نريد دستوراً يليق بصبرنا وصلابتنا نحن السوريّات
اللجنة الدستورية السورية/ جنيف

إيمان أحمد ونوس/ alnnour- رغم كل القهر الذي يلفُّنا بسبب ما يجري اليوم من عدوان سافر على سورية وشعبها، عدوان تحالفت فيه كل القوى بكل تصنيفاتها وألوانها وأهدافها من أجل تفتيتها وتشتيتنا. ورغم طغيان مدّ القوى السلفية والأصولية وتأثيرها، بكل ما تحمله من تخلّف وقيود ترمي لبقائنا خارج الحضارة والحياة المدنية، في مجتمعٍ لا يُمكنه الانغلاق على لون واحد، بحكم تنوّعه الاجتماعي والثقافي وحتى السياسي. ورغم التضييق على المجتمع المدني الذي يسعى للانتقال بسورية والسوريين نساءً ورجالاً إلى دولة المواطنة الحقيقية التي يسودها دستور يساوي بين الجميع في الحقوق والواجبات، بغضّ النظر عن أيّ انتماء؛ رغم كلّ هذا، لا يمكننا نحن السوريّات إلاّ التّشبّث بالأمل زاداً أوحد في مسيرتنا التي بدأت منذ أكثر من قرن على طريق المساواة الكاملة مع الرجل واعتبار المرأة إنسانة ومواطنة كاملة الحقوق والواجبات أمام القانون، ديدننا الإصرار والعزيمة التي لا يمكن أن تلين أو تتهاوى أمام كل ما يعترضنا اليوم من عراقيل وعقبات تفرضها السلفية والأصولية التي تسود العديد من المواقع المفصلية، مثلما تسود العديد من المواد والقوانين التي لا تريد لنا الخروج من أسوار (الحرملك) الذي تبتغيه اليوم كثيراتٌ ممّن عُدنَ أدراجهن إليه لأسباب مُتعدّدة ومُختلفة يعرفها الجميع، بعد حربٍ قادتنا إلى الهلاك والدمار على مختلف الأصعدة والمجالات.

اليوم، ونحن بانتظار مناقشات اللجنة الدستورية في جنيف، علينا أن نضع تصوّراتنا وآمالنا التي نريدها من تلك اللجنة التي ستصيغ دستور سورية المُقبل، الذي نريده دستوراً مدنياً ينقلنا إلى دولة المواطنة الحقيقية ومساواتنا جميعاً (رجالاً ونساء) في الحقوق والواجبات دون تمييز واضح أو ضمني على أساس الجنس أو الدين أو العرق والقومية أو… الخ. لأنه من المعلوم تماماً أن المرأة السورية ورغم كل ما حققته من إنجازات على مستوى العمل والعلم والمشاركة السياسية، ما زالت تُعاني كثيراً من حالات التمييز على المستوى المجتمعي والرسمي، بحكم قوانين تمييزية تُحابي الذهنية المجتمعية السائدة والقائمة على التمييز والعنف ضدّ المرأة، لاسيما في قانون الأحوال الشخصية الذي لم يعد يواكب تطور المرأة وحضورها الطاغي في مختلف المجالات، لاسيما في ظلّ الحرب التي مازالت مُشتعلة في بعض المناطق حتى اليوم، باعتباره قانوناً وُضع قبل نحو أكثر من ستين عاماً استناداً إلى أحكام قدري باشا أيام الاحتلال العثماني.

فالمرأة السورية التي دخلت ميادين العلم والعمل قبل سنّ هذا القانون، وأثبتت أنها جديرة بكل الأماكن التي توضع فيها، والأعمال التي تُسند إليها على مختلف الجبهات والميادين، السورية التي ما زالت حتى اليوم تنتقل من إنجاز إلى آخر توّجته وقفتها الجريئة والصبورة خلال حرب التهمت كل إمكانية للحياة والحضور الإنساني، حتى تركتها وحيدة تُصارع للبقاء على قيد الحياة هي ومن معها من أبناء وأهل، خالية الوفاض إلاّ من صبرها وإصرارها على إثبات أنها لا تقلّ جدارة وقوّة عن الرجل، بل تجاوزته في العديد من المسائل خلال الحرب، حين وقفت متصديّة للجوع والتشرّد والفقر، بانخراطها في أعمال كانت حكراً على الرجل حتى اندلاع تلك الحرب، فكانت ولم تزل قادرة على القيام بأي عمل مهما كان شّاقّاً أو عسيراً، وحمل أيّة مسؤولية مهما عظُمَت رغم لهيب الحرب والذهنية المجتمعية التي لا تريد أن تراها سوى تابع للرجل حتى ولو كان أقلّ مقدرة علمية أو اجتماعية أو مهنية منها، يتوّج كل هذا قوانين لا تساوي بينهما سوى في قانون العمل الذي يُعتبر متطوراً في هذا المجال عن العديد من قوانين العمل في باقي الدول حتى المُتحضّرة منها.

وانطلاقاً من كلّ هذا، نريد صياغة دستور يأخذ بعين الاعتبار كل ما ذكرناه أعلاه، ويعمل على تعزيز مكانة المرأة في المجتمع كحقٍ طبيعي من حقوقها لا هبة أو هدية من أحد منطلِقاً من مطالب أساسية كان النضال من أجلها وما زال شّاقّاً وعسيراً بسبب سيطرة الذكورية/ البطريركية على كل مفاصل الحياة ابتداءً من البيت وليس انتهاءً بالقوانين التمييزية التي تُعرقل الحياة الطبيعية للمجتمع بأسره.

ولأجل انطلاقة سورية حقيقية وفاعلة على مسرح الحياة الدولية والمحلية نبتغي من هذه اللجنة ما يلي:

  • دستوراً حضارياً يساوي بين الجميع في الحقوق والواجبات، خالياً من فقرة تمييز إيجابية كانت موجودة سابقاً لعقود طويلة ولم يتحقّق منها ما يوازي حضور المرأة الواقعي والعملي في المجتمع.
  • الالتزام التّام بالاتفاقيات والمعاهدات والبروتوكولات الدولية التي صادقت عليها سورية كاتفاقية حقوق الطفل واتفاقية سيداو، ورفع كلّ التحفّظات عن تلك الاتفاقية بما يعمل على ملاقاة التغييرات الحاصلة على وضع المرأة خلال الحرب وما بعدها، على اعتبار أن رفع التحفّظ الذي جاء بالمرسوم التشريعي رقم 230 لعام 2017 عن المادة الثانية منها مُذيّلة بعبارة (بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية) لا يُغيّر من الأمر أو الواقع شيئاً يُذكر أو يمكن البناء عليه خاصّة أن هذه المادة في غالبية بنودها تتناسب والدستور السوري الذي ساوى بين الجنسين في كل المجالات. لكن الواقع الحقيقي مُخالف لهذا، إضافة إلى أن رفع التحفّظ عن الفقرة الرابعة من المادة 15 المتعلّقة بحرية التنقّل والسفر والإقامة لم يتمّ تشميلها برفع التحفّظ عملياً، لأنها تتعارض مع المادة 70 من قانون الأحوال الشخصية.
  • وعليه، نريد قانون أسرة عصري يواكب خروج المرأة للعمل ويحمي حقوق الجميع سواء خلال الزواج أو بعده بما فيها الرجل، تلك الحقوق التي باتت مُهدّدة بحكم الوضع الاقتصادي والبطالة المُستشرية.
  • تعديل باقي المواد التمييزية في بعض القوانين السورية بما يتناسب واتفاقية السيداو، وسن تشريعات أو تعديلات تشمل الجميع بغض النظر عن الانتماء الديني، كما حصل حين صدر المرسوم رقم 7 للعام 2011 حول مسائل الإرث والوصية الخاص بالطوائف الأرثوذكسية والذي اعتمد في تحديد النسب واكتسابه الدرجة القطعية في حال الشكّ بنسب المولود، كما ساوى بين الجنسين لأبناء هذه الطوائف في الميراث، فأصبحت البنت قاطعة له في حال عدم وجود ذكر.
  • إخراج قانون الطفل الذي أعدّته سابقاً الهيئة السورية لشؤون الأسرة منذ بداية تأسيسها في العام 2003 إلى حيّز التطبيق من أجل إلغاء زواج الأطفال، وسنّ عقوبات رادعة حقيقة لمن يُشرّع هذا الزواج، وأيضاً ضرورة رفع إلزامية التعليم حتى نهاية المرحلة الثانوية بما يضمن الحدّ من زواج الأطفال أو تسرّبهم من المدارس لأية ذريعة كانت مع عقوبات جدية وفاعلة للأهل والهيئات المعنية في وزارة التربية بما يُلغي الاتفاق الضمني بينهما على عدم ملاحقة أو معاقبة الأهل في حال عدم إتمام الطفل تعليمه.
  • النظر بوضع الشباب السوري الذي اغتالته البطالة لاسيما بعد نهاية التحصيل الجامعي بما يفسح المجال أمامهم في مختلف المجالات العلمية والعملية والاجتماعية حين يتهيؤون لبناء أسرة باعتباره حقاً طبيعياً على الدستور أن يكفله ويضمنه لهم كي نُخفّف من حدّة هجرة العقول ونستوعب مختلف الطاقات الشبابية التي لا يمكن بناء سورية ما بعد الحرب إلاّ من خلالها.

لا أعتقد أننا فيما طرحناه من مطالب حالمات أو واهمات، لأن بإمكان الحكومات تحقيق كل ذلك وأكثر حين تمتلك الإرادة والجرأة لمواجهة ضغط وتأثير التيارات السلفية والأصولية التي تسعى لبقائنا خارج التاريخ والحياة.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”. 

اللجنة الدستورية السورية/ جنيف

اللجنة الدستورية السورية/ جنيف

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015