“مسرحية” عرض سوري ينقل صور الاغتصاب خلال الحرب
بوستر "مسرحية"

(دمشق) سامر محمد اسماعيل/independentarabia- شهد دهليز الحارة الدمشقية تدفق الجمهور لحضور عرض بعنوان “مسرحية” لمخرجته فرح الدبيات، وقد آثرت تقديم تجربتها الإخراجية الأولى في أحد بيوت البلدة القديمة، موظفة عمارة بيت تراثي في محلة باب شرقي، كفضاء لعرضها ذي الطابع الإشكالي. لم تكن المهمة سهلة على بطلات العرض الثلاث (مرح حجاز، لوريس قزق، مرح حسن) اللاتي قدمن طوال ساعة من الزمن مشهديات أقرب إلى المسرح التسجيلي عن العنف الواقع على نساء في أثناء الحرب.

آثرت مخرجة العرض إدارة اللعبة بنفسها عبر إيعازاتها بمكبر صوت من داخل حجرة من حجرات المنزل الدمشقي، فكان الإيعاز الأول هو إغلاق باب البيت بإحكام، وتنبيه الممثلات الثلاث والجمهور بعدم مغادرته، أو فتح أبوابه أو نوافذه لأي شخص، وتحت أي ظرف كان، في إشارة لعزل داخل البيت عن خارجه المعتم والمخيف.

هذا الإيعاز تلته إيعازات أثناء العرض، وجاءت كنوع من الإيذان بإنهاء لوحة والبدء بأُخرى، وتحقيقاً لعنوان هذه التجربة الذي جاء كإحالة لمسرحة أحداث واقعية، كان اختارها مؤلف العرض أمير أبو الخير لتكون متناً حكائياً لشخصياته النسائية المتنوعة.

النساء والعنف

يروي العرض (إنتاج تجمع هيك الفني) عبر أسلوبية التغريب، وقائع مقتطعة من حياة فتيات ونساء تعرضن للعنف الأسري والمجتمعي المباشر، من دون أن يشكلن قصة واحدة مكتملة، بل مجموعة من قصص صغيرة اعتمدت تقنية أقرب إلى صيغة الوقائع الجنائية، مما حدا بالممثلات الثلاث الى التناوب على أداء أدوارهن، والانتقال من شخصية إلى أُخرى مع تبديل بعض الإكسسوارات والماكياج، أو تغيير مناطق اللعب داخل فضاء البيت الشامي، لتكون اللوحة الافتتاحية عن الزواج المبكر عند مدخل البيت، ومنها إلى الاغتصاب الزوجي، ومن ثم للانتقال إلى مشهد التحرش داخل حافلة نقل عامة.

ومن ثم إلى مشهد الولادة عند بحرة الماء، حيث تم توظيف الردهات والغرف والأدراج والجدران في البيت الفلكلوري لصياغة المزاج العام للعرض، وقد ساندته إضاءة صممها مجدي المقبل متكئة على إظلام وإنارة جانب من البيت – المسرح وإخفاء آخر، لا سيما في مشهد حاكى قصة الطفلة نهلة عثمان (ست سنوات) التي قضت في مايو (أيار) الماضي في مخيم للنازحين في ريف إدلب بعد تعرضها للتعنيف على يدي والدها.

المخرجة في هذا المشهد قدمت مادة فيديو وثائقية تظهر فيها الطفلة السورية في موازاة اللعبة المسرحية، في خطوة للتأكيد على أن العرض يستقي أحداثه من الراهن السوري، ووضعت الممثلة في قفص من الدجاج، وهي تجر جسدها مقيدة بالسلاسل، لكن من دون الإغراق في الميلودرامية، أو الذهاب نحو استجداء أو تسول مشاعر الجمهور إزاء ضحايا العنف، بل في التذكير بين كل مشهد وآخر بأن ما يجري هو مجرد مسرحية واكبت معظمها موسيقى الهارد روك (تأليف رامي الضللي). وقد تناغم المناخ الصوتي للعرض مع المناخ المشهدي، مستعيراً في مرات عدة شكل المسرح الإيطالي داخل فضاء البيت، لا سيما مع الستارة السوداء التي أغلقت المستوى الأول من الفرجة، والمواجهة مباشرة لأماكن جلوس الجمهور بين أشجار الليمون والياسمين الدمشقي.

حكايات أليمة

هذا المزج بين طريقتين في تدفق الأحداث تخللته رواية العديد من القصص، لعل أبرزها حكاية الخادمة التي تروي حادثة اختفاء زوجها لممثلة شابة أثناء فترة البروفة، وكيف تنقلب من قصة الطبيبة والممرضة نحو قصة اغتصاب فتاة قاصر، إذ غلب السرد على حساب الدراما، وعلى اعتبار أن العرض قد توخى هذا الأسلوب في استعادة الحدث والتعليق عليه على هيئة مذيعة تقدم برنامجاً تلفزيونياً عن العنف.

كل ذلك جرى من غير تحقيق الاندماج العاطفي بين الشخصية والممثل، أو بين الممثل والجمهور، بل كان هناك محاولة للتحكم بالأثر العاطفي، وتقليصه إلى أدنى حد ممكن، نحو تحريض التفكير لدى المتفرج، وجعله يجري محاكمة رشيدة لما يشاهده، من دون أن ينغمس في تفاصيله الحسية أو النفسية، وهذا ما يبرر لعرض “مسرحية” اتخاذ شكل الزيارة، وتحويل الجمهور إلى مجموعة من الزوار، مما غير من طبيعة التلقي والمتلقي في آنٍ واحد، ولكون المهمات الملقاة على عاتق فريق هذا العمل عدم الركون إلى السائد والمعتاد، فطبيعة العرض لا تسمح بالفصل التام بين مؤد ومتفرج أو صالة وخشبة، بل تحيلنا إلى ثنائية المتفرج – الضيف والمؤدي – المضيف، ومن ثم قلب هذه الأدوار بينهما، وهذا ما سمح بتمرير رسائل لافتة بعيداً من صالات العرض التقليدية، وجعل الجمهور جزءاً من اللعبة المسرحية بحمله على التخلي نهائياً عن حياده إزاء ما يشاهده ويسمعه بين جنبات البيت الدمشقي، إذ لا مكان لمسرح الأسرار هنا، فالجميع بهذا المعنى مشارك في أجواء العرض الذي تجري تدريباته وإرشادات مخرجته عل مرأى منه، ناهيك أن الجمهور يعرف مسبقاً الكثير عن تلك النماذج من النسوة اللاتي يحكي العرض عنهن.

الفضاء الذكي والمتعدد الاستعمالات أسهم هو الآخر في إبراز تكوينات جمالية مغايرة، فأقسام البيت الدمشقي من “ليوان” و”حرملك” و”سلاملك” و”خدملك” توزعت عليها مجريات المسرحية، وساعدت الممثل في تنويع توجه الأداء وتلوينه، والانتقال السلس بين العوالم الداخلية للشخصيات المؤداة، وهذا ما أتاح فرصة لرسم اخراج مناسب لحركة الممثلات الثلاث وظهورهن واختفائهن خلف الزجاج المعشق لنوافذ البيت، أو مرورهن بين أشجار الكباد والنارنج، ومن ثم تحقيق عنصر المباغتة بين لوحة وأخرى.

من هنا جاء الجانب الفني صنواً للجانبين السياسي والاجتماعي، ولاستبدال وظيفة من وظائف المسرح الترفيهية نحو تقديم ما يشبه بيان فني عن حقوق المرأة، وواقع النساء في الحرب السورية، مع التأكيد على الشرطين الفني والجمالي.

معادلة لم تكن باليسيرة على صناع العرض، لكن يحسب لها جرأتها الفنية وشجاعتها الاجتماعية في انتقاد ما يمارس اليوم على المرأة في ظل حرب لم تتوقف منذ نيف و10 سنوات، ويبدو عرض “مسرحية” ضمن موجة من العروض التي تقدمت اليوم إلى واجهة النقاش العام، وهذا بعد تفاقم حوادث عديدة لقتل واغتصاب وتعذيب نساء ضجت بها أخيراً مواقع التواصل الاجتماعي، وأثارت جدلاً واسعاً عن غياب أي حماية يمكن أن تقدمها مؤسسات المجتمع المدني لنساء واقعات تحت التهديد.

بوستر “مسرحية”

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
ديما الكاتب/raseef22- يحرص مؤرخو الفنون، على الفصل بين الفن الإيروتيكي، والفنون الإباحية، مستندين إلى القول: “إن الفن متعدد الطبقات بالضرورة، في حين أن المواد الإباحية أحادية البعد؛ لديها وظيفة واحدة فقط للقيام بها، وهي الإثارة الجنسية، وبالتالي فهي تفتقر إلى التعقيد الرسمي ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015