مهمشات إلى أن ينام القهر
Syrian Women Refugees

سلوى زكزك/سيدة سوريا- تستفيق سلمى على رطوبة باردة جداً تقض مضجعها، لتجد نفسها غارقة في ماء غزير، تتلمس الفراش وملابسها، ليس كابوساً ككوابيسها اليومية التي تزورها كل ليلة، بل حقيقة. لقد سالت المياه من فوهات الزجاجات غير المحكمة الإغلاق، وغرقت سلمى في الماء وبرت أوصالها بعكس ما كانت تنشده من دفء مؤقت قد يكون أحد الحلول الواقعية جداً والطارئة لحل مشكلة البرد الشديد ونقص المحروقات وارتفاع أثمانها بشكل جنوني، بات الجميع معها عاجزين عن تدبير أبسط الحقوق الإنسانية.

بعد نزوح شقيق سلمى من بيته في الضواحي إلى بيتها الصغير، تضاعفت أعباء المعيشة، وباتت سلمى واقعة تحت ثقل الديون ووطأة العوز.

منحت سلمى أخاها وعائلته غرفة المعيشة والمدفأة الوحيدة، وارتضت هي بحلول بديلة تنتهي دوماً بعكس ما يراد منها.

تتذكر سلمى كيف أورثت أمها شقيقها وحده بيت العائلة بعد ضغط مهول نفسي وترهيبي، تحت ذريعة (مال الأب من حق الابن الذكر وليس الصهر)، وتغيب البنت هنا لا عن الإرث وحسب بل عن الوجود، عن الإحصاء الرقمي. عملت سلمى في البيوت وادخرت ما يكفي لشراء منزل متواضع في حي مخالف وعشوائي يزنر محيط المدينة، الغسالة بالتقسيط والبراد جمعية و…، وفي النهاية، وعندما مرضت الأم جاؤوا بها إلى سلمى تمرضها وتقوم بالعناية بها وتسهر عليها لأنها خالية من أي ارتباط وبيتها ملكها وحدها دون منة من زوج أو أخ وأمها أولى ببيت سلمى وحنانها وتعبها.

 تلتهم خولة وربة الجوز بنهم مريع، نضحك على طريقتها الأقرب للاتهام من الأكل، وقد أحضرت إحدى الصديقات طبق وربات جوز تحلاية لشرائها منزلاً لابنها، تصرخ خولة بوله قائلة: “صرلي أكتر من ثلاث سنوات دون أن أتذوق الوربات”، وتضيف بأنها تقف مراراً وتحدق في واجهات محلات الحلويات حتى الشعبية منها وتشتري لأبنائها فقط أو هدية لأهلها أو أهل زوجها، لكنها لا تأكل، هي الأخيرة في قوائم المذكورين للطعام. هي من يتناول ما تبقى في أطباق الأطفال بذريعة الخوف من العقاب الرباني لهدر الطعام وتحت ذريعة كله غال ومكلف، ومبرر أن الأولاد بحاجة للغذاء ليكبروا، سقطت أسنانها كلها وأصيبت بترقق العظام،

اللوم كله تضعه على القدر وليس على سوء التغذية وحرمانها هي كحلقة أضعف في الترتيب الأسري من أساسيات الحياة. البالة هي مصدر لباسها أما الزوج المصون فلا يقبل بالبالة مصدراً لهندامه الأنيق لا بل إنه يرسل ملابسه للمصبغة بعد أن أبدى مراراً وتكراراً عدم إعجابه بكي خولة لملابسه ويجبرها على اقتطاع مبلغ كبير من مصروف المنزل مقابل نفقات المصبغة. تضحك وتعلل قائلة: “كل مل ننفقه على المصبغة لا يعادل قيمة قلم حمرة”، مع أنها لم تشتر قلم حمرة منذ أعوام طويلة وإن اشترت فأسوأ الأنواع وأرخصها قيمة.

ثمة نساء يبالغن في تهميش ذواتهن، وفي الأعماق يترجين راحة بلا حساب، يوماً دون ورقة وقلم وحذف من هنا وإضافة من هناك.

تطبخ سميرة فقط من أجل ابنها المتعالي، الذي يحدد أنواع الطعام التي يقبل بتناولها، باعت قرطها ليصلح أسنانه وهو في السادسة والعشرين وعاطل عن العمل، يسخر من كل أقرانه المتعلمين أو العاملين، على أمه تسديد مبلغ شهري لنفقات النت وإصلاح الجوال والسجائر، وما تبقى بالكاد تسدده فواتير إلزامية، تلبس بنطالاً مرقعاً من الحواف الداخلية وتقبل كل أعطيات الملابس ممن كان ومهما كان مستوى الملابس أو جودتها أو مناسبتها لعمرها وجسدها، ثمة صورة نمطية تهمش المرأة حتى عن الاستهلاك المتساوي في الطبابة والغذاء والنفقات الأخرى مثل الإنفاق على الهاتف الجوال أو على الرحلات المشتركة أو الملابس الجديدة. بالمقابل تكرس كباذخة لا يهمها سوى مظهرها ومكياجها، سمعت رجلاً عاطلاً عن العمل يقول لزوجته بأن مرتبها الذي تصرفه على الزوج والأبناء لا يكفي في الحرب، وعلى الرغم من تضاعف مهام النسوة، بتن مضطرات للقبول بالتهميش المعلن دونما نقاش أو مواربة أو حتى صرخة، تخرجن من البيوت للبحث عن الرجال الغائبين وعند عودت إحداهن يقال لها: كيف تتركين أطفالك وحيدين؟ وكأنها مجرمة! وقد يسألها الزوج المعاق أو المصاب عن كم تلطيشة سمعتها من زعران الطرق السائبين وعن كم ضحكة بادلت بها الشباب الأرذال، وإن عملت في شطف الأدراج يستلمون كل ما تقبضه مقابل تعبها مشككين مراراً في مصدر الأموال، أو باحثين عن مبلغ ما ادخرته بالسر عنهم لشراء قلم كحلة مثلاً أو علبة مانع حمل.

في مجالس العزاء تجلس النساء مع النعش، وكأن مهمتهن هي البكاء والنحيب، يقولون للمترملة حديثاً: جسر بيتك وقع، ويقولون للمترمل حديثاً، بأن موت الزوجة (مثل ضربة الكوع مؤلمة جداً لكنها تشفى بسرعة)، يجهز الأرمل نفسه للزواج، وقد تسعى قريباته لاختيار الزوجة الجديدة من جماهير المعزيات، أما المراة فليس لها إلا الانتظار والسقوط والإغماء والندب والبكاء.

أقسى أنواع التهميش هو الذي يتحول إلى عرف وقاعدة عامة، تمارسها المرأة بقبول منقطع النظير وصنمية مرعبة.

التهميش هو عملية قسرية مزدوجة الأطراف، صامتة كالقبور وواخزة كالموت، موت حي يتنقل بيننا بخفة ويسر بالغين.

Syrian Women Refugees

Syrian Women Refugees

أترك تعليق

مقالات
مايا البوطي/aljumhuriya- في صفحات موجزة لكن إشكالية، تبحث جوديث بتلر في مفهوم اللاعنف كحل لتعقيدات عصرنا الراهنة، والتي ترتبط بالهوية ومفهوم الأمة والحدود والبحث عن آليات المقاومة اللاعنفية ضمنها. جوديث بتلر فيلسوفة أميركية، لها إسهامات رائدة في مجالات الفلسفة النسوية، ونظرية النوع ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015