مع المرأة و ضد المدافعين عنها
تظاهرات نسوية/ أرشيف

ساسة بوست- يذكرني مشهد الحركة النسوية الحالي بذكرى شخصية (رغم بساطتها تكاد تكون هذه الذكرى مختصرة عن الحركة النسوية). مجموعة من الأصدقاء والصديقات بينهم شخص (ذكر) مدافع بشدة عن المرأة وحقوقها وأولى سمات هذا الدفاع يتجلى لديه برفض الطابع الأنثوي في كل شيء (فالأنوثة تعني الضعف حسب رأي الغالبية المدافعة عن المرأة) وإحلال القوة بالكلمات أو بالأفعال بدلا ًعنها. طبعا هذا الصديق هو فرد، لا يمثل منظمة ولا له أية علاقة بالحركة النسوية، لكن تأثيره كان شبيها جدًا بتأثير الحركة النسوية على المرأة حاليًا. فعلى مدى عام تحولت كل الصديقات المحيطات به الى مزيج لاذع من المرأة المسترجلة بمعناه العامي (الكلام غير المدروس والقريب إلى الفجاجة، الأفعال الاندفاعية، إبداء القوة دون حجة أو برهان أو تحليل، تقليد الذكور في الخشونة والتي هي بعيدة طبعًا عن العقل) كل ذلك دون أدنى تقدم يُذكر على مستوى إغناء الذات أو تثقيفها أو امتلاك القوة الفعلية النابعة من العقل في الرد والنقاش.

ماتفعله الحركة النسوية الحالية في شرقنا شبيه جدًا من حيث الأسباب والنتائج بتلك الذكرى. فالخطاب النسوي المطالب بحقوق المرأة ينطلق من الماضي “المرفوض” للمرأة، المرفوض بكل المعايير، دون البحث عما هو جوهري وماهو كارثي، يكاد يجمع كل ماضيها كثياب قديمة رثة في صندوق ليرميه في البحر ويطلب من المرأة أن تمتلك أثوابًا جديدة مفصلة تمامًا كثيابها القديمة دون مراعاة الفردانية واختلاف القياسات. ثم يمطرها بوابل من الشعارات الرنانة والكلمات الجميلة والملموسة بشغف. لكن هذه الكلمات تبقى مجوّفة رغم جمالها إذ لا تحتوي على آليات عمل تناسب المرأة وانتماءاتها. فالكلمات بحد ذاتها ليست أداة للنضال ولن تتحول لأفعال ما لم تعي المرأة بعمق ضرورة تحركها ومبادرتها تغيير ذاتها.

الحركة النسوية الحديثة في الشرق تحاول استعجال الخطى والقفز بانفعالية، فهناك عدم انسجام واضح بين خطاها و بين عمق أطروحاتها ودراستها للواقع الذي لا انفكاك هيّن منه. هذه الحركة تعتبر نفسها ثورة وهي كذلك لسببين: أولًا لأنها ككل ثورة تتغذى على العاطفة قبل العقل، ومن ثم لأنها تخص المرأة وتناقضات حياتها وبالتالي تتغذى بالعاطفة القصوى سواءً في ازدرائها لماضي المرأة أو بدفعها نحو المستقبل “المشرق”، لكن المشكلة الأساسية لهذه الثورة ليست بعاطفيتها فالعاطفية هي الصبغة الأساسية لنشوئها وقبولها. لكن المشكلة هي ببعدها عن الآليات المنطقية والعقلانية في الطرح والانتقاء والتصويب.

ينقسم عمل هذه الحركة إلى ثلاث محاور فعل أساسية:

أولًا: استحضار ماضي المرأة مع الإقصاء والازدراء الكامل له، وطرح المشاكل سواءً أكانت تنتمي إلى الماضي القريب أو البعيد بذات الصيغة المملة والقدسية في آن واحد وذلك بجعل المرأة ضحية الذكر دون الالتفات إلى التطورات الأخرى التي تصيب المجتمع مثل التغيرات الاقتصادية، الهجرة، انتشار التعلم والتكنولوجيا، الانفتاح الخجول على العالم، الدين…

ثانيًا: إعطاء دفعات قوية، دفعات على شكل شعارات وكلمات رنانة، على شكل خراطيش تنطلق ولا تعرف أين تصيب. في تلك الكلمات التي تحمل نقيضها في داخلها تتحرر المرأة عاطفيًا ولحظيًا، تشعر بالسعادة والحاجة الملحة والمستعجلة لتغيير كينونتها وتعاملاتها وشخصيتها. لكن هذا الحماس الذي لا يتجاوز الكلمات لا يعطي نتائج على قدر الحماس. لأن المرأة (المقموعة خاصة) تصطدم بجدار الواقع وهي مندفعه بالحماس الكلامي. تصطدم بواقع متناقض وأعقد من تلك الشعارات البسيطة التي لاتعطيها السلاح الأكفأ للمواجهة.

الخطوة الثالثة والتي تبدو فقيرة وغير مدروسة وهي إيراد أمثلة عن النساء العظيمات اللاتي سطرن أسماءهن في التاريخ بقوة من خلال أعمالهن الأدبية أو العلمية أو اكتشافاتهن. ولكن كون النسوية تخاطب العامة ولا تخاطب فئة معينة فقط فيعتبر هذا المثال أيضًا ضربًا من الخيال (عديم النفع تمامًا كالحديث عن الأميرة النائمة أو سندريلا) بالنسبة للمرأة المخاطبة. هذا الطرح ثقيل وكبير على المرأة عامة، فلا يشترط بالمرأة أن تكون عالمة لتكون قد أدت دورها، كما لا يشترط أن تكون غزيرة الطموحات والمطالب لتكون قد أثبتت نفسها ندًا للرجل. المرأة ليست كائنًا أحادي الدور كالرجل، هي امرأة وأم (في مرحلة الحمل) ومربية ولكل دور تقوم به هناك دواع داخلية وتغيرات أنطولوجية تُملى عليها. ولأجل هذه الأدوار بالدرجة الأولى يحق للمرأة ما لا يحق للرجل من تميُّز وأُلوهية، كذلك بالمقابل يتوجب عليها ما يتوجب على الرجل من إدراك دواعي تغييرها ورسم الأهداف البعيدة لتطويرها.

لكن في الشكل السائد للنسوية الحالية تضيع المرأة بين سمو الأهداف الموصوفة بالكلمات والمقابل الفج للحياة التي تتطلب التزامًا وعملا ًمتواصلًا للوصول للمبتغى. فماذا يبقى للمرأة إذًا؟ ماذا يتبقى إذًا بعد هذا التفريغ الكامل لمجهود المرأة الحقيقي وأدوارها كابنة،كشريكة لبناء أسرة، وكزوجة وأم وكفرد في المجتمع؟ ماذا يتبقى لها من فوضى الحركة النسوية بمجملها؟ أكاد أجزم أنه لا يتبقى لها سوى ما تبقى للصديقات اللاتي تحولن بفعل النوايا الطيبة لصديقهن إلى كائنات ثائرات دون أن يعرفن ثائرات ضد ماذا، غارقات بنوع من المراهقة المتأخرة. المراهقة البريئة والسلبية في نفس الوقت.

الصورة الحقيقة لهذه المراهَقة نراها بشكل يكاد يكون يومي. نساء يدّعين التمرد (وقد لايكون تمردًا بقدر ما هو طبيعة فردية لهن)، يؤدين أعمالًا صبيانية، عمياء ولا تمت للتقدم بصلة ويلاقين رغمها التصفيق والإطراء لمجرد تصنيفه ضمن أعمال التمرد والثورة على المجتمع.

التعقل مايزال بعيدًا عن الحركة النسوية، هي ثورة ولابد لها أن تكون عاطفية. ولكن أن تُغذي نفسها بتلك العاطفية لا أن تتغذى عليها. أما نجاحها و تطورها وبقاؤها فمرهون بالعقل والتعقل ومواجهة متطلبات الحياة دون مواجهة الذكر ومعاداته بالضرورة.

تظاهرات نسوية/ أرشيف

تظاهرات نسوية/ أرشيف

أترك تعليق

مقالات
محمد يسري/ رصيف22- تتفق معظم القوانين المنبثقة عن الدساتير المعاصرة، على تحديد سن أدنى للزواج، وذلك فيما يخصّ المرأة أو الرجل. تلك القوانين، راعت مصلحة الطرفين المشاركين في العلاقة الزوجيّة، بحيث لا يعاني أحدهما، من جراء تغوّل بعض العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعيّة، والتي قد تضرّ ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015