مي زيادة.. من الصالون الأدبي إلى المصحة العقلية
“ليالي إيزيس كوبيا” للروائي واسيني الأعرج

aletihadpress- أطلق عليها النقّاد لقب امرأة الثورة والنهضة الأدبية، أعطت للمرأة مكانتها في شرق كان غارقاً في الموروث حتّى أذنيه، نادت بالحرية والمساواة، ودعت إلى انخراط المرأة العربية في المجتمع بشكل فاعل. هي مي زيادة الأديبة اللبنانية التي مزجت بين أصالة الشرق وتقدّم الغرب، فقدّمت نموذجاً صادقاً ومبدعاً في زمنٍ كثير المتغيّرات على مشارف القرن العشرين، حيث كانت أشهر الوجوه النسائية الأدبية في زمانها، وعبر التاريخ العربي بأكمله.

نصيرة الأدب.. ومعشوقة الأدباء والمفكرين

على الرغم من وجود الكثير من النساء اللواتي كنّ نداً للرجل في ميادين عديدة كالسياسة والأدب والفنّ، إلا أن مي زيادة ما زالت تعتبر أكثرهنّ شهرة، وأكثرهنّ شغلاً للرأي العام.

أتقنت مي العديد من اللغات الأجنبية مما حولها في ذلك الزمن إلى مثقفة موسوعية وإلى عشيقة للأدباء والمفكرين الذين تغنوا بجمالها وأدبها وكلماتها.

بدأت مي الكتابة في مجلة المحروسة المصرية بعد تولي والدها إدارة المجلة، ودرست في مصر في كلية الآداب، وأتقنت اللغة الفرنسية ووضعت بها عدد من القصائد الشعرية، إضافة إلى اللغات الإنكليزية والإسبانية والإيطالية، وحتّى اللاتينية القديمة.

تابعت مي دراستها في الأدب العربي والتاريخ الإسلامي والفلسفة في جامعة القاهرة، وكانت مجموعتها الشعرية “أزاهير حلم” باللغة الفرنسية أول كتاب لها أبصر النور، من ثم توالت مؤلفاتها ومنها “باحثة البادية” الذي تناول مسألة حقوق المرأة ووضعها في الجتمع، ومؤلف “مساواة” الذي عالجت به مشاكل الطبقية الاجتماعية، وأيضاً “ألصحائف” وهو عمل في النقد الأدبي، وغيرها من المؤلفات التي بلغ عددها 15 مؤلفاً، إلى جانب آلاف المقالات والخطاب.

اشتهرت مي زيادة بمقدرتها الخطابية الغير مسبوقة بحسب شهادة العديد من معاصريها، فقد جمعت قوة التعبير، وجمال الصوت، وسلامة الذوق، وهذا ما دفع مي لتأسيس صالونها الأدبي في القاهرة الذي جمع عمالقة الفكر والأدب والسياسة والفن.

ظلّ الصالون مفتوحاً لمدة عشرين عاماً، وكان يرتاده دورياً قامات كبيرة مرموقة مثل الإمام محمد عبده، والفيلسوف مصطفى عبد الرازق، والمفكر أحمد لطفي السيد، والأديب قاسم أمين، وعميد الأدب العربي طه حسين، والشاعر خليل مطران، والأديب الشهير عباس محمود العقاد، وأمير الشعراء أحمد شوقي.

عبر هذا الصالون ذاع صيت مي في العالم العربي، حيث وصفها مصطفى عبد الرازق قائلاً بأنها أديبة جيل، كتبت في الجرائد والمجلات، وألفت الكتب والرسائل، وألقت الخطب والمحاضرات، وجاش صدرها بالشعر أحياناً، وكانت نصيراً للأدب، تعقد للشعراء والأدباء في دارها مجلساً أسبوعياً لا لغو فيه ولا تأثيم، ولكن حديث مفيد وسمر حلو، وحوار من غير جدل ولا مرار.

بينما وصف الشاعر إسماعيل صبري مي وصالونها قائلاً:

روحي على بعض دور الحي حائمة                           كظامئ الطير تواقاً إلى الماء

إن لم أمتع بمي ناظري غداّ                                   ما كان صبحك يا يوم الثلاثاء.

إيزيس كوبيا في المصحة العقلية

رغم مخاطبة كبار المثقفين والشعراء قلب مي، إلا أن قلبها كان مشغولاً ومأخوذاً طوال حياتها بالشاعر جبران خليل جبران، مع أن مي وجبران لم يلتقيا أبداً طوال حياتهما، وكان تواصلهما مقتصراً على رسائل تبادلها الاثنين لمدة عشرين عاماً.

بعد كارثة وفاة والد مي وأمها، صدمت مي بموت حبيبها وشريكها جبران خليل جبران، ما انعكس على صحتها الجسدية والنفسية ونتاجها الأدبي.

حاول بعض أقارب مي استغلال هذه الظروف للاستيلاء على مالها وأملاكها؛ فدبروا لها مكيدة، وأدخلوها بموجبها إلى مصحة للأمراض العقلية في بيروت وحجزوا على كل ما تملك.

عندما شاع الخبر هبّ عدد من الأدباء والمثقفين لنجدة مي وعلى رأسهم الأديب اللبناني الكبير أمين الريحاني، واستطاعوا بعد أخذ ورد إخراج مي من الصحة وإعادتها إلى مصر، لتبدأ صحتها بالتدهور هناك ثم توافيها المنية عام 1941.

بذل الروائي الجزائري واسيني الأعرج جهوداً كبيرة وهو يتقفى المراحل الأخيرة من حياة مي، واستطاع الحصول على عدة مخطوطات تتحدث فيها مي عن فترة إدخالها إلى المصحة العقلية، وأعاد واسيني صياغة كل هذه الأمور في روايته “ليالي إيزيس كوبيا”، وهو الاسم المستعار الذي استخدمته مي عند إصدارها مجموعتها الشعرية في اللغة الفرنسية.

وصف واسيني الأعرج كيف اقتيدت مي إلى المصحة العقلية مرغمة، وحكى عن المشاعر التي كانت تختلجها، فتقول مي في الرواية: كنت داخل فراغ شبيه بدوار الموت، هل التي كانت بين أيديهم الحديدية هي مي الكاتبة المعشوقة من عشرات الرجال؟

وكتب واسيني أن مي ختمت مخطوطتها بعبارة دونتها على الظهر تقول فيها: دونتك يا وجعي وهمّ قلبي. لترحل بعدها مي زيادة، ويقفل صالونها الأدبي بعد موتها، ويبقى ذكرها حاضراً حتّى اليوم.

“ليالي إيزيس كوبيا” للروائي واسيني الأعرج

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
wilpf- إن التحديات والمعاناة التي تواجه النساء السوريات منذ اندلاع النزاع قبل عقد من الزمن باتت واضحة وضوح الشمس. لقد فقدت النساء بشكل مطرد الأمن والسكن وسبل العيش وأفراد من أسرهن ومكانتهن الاجتماعية، بالإضافة إلى تعرضهن للعنف الأسري والتحرش الجنسي والتمييز المؤسسي الممنهج في كل جانب ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015