف توفقين بين الحياة الزوجية والعلمية والسياسية خاصة أن المرأة المختصة في مجال العلوم وهل شعرت بان الاعباء الزوجية قد تشكل عائقا امام إنتاجك وأدائك العلمي والعام؟

كنت أحمل فكرة أن الزواج سيعطل بحوثي العلمية فأكملت دراستي سواء الماجستير أو الدكتوراه وحققت بعضا من طموحي العلمي ثم تزوجت، ولكني اكتشفت العكس، اذ يمكن أن يكون داعما أساسيا خاصة إذا كان شريك حياتك مؤمنا بك وفخورا وشاعرا بالمسؤولية تجاهك.

وقد أخبرني زوجي أنه يشعر ب”ضغط كبير جدا من المجتمع التونسي والحزب الذي أنتمي اليه والعائلة” خوفا من أن تؤثر علاقتنا على بحوثي، ويعمل دائما على توفير جميع الظروف لأواصل نجاحاتي، وأنا فخورة جدا به وعلاقتنا يسودها الاتفاق والتفاهم، خاصة أن مجاله علمي أيضا.

هل كان زواجاً تقليدياً أم كان عن حب؟

كان زواجنا عن حب، حيث تعرفت عليه خلال اشرافي على قطاع الصحة في جهتي، وأنا محظوظة به كثيرا، فهو متفهم لالتزاماتي بالداخل والخارج، واتذكر أنه بعد زواجي بأسبوع فقط سافرت لمدة عشرين يوما لتقديم محاضرات في ثلاث بلدان، من أجل المشاركة في مسابقات دولية، وكان متقبلا لذلك ويتابعني ويشجعني.

بم تنصحين الشابات المقبلات على هذا المجال الذي يحتكره الذكور؟

كنت أدرس في المعهد الوطني للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا الذي يضم أهم الاختصاصات العلمية والطلبة المتميزين، ولاحظت أن نسبة الفتيات في المعاهد والجامعات العلمية يتراوح ما بين 50 و60 في المائة وهن متميزات جدا، والاحظ اقبالا مرتفعا جدا للطالبات لهذه الاختصاصات التي تتطلب علامات عالية، والنسبة الأكبر من المتفوقين في تونس هي للفتيات.

ففي مجال الهندسة مثلا من المنتظر أن تبلغ نسبة النساء بعد 8 سنوات 60 في المائة.

كيف تقيمين الفجوة بين نسبة الطالبات اللاتي يدرسن في المجال العلمي ونسبة انتدابهم في الوظائف؟

إذا ما قارنا نسب البطالة نجد أنها أعلى في صفوف الفتيات أكثر من الذكور ويعود ذلك لعدة أسباب أهمها أن الرجل يقبل أي وظيفة حتى وان كانت خارج مجال اختصاصه وهو اشكال عام، كما أن أغلبية مخرجات الجامعة التونسية للأسف ليس لديها أي علاقة بسوق الشغل وهذه فجوة كبيرة.

ولكن يوجد مشروع في إطار اصلاح منظومة التعليم العالي والبحث العلمي الذي يجب أن ينطلق من حاجيات سوق الشغل ومتطلباته.

والإشكال بالأساس يعود الى استيرادنا لمنظومات تعليمية بالرغم من كفاءاتنا العالية القادرة على انتاج منظومة تونسية 100 في المائة تتماشى وسوق الشغل وحاجيات المؤسسات الاقتصادية في تونس.

المخترعة التونسية حياة العمري

المخترعة التونسية حياة العمري

أترك تعليق

مقالات
الخبير السوري- ارتفاع نسبة الإناث إلى الذكور في المجتمع السوري بات أمراً سهل الملاحظة، تستطيع ومن خلال مسحٍ مصغّر تقوم به في مكان عملك، أو حتى في وسيلة نقلٍ عامّة، أن تلاحظ وبشكل واضح أن نسبة الإناث باتت متفوقةً على نسبة الذكور، ربما تكون هذه الملاحظة دقيقة وتعبّر عن اختلاف النسبة ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015