ممارسة الرياضة بالزي الشرعي ظلم في حق المرأة العربية
شرعية ممارسة النساء للرياضة باتت سؤالاً مطروحاً!

أحمد حافظ/alarab- حسمت دار الإفتاء المصرية في مسألة ممارسة المرأة للرياضة، وقالت إنها حرام شرعا، طالما لم تلتزم النساء باللباس الإسلامي الذي يخفي مفاتنهن ولا يجعلها مثيرة للغرائز الذكورية. وقد وظفت العقلية الذكورية هذه الفتوى تجاه النساء ولجأت إلى حرمان أغلبهن من الرياضة، ما ساهم في تراجع حظوظ المرأة في هذا المجال.

مازالت الرؤى الضيقة حول ممارسة المرأة للرياضة مستمرة وبات ربط ممارسة الرياضة باللباس الشرعي معضلة تواجه الكثير من النساء في المجتمعات العربية، خاصة تلك التي تتقدم فيها سلوكيات العائلات المحافظة على العادات والتقاليد، ومع الوقت صارت المرأة شبه معزولة رياضيا فيها، وتراجعت حظوظها بشكل لافت في الوصول إلى البطولات المحلية والدولية.

وتلقت دار الإفتاء المصرية أسئلة عديدة تستفسر عن شرعية ممارسة السيدات للرياضة، عقب انتهاء دور الألعاب الأولمبية في طوكيو، على خلفية وصول بعض الفتيات العربيات إلى مراكز متقدمة وبعضهن ارتدين الحجاب، وإلى أي درجة نجحن في المنافسات بفضل “بركة” التزامهن باللباس الشرعي وإخفاء مفاتنهن؟

تجاوبت جهة الفتوى الرسمية في مصر مع المستفتين والمستفتيات وتناغمت مع تشددهم أحيانا، وقالت إن ممارسة السيدات للرياضة “حرام شرعا”، طالما لا يلتزمن باللباس الإسلامي الذي يخفي مفاتن المرأة ولا يجعلها مثيرة للغرائز الذكورية، وهي الفتوى التي وظفتها العقلية الذكورية تجاه النساء واللجوء إلى حرمانهن من الرياضة.

لم تكن المعضلة في فحوى الفتوى بقدر ما أنها انتصرت للعرف السائد عند أغلب العائلات التي ترفض تواجد المرأة في الأنشطة الرياضية لمبررات جنسية بحتة، باعتبار أن تعرية رأس النساء في الملاعب عورة، وكل حركة تقوم بها سيدة أثناء اللعب مثيرة للغرائز، مثل اهتزاز الجسد والجري والاحتكاك وفتح الأرجل وغيرها.

وبنفس العقلية، حسم مرصد الأزهر للفتاوى موقفه من ممارسة المرأة للرياضة، واشترط لذلك عدة معايير صارمة دونها تصبح ممارسة الرياضة محرمة ومخالفة للشريعة الإسلامية، وكل سيدة تقدم على هذا الفعل ترتكب مخالفة دينية ومن ساعدها على ذلك ومهد لها الطريق لتلعب الرياضة.

وجاء على رأس شروط الأزهر في إباحة الرياضة للمرأة أن تمارسها بين نظيراتها من ذات الجنس، أي في حدود المجتمع النسائي، بعيدا عن الاختلاط بالرجال الأجانب ولا يجوز مشاهدتها من جانب الجمهور الذي يضم الرجال والسيدات معا، مسلمين وغير مسلمين، وهذا يعني أن مشاركة المرأة في البطولات محرمة وفق قناعات الأزهر، لأنها ستكون مكشوفة أمام الذكور.

وزاد مرصد الأزهر على موقفه عندما قال إن ممارسة المرأة للرياضة لها ضوابط يجب أن تتوافر حتى تكون تلك الممارسة مشروعة؛ منها أن تكون الرياضة التي تمارسها تناسب طبيعة المرأة ولا تخرجها عن حدود أنوثتها ولا تظهر مفاتنها بالصورة الفاضحة، وعليها أثناء ممارستها للرياضة ستر العورات والبعد عن مواطن إثارة الغرائز، أي أن تتحكم في حركاتها.

ويشعر المتابع لموقف المؤسسات الدينية تجاه علاقة المرأة بالرياضة بأن المجتمع الذي تعيش فيه النساء الراغبات في ممارستها لا ينظر إليها إلا بطريقة جنسية بحتة، وكأن جهات الفتوى مهمتها حماية السيدات من التحرش والتلذذ الذكوري بأجساد السيدات تحت مبررات وادعاءات واهية بأن كل فعل مخالف للشرع يجب التصدي له بالتحريم المطلق.

شروط مجحفة

يبدو أن جهات الفتوى غير مدركة أنها عندما تضع جملة من المعايير والشروط المجحفة على ممارسة المرأة للرياضة بدعوى حمايتها من النظرات الجنسية، فإنها بذلك تكرس القناعات التي تتعامل مع الرياضة النسائية بريبة، وكل سيدة اتجهت إلى هذا المجال متمردة أو خارجة عن الأعراف والتقاليد وتمارس أفعالا منافية للآداب.

صحيح أن اللباس الإسلامي لم يكن يوما معوقا لأي امرأة في ممارسة الرياضة التي تفضلها وتجد نفسها متميزة فيها، لكن في نفس الوقت لا يجب اختزال ممارسة النساء للرياضة في قالب جنسي ورهن الرياضة النسائية بالملابس الشرعية، لأن تكريس هذه القناعات يمنح المزيد من الدوافع للعائلات المحافظة لحرمان فتياتها من الاحتكاك بأي شيء له علاقة بالرياضة.

حتى أن اشتراط ممارسة المرأة للرياضة داخل مجتمع نسائي مغلق عليه دون اطلاع الرجال بالمشاهدة أو التلصص، فذلك ينفي الغرض الذي وجدت من أجله الرياضة النسائية، فكل فتاة تبحث عن إثبات ذاتها والوصول إلى تحقيق بطولات في تخصصها ملزمة بممارستها أمام عموم الناس وليس داخل الغرف المغلقة.

وتتعامل جهات الفتوى التي تتصدى للرياضة النسائية مع القضية من منظور خيالي، ووضعت أمام المرأة جملة من العراقيل التي تضاف إلى العشرات من التحديات التي تواجهها من الأهل والمجتمع، فليس منطقيا أن تحتك بالسيدات فقط ولا أن تضع كل اهتمامها في تجنب إثارة الغرائز وتترك التفاصيل التي تقودها لمنصات التتويج.

وإذا كانت هذه الفتاوى تاريخية وثابتة وتتجدد كل فترة بنفس النبرة والأسلوب، فإنها تسببت بمرور الوقت في دفن العديد من الكفاءات النسائية التي كان يمكن لها أن تنطلق وتصل إلى تحقيق البطولات المحلية والدولية وتخرج الفتيات من سجون العائلات التي تقدس الفتوى وتتعامل معها كجزء من الالتزام الديني لتجنب الأفعال المحرمة.

رياضة ضائعة

كانت حنان مصطفى، صاحبة العشرين عاما، إحدى ضحايا تحريم ممارسة المرأة للرياضة سوى في إطار ضيق، حيث داوم والدها على تعنيفها لفظيا كلما طلبت منه أن تلتحق بناد رياضي لممارسة هواية السباحة، فهي عاشقة لهذه الرياضة منذ الصغر ولا تترك بطولة إلا وتتابعها بشغف وتحلم بأن تصل ذات يوم لمكانة فيها.

وقالت الفتاة لـ”العرب” إنها تنتمي لأسرة مقتدرة ماليا، معضلتها في التزام والديها دينيا، وكلما تطرقت معهما إلى حلمها في ممارسة الرياضة يأتي الرفض القاطع لنفس المبررات التي تسوق لها جهات الفتوى بأن جسد المرأة عورة والسباحة تتطلب من المرأة أن تخلع لباسها وترتدي ملابس بعينها، ما يتنافى مع التعاليم الإسلامية.

وأضافت أن تدخل المؤسسات الدينية لرسم الإطار الذي يجب أن تكون عليه المرأة عند ممارسة الرياضة دفن كفاءات نسائية وجعلهن أسيرات للعقلية الأسرية المتحجرة التي تعيش على الماضي، وتلتزم حرفيا بما يسوق له علماء الفتوى الذين أوصلوا الناس للاقتناع بأن دخول السيدات الرياضة حرام لأنها قاصرة على الرجال.

وتؤمن هذه الفتاة بأن عدم تحقيق المرأة العربية لبطولات رياضية وضعف وصولها لمنصات التتويج لا يرتبط بغياب الكفاءات النسائية بقدر ما يتعلق بالجمود الفكري الذي أعاق السيدات المتميزات عن تحقيق أحلامهن ودفنهن في منازلهن وحرم عليهن اللعب بذريعة إثارة الغرائز لعدم الاحتكاك ببيئات رياضية فيها عناصر ذكورية.

وصارت بعض المجتمعات تتعامل مع المرأة الرياضية بأنها تحاول تشبيه نفسها بالرجال، وكثيرا ما تكون مدعاة للاستهداف اللفظي على طريقة “أنت مسترجلة”، “ماذا تركت للرجال”، في محاولة لترهيبها نفسيا كي تعيد التفكير أكثر من مرة في إمكانية العبث بسيرتها ونعتها بتوصيفات تؤثر سلبا على مستقبلها الزوجي والأسري، لتختار الابتعاد عن هذا المجال.

ومهما بلغت درجة التحضر على وقع التغيرات المتسارعة في عصر السماوات المفتوحة وتلاحم الثقافات، فاستمرار النقاش الأسري والديني حول الذي يجب أن ترتديه النساء المسلمات عند ممارسة الرياضة يظل محل جدل في حلقات دينية متشددة، ويظهر رجال دين يمنحون لأنفسهم الحق في تحديد ما يجب أن ترتديه المرأة وفق قناعاتهم الشخصية فقط.

وتتعقد هذه الإشكالية عندما يتم تصنيف الأسرة التي تطلق العنان للفتاة في ممارسة الرياضة، بأنها تخالف التعاليم الإسلامية. وباعتبار أن الأغلبية ترتكن إلى التدين الأصولي يكون من الصعب إقناع هذه الشريحة بأن إعمال العقل والمنطق أسهل وأفضل بكثير من الالتزام الحرفي بالفتاوى القديمة التي تجاوزها الزمن ولم تحترم متغيرات العصر.

فاتورة باهظة

أكدت عبير سليمان الباحثة والناشطة في قضايا المرأة أن النساء العربيات أكثر فئة تدفع فاتورة باهظة للجمود الفقهي، وكل امرأة تبحث عن تحقيق حلمها في التتويج رياضيا تصطدم بموجة من تأنيب الضمير من التيارات المتشددة، وعندما تنتظر من جهات الفتوى دعم موقفها تفاجأ بأنها تردد نفس نغمة التحريم استنادا للتراث.

وأشارت لـ”العرب” إلى أن حركات جذب المرأة للوراء حتى لا تصل إلى حلمها الرياضي أكثر قوة من أيّ وقت مضى تحت مسمى الموروث، وهذا يتطلب جرأة سياسية تكرس الحقوق الكاملة للنساء في ممارسة الرياضة بعيدا عن ترهيبهن، دون قيود أو شروط فضفاضة يتم وضعها وفق رؤية أصحابها، وليس القوانين والدساتير.

ولفتت سليمان إلى أن قتل الموهبة الرياضية عند النساء بداعي مخالفة اللباس الشرعي يقود إلى انتكاسة على مستوى الإنجازات والنتائج المحلية والدولية، ويكرس العنصرية المجتمعية ضد المرأة، ويجعل الرجال وحدهم يحتكرون المشهد لمجرد أن النظرة الجنسية صارت طاغية، مع أن أغلب متابعي المرأة عند ممارسة الرياضة لا يركزون في التفاصيل الجسدية ويهتمون بالموهبة.

ويرى الكثير من معارضي إقحام الفتوى في شؤون الرياضة النسائية أن تحضر المجتمع واقتناعه بأن ممارسة الرياضة حق مكفول للمرأة والرجل بلا قيود يصعب تحقيقه دون ابتعاد رجال الدين عموما عن تنصيب أنفسهم كقضاة على الأخلاق والقيم، والكف عن اختراع فقه يرتبط باللباس الرياضي وشرعيته وملاءمته للشريعة.

ويصعب تحقيق هذه الخطوة قبل أن تكون هناك إرادة حكومية فاعلة تمنح المرأة حقها في قطاع الرياضة ومقاومة التقاليد والعادات من خلال إقرار ممارسة الرياضة النسائية بالأمر الواقع دون أن يكون ذلك قراراً مجتمعياً أسرياً دينياً، وليكن ذلك عبر إقرار مناهج دراسية رياضية إجبارية في المدارس والجامعات تقود إلى أن تغيّر العائلات قناعتها تجاه الرياضة النسائية والمخاوف المرتبطة بها.

مناهج التربية البدنية

يقول مؤيدون للفكرة إن إقرار منهج التربية البدنية في مدارس البنات على مستوى عموم البلدان العربية السبيل الأمثل لوقف استسهال التحريم المطلق لممارسة المرأة للرياضة لأن العائلات سوف تكون مدفوعة لتطوير مستوى بناتها رياضيا، بعيدا عن الاقتناع بأن الاحتكاك بالرجال في الصالات وتغيير الملابس خارج المنزل يقود إلى أفعال وتصرفات غير أخلاقية.

وأكد أشرف عبدالحليم، أحد مدربي اللياقة البدنية في عدد من الأندية والصالات الرياضية بالقاهرة، أن القضاء على ثقافة التحريم المرتبطة بممارسة المرأة للرياضة يتطلب معالجة حكومية بإقرار التربية البدنية في مدارس البنات، لأن العائلات المحافظة لن تغير قناعاتها تجاه معايير الأنوثة إلا إذا ارتبطت الرياضة بالتعليم كجزء أصيل من النجاح والتفوق الذي يقودها لمنصات التتويج.

وأوضح لـ”العرب” أن مواجهة ثقافة العيب والحرام بشأن الرياضة النسائية تحتاج إلى تكريس ممارسة النساء للرياضة كثقافة مجتمعية وتربوية مع التركيز على العناصر الشابة والأجيال الصاعدة، لأن هؤلاء هم أرباب أسر في المستقبل، بحيث يكون الخطاب الموجه إليهم تعليميا وثقافيا أكثر تحضرا من الفتاوى المنغلقة التي توصد الأبواب أمام المرأة تحت مبررات جنسية.

وبعيداً عن إمكانية تعميم الرياضة البدنية للمرأة في المؤسسات التعليمية، فإن استمرار ربط التعري بممارسة الرياضة يقود إلى انتكاسة نسائية تجعلها أسيرة للتشدد، ما يتطلب مشروعا قوميا تتبناه دوائر صناعة القرار في البلدان العربية حتى يتقبل الوعي المجتمعي على نطاق واسع تواجد المرأة في النشاط الرياضي من دون النظرة الضيقة المرتبطة بالجنس والغريزة وقصص اللباس الشرعي وأنواعه وألوانه.

وبالتوازي مع هذه الخطوة، على المؤسسات الدينية أن توجه للمجتمعات العربية خطابات متحضرة حول الرياضة النسائية لأن الشريعة الإسلامية لم تحرم على المرأة الرياضة، أو تصادر حقوقها كما يدعي المتشددون، بل شجعت على التحضر والتفوق والإنجاز والنجاح في كل الأنشطة دون تمييز أو عنصرية ولم تعاقب الأنثى على كون بعض المتعاملين معها مهووسين جنسياً.

شرعية ممارسة النساء للرياضة باتت سؤالاً مطروحاً!

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبتها/كاتبها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
ديما الكاتب/raseef22- يحرص مؤرخو الفنون، على الفصل بين الفن الإيروتيكي، والفنون الإباحية، مستندين إلى القول: “إن الفن متعدد الطبقات بالضرورة، في حين أن المواد الإباحية أحادية البعد؛ لديها وظيفة واحدة فقط للقيام بها، وهي الإثارة الجنسية، وبالتالي فهي تفتقر إلى التعقيد الرسمي ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015