مفهوم العنف ضدّ المرأة.. مقاربة تاريخية في نشأة وتطور المفهوم في المواثيق الدولية
العنف ضدّ المرأة

كفاح زعتري/ ayyamsyria- يرتبط مفهوم العنف ضد المرأة في المواثيق الدولية بالحركة الأنثوية التي تهدف إلى مساواة المرأة بالرجل مساواة مطلقة، وتحرير المرأة تحريراً كاملاً، بحيث يصبح وجودها قائماً بذاته، غير مرتبط بمن حولها.

بدايات ظهور الحركات النسوية

قد ظهرت بذور هذه الحركة في عصر النهضة الأوروبية ما بين 1550-1700م، واقتصرت جهودها في بادئ الأمر على تصحيح بعض المفاهيم والأوضاع الخاصة بالمرأة، القامعة لها، وتركزت مطالب النسويات على الاعتراف بإنسانية المرأة وكرامتها، وترسيخ مفاهيم جديدة تعلي من شأن التعاون والتكامل بين الجنسين.

ثم تطور الأمر في القرن الثامن عشر للمطالبة بمساواة النساء بالرجال. وفي القرن التاسع عشر ظهر بعض الفلاسفة الذين طالبوا بمساواة المرأة مع الرجل قانونياً كـ «جون ستيوارت مل»، فاتخذت النسويات وقتها آراءه في كتابه «استعباد النساء»، أصولاً للنسوية. حتى منتصف القرن التاسع عشر كانت أصوات النساء تسمع منفردة دون إنشاء منظمات، ومع ظهور الثورة الأوروبية وتصاعد الدعوة للديمقراطية؛ ظهرت تنظيمات نسائية للمطالبة بهذه الحقوق.

في عام 1966 أسست الكاتبة النسوية «بيتي فريدان» أولى المنظمات الأنثوية، وهي «المنظمة الوطنية للمرأة»، فاستقطبت غالبية المجموعات النسوية اليسارية.. وبعد اتساع عضوية المنظمة غيّرت اسمها إلى «حركة تحرير المرأة» وعُرفت فيما بعد بالحركة الأنثوية. ونتيجة لأنشطة الحركة الأنثوية في أمريكا، انتشرت ظاهرة الحركات الأنثوية في أوروبا..

في العقد السابع من القرن العشرين واجهت التيارات الأنثوية؛ الراديكالية، والاشتراكية، والليبرالية؛ معارضة عنيفة من التيار النصراني المحافظ، فاضطرت الأنثويات إلى توحيد تياراتهن تحت قيادة الأنثوية الراديكالية، وعملن على تحقيق أهدافهن عن طريق التحالف مع منظمات حقوق الإنسان، وتزامن ذلك مع إقامة المؤتمر العالمي الأول للمرأة في مكسيكو سنة 1975.

نشأة المفهوم في المواثيق الدولية:

يعدّ ميثاق الأمم المتحدة الذي اعتمد في 1945 أول معاهدة دولية تشير إلى المساواة بين الجنسين في الحقوق، ثم أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر سنة 1948 مبدأ المساواة بين البشر جميعاً، ومع انعقاد المؤتمر العالمي الأول للمرأة في المكسيك عام 1975، ومع ارتباط مؤسسات الأمم المتحدة بالمنظمات الأنثوية؛ ازداد الاهتمام الدولي بالعنف ضد المرأة. وقد ركزت البدايات الأولى لمعالجة العنف ضد المرأة على العنف في الأسرة، وأشارت خطة العمل التي اعتمدها مؤتمر المكسيك إلى ضرورة وضع برامج تعليمية واستحداث طرق تحل مشكلة النزاع في الأسرة.

في عام 1979م صدرت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتضمنت الكثير من مسائل العنف ضد المرأة، دون أن تصرح بمصطلح «العنف ضد المرأة».

في المؤتمر العالمي الثاني للمرأة المنعقد في «كوبنهاجن» عام 1980، اعتمد قرار بشأن العنف في الأسرة، ودعا هذا المؤتمر إلى وضع برامج للقضاء على العنف ضد النساء والأطفال وحماية المرأة من الاعتداء البدني والعقلي. وتعد الوثيقة الصادرة من المؤتمر أول وثيقة رسمية للأمم المتحدة تتناول العنف ضد المرأة. وفي المؤتمر العالمي الثالث الخاص بالمرأة في نيروبي 1985، أشير إلى كثير من مظاهر العنف، مثل: الاعتداء في المنزل، البغاء القسري، الإساءة للنساء المعتقلات… وغيرها. واعتبرت الأمم المتحدة أن العنف ضد المرأة يشكل عائقاً أمام تحقيق أهداف المؤتمر، وطالب المؤتمر باتخاذ إجراءات وقائية وتدابير قانونية للحد من العنف ضد المرأة.

وفي عام 1989 أصدرت اللجنة المعنية بالقضاء على العنف ضد المرأة في دورتها الثامنة، توصية بعنوان «العنف ضد المرأة»، وأوصت اللجنة الدول الأطراف بأن تتضمن تقاريرها المقدمة للجنة معلومات حول العنف ضد المرأة ما يلي:

  1. التشريعات بشأن حماية المرأة من كافة أشكال العنف.
  2. الخدمات المقدمة للنساء ضحايا العنف.
  3. ذكر بيانات إحصائية عن أشكال العنف الممارس ضد النساء.

المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة في عام 1990 تناول المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة مفهوم العنف ضد المرأة في التوصيات الصادرة عن استعراض وتقييم استراتيجيات نيروبي التطلعية، والتي أكد فيها انتشار ظاهرة العنف ووجوب اتخاذ التدابير لإنهائها. وفي العام نفسه عقدت الأمم المتحدة المؤتمر الثامن لمنع الجريمة، وأكد هذا المؤتمر أن العنف ضد المرأة يعد نتيجة لاختلال توازن السلطة بين المرأة والرجل.

في عام 1991 أوصت لجنة مركز المرأة المجلس الاقتصادي والاجتماعي بأن يضع إطاراً لصك دولي بالتشاور مع لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة يتناول بصراحة قضية العنف ضد المرأة، واعتمد المجلس القرار 1991/8 الذي كان بعنوان «العنف ضد المرأة بجميع أشكاله».. وحث القرار الدول على اعتماد تشريعات تحظر العنف ضد المرأة، واتخاذ كافة التدابير المناسبة لحماية المرأة من جميع أشكال العنف الجسدي والمعنوي.

لجنة (السيداو)

في عام 1992 أصدرت لجنة (السيداو) في دورتها الحادية عشرة توصية بعنوان: «العنف ضد المرأة» نصت في الفقرة السادسة منها على أن: «العنف ضد المرأة شكل من أشكال التمييز القائم على أساس الجنس». وفي عام 1993 عرض على لجنة «مركز المرأة» في دورتها السابعة والثلاثين مشروع «إعلان العنف ضد المرأة»، وقررت اللجنة استدعاء فريق لمواصلة صياغة الإعلان، ثم حث المجلس الاقتصادي والاجتماعي الجمعية العامة على اعتماد مشروع الإعلان في العام نفسه، وقد كان؛ ففي 20 ديسمبر 1993 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، ونص الإعلان على: «إن العنف ضد المرأة مظهر من مظاهر العلاقات والقوى غير المتكافئة بين الرجل والمرأة عبر التاريخ، التي أدت إلى هيمنة الرجل على المرأة وممارسته التمييز ضدها والحيلولة دون النهوض بالمرأة نهوضاً كاملاً».

عام 1993 غيّرت الأمم المتحدة سياستها التي كانت تقتصر على التعامل مع الحكومات، واستغلت المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا لتتعامل مع شبكة عالمية من النشطاء المناهضين للعنف عُرفت باسم «الحملة العالمية من أجل الحقوق الإنسانية للمرأة»؛ للتأكيد على عالمية حقوق المرأة باعتبارها حقوق إنسان، والدعوة إلى القضاء على العنف ضد المرأة.

لجنة حقوق الإنسان

بعد أن أصبح مفهوم العنف ضد المرأة من مسائل حقوق الإنسان، قررت لجنة حقوق الإنسان عام 1994 مقرراً خاصاً بشأن العنف ضد المرأة وأسبابه وعواقبه، ثم رُبط القضاء على العنف بالالتزام بتطبيق السيداو! وأدرج في جل القضايا التي تعنى بها الأمم المتحدة! وجاء في التقرير الصادر عن المؤتمر الدولي للسكان والتنمية الذي عقد في القاهرة سنة 1994: «ينبغي لجميع البلدان أن تبذل مزيداً من الجهود لإصدار وتنفيذ وإنفاذ القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية التي تكون طرفاً فيها، مثل: اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي تحمي المرأة من ضروب التمييز الاقتصادي والمضايقات الجنسية، والتنفيذ الكامل للإعلان المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة».

مؤتمر بكين

في عام 1995 انعقد «المؤتمر العالمي الرابع الخاص بالمرأة» في بكين، وتضمن منهاج العمل الصادر عنه دعوة للدول «بإدانة العنف ضد المرأة، والامتناع عن التذرع بأي عرف، أو تقليد، أو اعتبار ديني؛ تجنباً للوفاء بالتزامها للقضاء عليه».

وفي عام 1997 اعتمدت الجمعية العامة الاستراتيجيات النموذجية والتدابير العملية للقضاء على العنف في مجال الجريمة والعدالة الاجتماعية، وبدأت بإصدار أول قرار من سلسلة القرارات التي تتناول أشكال العنف ومظاهره، فأصدرت قراراً «بشأن الممارسات التقليدية والعرفية التي تؤثر على صحة النساء».

وفي عام 1998 صدر نظام روما الأساسي للمحكمة الدولية، وعدَّ العنف القائم على الجنس جريمة بمقتضى القانون الجنائي الدولي.

اليوم الدولي للقضاء على العنف ضدّ المرأة

في عام 1999 أعلنت الأمم المتحدة أن يوم 25 نوفمبر هو اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة.

وفي عام 2000 أكدت الوثيقة الصادرة عن الدورة الاستثنائية لمنهاج عمل بكين التي كانت بعنوان: «المرأة عام 2000: المساواة بين الجنسين، والتنمية، والسلام في القرن الحادي والعشرين»؛ على الأهداف الاستراتيجية المتعلقة بالعنف ضد المرأة، ودعت «إلى إضفاء الجنائية على العنف ضد المرأة بحيث يقع مرتكبه تحت طائلة العقاب بالقانون». ودعت الوثيقة إلى اتخاذ التدابير لمعالجة العنف ضد المرأة.

وفي عام 2000 عقد مؤتمر: «قمة الأمم المتحدة للألفية»، ودمجت في هذا المؤتمر قضايا مساواة وتمكين المرأة في عديد من الأهداف الإنمائية، لا سيما في الهدف الثالث الذي نص على «تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة». وجاء في الفصل الخامس من الإعلان في موضوع حقوق الإنسان والديمقراطية والحكم الرشيد: «مكافحة جميع أشكال العنف ضد المرأة وتنفيذ اتفاقية القضاء على أشكال التمييز ضد المرأة».

المرأة والسلام والأمن

في نفس العام أصدر مجلس الأمن القرار رقم (1325) بشأن المرأة والسلام والأمن، ويعد هذا القرار معلماً بارزاً للتصدي للعنف ضد المرأة. ومنذ ذاك العام ومجلس الأمن يولي مسألة العنف ضد المرأة في النزاع المسلح أهميتها، وقد ذكر ذلك في الفقرة (10) من القرار.

وفي العام ذاته أصدرت الجمعية العامة بداية القرارات المتعلقة بعنوان: «القضاء على الجرائم المرتكبة بحق النساء والفتيات باسم الشرف»، ثم قرارات بعنوان: «الاتجار بالنساء والفتيات».

وفي عام 2001 أصدرت الجمعية العامة مجموعة قرارات بعنوان: «القضاء على العنف ضد العاملات والمهاجرات».

وفي عام 2003م اتخذت الجمعية العامة قراراً بشأن «القضاء على العنف العائلي»، وأصدرت قراراً آخر يأمر بإجراء دراسة على جميع أشكال العنف ضد المرأة.

وفي عام 2005 وعند استعراض إعلان ومنهاج عمل بكين في الدورة التاسعة والأربعين، لوحظ أن هناك تقدماً كبيراً في مكافحة العنف ضد المرأة، وأصبح من المسلم به أن العنف ضد المرأة يعد شكلاً من أشكال التمييز الذي يستند إلى نوع الجنس، وأن الدول سنت قوانين لمكافحة العنف ضد المرأة.. جاء في الفقرة (116) من منهاج عمل بكين: «وندين بشدة جميع انتهاكات حقوق الإنسان للنساء والفتيات في حالات الصراع المسلح، وممارسة ضروب الاستغلال، والعنف والاعتداء الجنسي ضدهن، ونلتزم بوضع وتنفيذ استراتيجيات للإبلاغ عن العنف القائم على نوع الجنس ومنعه والمعاقبة عليه».

وفي عام 2006 أصدر الأمين العام دراسة بشأن جميع أشكال العنف ضد المرأة، وأصدرت الجمعية العامة بعدها سلسلة من القرارات بعنوان: «تكثيف الجهود للقضاء على العنف ضد المرأة».

وفي عام 2007 أصدرت الجمعية العامة قراراً بشأن «القضاء على الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي».

وفي 25 فبراير 2008 أطلق الأمين العام حملته العالمية (اتحدوا لإنهاء العنف ضد المرأة)، على أن تستمر إلى عام 2015.

وفي عامي 2008 و2009 أصدر مجلس الأمن القرارات: 1820 (2008)، 1888 (2009)، 1889 (2009)، والتي تدعو لوضع حد للعنف الجنسي في النزاعات المسلحة.

وفي 23 مارس من عام 2009 عقد اجتماع لفريق الخبراء الحكومي الدولي في بانكوك لاستعراض وتحديث الاستراتيجيات النموذجية والتدابير العملية للقضاء على العنف ضد المرأة في مجال منع الجريمة والعدالة الجنائية، وجاءت هذه التدابير في 22 مادة حاثة الدول على «استعراض قوانينها الجنائية والمدنية وتقييمها وتحديثها؛ لضمان تجريم وحظر جميع أشكال العنف ضد المرأة»!

إلغاء ومنع كافة أشكال العنف ضدّ النساء والفتيات

في 15 مارس 2013 طرحت الأمم المتحدة إعلان إلغاء ومنع كافة أشكال العنف ضد النساء والفتيات، والذي أكد وجوب مكافحة كل أشكال التمييز بين الجنسين باعتبارها شكلاً من أشكال العنف ضد المرأة، دون التذرع بالأديان والعادات! وقد وصفته الأمم المتحدة بأنه إعلان تاريخي لوقف العنف ضد النساء.

مما سبق يلاحظ أن مفهوم العنف تطور مع تقدم السنين وأصبح قضية مستقلة ناتجة عن التمييز بين الجنسين، وتحويل القضية لمطلب مجتمعي تتبناه منظمات المجتمع المدني وتسهم في الضغط على الحكومات لترضخ وتوقع على ما يصدر من مواثيق دولية.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”. 

العنف ضدّ المرأة

العنف ضدّ المرأة

أترك تعليق

مقالات
كريم شفيق/hafryat- يضيء كتاب “امرأة الفقهاء وامرأة الحداثة: خطاب اللامساواة في المدونة الفقهية”، للباحثة اللبنانية ريتا فرج، مساحة شديدة الالتباس والغموض، عن واقع المرأة العربية. يحفر وراء بنائها الوجودي، وعناصر تكوينها؛ الاجتماعي والسياسي والمعرفي، والعوامل المؤسسة ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015