نساء الراين واستخدام “المقصّات” للحدّ من هيمنة الرجال!
Weiberfastnacht

أسماء يوسف/ amalberlin- لا يستطيع رجلٌ تجاهل شعوره بالخوف الفطري لمجرد التلويح بعلامة المقص أمام عينيه، روى لي أحد الأصدقاء يومًا ما بأنه ترك امرأة كان يواعدها لأنها مازحته مهدّدةً بالإشارة بعلامة المقص إذا أقدم على خيانتها رغم تأكّده من أنها تمازحه فقط، صديق آخر أخبرنا أن أكثر خبرٍ مرعب بالنسبة له لم يكن عن الحروب ولا المجاعات ولا نهاية العالم، بل كان خبرًا حول قيام امرأة صينية بقطع عضو صديقها بسبب الخيانة.

لم تكد زميلتي تخبرنا عن أحد طقوس “مهرجان المرأة” Weiberfastnacht والذي تحتفل به اليوم منطقة الراين والمتمثّل في قيام السيدات بقص ربطات عنق الرجال كرمزيةٍ للتقليل من قوتهم، حتى علّق زميلي عبود بصوت منخفض: “منيح انهم ما بيقطعوا شي ثاني!”.

للوهلة الأولى بدا لي الأمر مضحكًا، ففيه رسالةٌ ما للرجل بإمكانية تجريده من قوته الذكورية التي أخضع المرأة لها عبر الزمان، ولكن بعد قليلٍ من البحث وراء الخلفية التاريخية للمهرجان، اختفت لديّ مسحة المرح والضحك ليراودني شعور بأن فكرة المهرجان كان بها من الاستهزاء بالمرأة ما يكفي لإقناعها بأنها حصَلت بعض القوة من خلال مُضايقة الرجال في أجواءٍ احتفالية لأجل إسكاتها بقية العام!

حسنٌ.. فلنرى إن كان للاحتفال أي رمزية إخصائية للرجل؟ وهل بالفعل مثّل شكلاً من أشكال منح السلطة للمرأة؟ وكيف يراه البعض الآن؟

سفارة الراين في برلين ومهرجان النساء

حوائط مرصّعة بصور بعض السياسيين والمناضلين القدامى، شعار “كولونيا” يحتلُّ جزءً كبيراً من أحد الجدران الزجاجية للمكان، في الواجهة تتصدّر المطرقة والمنجل، حائطٌ آخر عليه لافتةٌ مكتوبٌ عليها “بون”، بمجرد أن أخبرت النادل بأنني صحفية وأكتب عن مهرجان النساء سارع بإحضار كتيّبٍ يشرح تاريخ البار Ständige Vertretung أو سفارة الراين في برلين، كما أحضر لي بطاقةً لحفل الليلة.

وما هي إلا دقائق وجاء ضيفي الأول مارتن فيلدنر، كأول رجل ألماني أقابله ويظلّ مبتسماً طوال النصف ساعة مدة المقابلة، رجل كولوني يعيش في المهجر البرليني!.. بحماسٍ قال لي: “أقول دائمًا أنا من كولونيا لأنني أحبّ الناس هناك كما أحبّ الكرنفالات”.

ويضيف بنفس الحماس: “يعدّ مهرجان النساء اليوم، الأول من مهرجانات ما قبل فترة الصوم الكبير (تبدأ بعد أربعاء الرماد حيث ينتهي الكرنفال) ويبدأ مهرجان النساء Weiberfastnacht يوم الخميس الساعة 11:11 صباحاً من خلال انطلاق المهرجانات في ميادين وشوارع كولونيا الكبرى، حيث تذهب النساء في ملابس تنكرية إلى المصالح الحكومية ليحتفل الجميع معاً وتقوم النساء بقصّ ربطات عنق الرجال، ثم تطبع قبلةً على خدّ الرجل تسمى Bützchen وفقًا للتقليد”.

وبخصوص الاحتفال في المهجر “برلين” تقوم سفارة الراين بتنظيم الحفل سنوياً، حيث يتجمّع المحتفلون في أحد الأماكن بالملابس التنكرية للرقص والمرح واحتساء البيرة الكولونية Kölsch. ويضيف مارتن بأنه عندما كان يعيش في كولونيا قبل الانتقال لبرلين كان يتعمّد ارتداء ربطة عنقٍ قديمة يوم المهرجان.

مناسبة رأسمالية لحقها التنوع

لم تبدِ الصحفية بابو هينريكس من كولونيا أيّ حماس تجاه المهرجان، تقول: “صدقاً أنا شخصياً أكره هذا المهرجان لأنه يبدو كما لو أنّ الناس يرتدون ملابس معيّنة ليشربون قدر الإمكان بأسرع ما يمكن بكل ما يترتب عليه من عواقب وسلوكيات بغيضة، فهو مجرد بيزنس ضخم يتضمّن بالطبع مراكز التسوّق الخاصة بالأزياء التنكرية، أضف إلى ذلك أنها تعدّ نقطة قوّة للشخص أن يصبح عضواً في أحد مجتمعات المهرجانات التقليدية القديمة، والتي هي بمثابة أحد نوعان من المهرجانات فهي يتم الترويج لها على المستوى الرسمي وعلى نطاقٍ واسع بالإضافة للاهتمام والبث، بعد ذلك هناك مهرجانات أكثر خصوصية كمهرجانات الأحياء والمدارس وهي تتميّز بأنها أقلّ كلفةً ولا تشهد السلوكيات غير اللائقة كما أنها جيدة للأطفال”.

وحول التنوّع في مهرجان النساء تقول بابو: “بالطبع يوجد تأثيرات حديثة على المهرجان، فعلى سبيل المثال يوجد بالمهرجان أُمراء مثليّون وأميرات مثليّات، أُمراء مسلمون وتجمّعات يهودية، لكن المؤكّد أنّ هذا ليس بشيءٍ يحفزّه المهرجان نفسه، كلّ ما حدث هو أن مجتمع الميم والأقليات العرقية والدينية انضموا في نهاية الأمر”. وتضيف: “على كلٍ هو تقليد إقليمي خاص بمنطقة الراين، وبعيداً عن أهمية الكرنفال للمحبّين أو الكارهين له فالمهتمين يمكنهم حلب التقاليد من أجل المال”.

هل نحتفل بهزيمة المرأة أم انتصارها؟

حسنٌ، تعود إذاً فكرة المهرجان إلى العصور الوسطى عندما كانت المرأة تختبر أسوأ فترات حرمانها من حقوقها، عندما كانت المرأة مجرّد جزءٍ من حياة الرجل يسيطر عليه ويديره كيفما شاء، لتأت النساء وتحاول التمرّد على هذا الوضع، فيتطوّر الأمر إلى “منح” النساء يوماً يمكنهن فيه ترك المنزل والأبناء والزوج والخروج للاحتفال في الشوارع واحتلال المباني الحكومية والقيام بقطع ربطات عنق الرجال ثم طبع قبلة شكرٍ على خدود الرجال.

بالنسبة لي كامرأة شاهدة على سياقات مرعبة لاضطهاد المرأة في العالم لا أرى هذا الاحتفال سوى تكريسٍ لصورة هازئة للمرأة، أتخيّل كيف فكّر الرجال وقتها ربما قالوا: “دعوهن يخرجن يوماً إلى الشوارع يلهين وندعهن يقطعن ربطات العنق خاصتنا، كي يحصلوا على شعورٍ بالانتصار الوهمي. وبهذا نتخلّص من مطالبتهنّ بحقوقهنّ بقية أيام العام”.

أتخيّل فرط القوة التي كان يشعر بها الرجل آنذاك وهو يسمح “لهذه المخلوقة المكمِّلة لكيانه من وجهة نظره” وهي تقطع له ربطة عنقه ثم تكافئه بقبلةٍ لصبره عليها.

ولكن ربما مثّل هذا المهرجان خطوةً في مسيرة المرأة نحو التحرّر؟

تجيب بابو: “لا أظنّ ذلك، على الأقل لم أسمع أبداً بذلك، ففي العصور الوسطى منح أيّ قوةٍ للنساء كان ليقلب العالم رأساً على عقب، وفي رأيي الشخصي هم أرادوا من وراء هذا الاحتفال أن يهدؤوا النساء حتى يتمكّن لهم التصرّف خلال بقية العام”.

أما مارتن فيقول: “لست خبيراً في هذا الأمر، أنا في جانب المرأة والمساواة في الحقوق لكن في العصور الوسطى كانت الأمور مختلفة تماماً عما هي عليه الآن، والمهرجان أصبح فقط شيء لأجل المرح الرجال والنساء يحتفلون معاً، حتى خلال مهرجان النساء. ولا أظن حتى أنه هناك كثيرون يعلمون تاريخ المهرجان، في ظنّي أن معظم الناس تحتفل لأنه يسبق الصوم الكبير قبل عيد الفصح، بل إنّ حتى مسألة قطع ربطات العنق برمزيتها ليست شائعةً كثيراً هذه الأيام”.

رمزية للإخصاء أم لتقليل القوة؟

لدى قيامي بالبحث عما يمثّله الاحتفال بكل مافيه، وجدت بعض التلميحات لرمزية الإخصاء في طقس قطع ربطة العنق أو حتى لطقوس الخصوبة لدى الرومان، وهو ما نفاه بعضٌ من الخبراء في عددٍ من اللقاءات الصحفية مؤكّدين على أن المهرجان يعود للعصور الوسطى ويعدّ تقليد مسيحي للاحتفال بفترة ما قبل الصيام.

وبخصوص فكرة التهديد بالإخصاء بسبب الخيانة يقول مارتن: “لا أظن أنه يرمز لأي شيء من هذا القبيل، لكن بمناسبة الخيانة ينطوي المهرجان على شيء آخر، وهو أنه يسمح بناءً على الاتفاق بين الشركاء تبادل القبل مع غير الشركاء، ثم يتمّ بناء رجلٍ من القش يقوم المحتفلون بإحراقه آخر ليلةٍ في الكرنفال معوّلين عليه كلّ الذنوب والمخالفات القانونية التي ارتكبوها خلال الاحتفال، ومن بينها هذه القبلات”.

ربما لا يعدو المهرجان كونه مناسبةً استهلاكية تطير فيها آلاف بل ملايين اليوروهات من جيوب المحتَفلين إلى حسابات أصحاب رأس المال، مقابل ساعاتٍ من اختبار البهجة والحرية والتحرّر من بعض القيود، وربما هي مناسبةٌ يستفيد منها صغار التجار ويبتهج فيها المشاركون دونما العودة بالتفكير إلى نساء الطبقات الاجتماعية الدنيا اللواتي شاركن في هذه الاحتفالية قبل مئات الأعوام..

على كلٍ علّي أن أتوقف هنا كي لا أضطر مدير التحرير لفرض قوّته الذكورية واختصار المقال، ومن ثم تفكيري في قصّ ربطة عنقه خاصةً أنني أتجهّز الآن للذهاب إلى الكرنفال مصطحبةً مقصّاً صغيراً وماسك لإخفاء الوجه!

Weiberfastnacht

Weiberfastnacht

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
نظرًا لما تراءى للنسويات من تأثير أخلاقيات البيولوجيا على حيوات النساء تأثيراً كبيراً ومباشراً، وارتباط أخلاقيات البيولوجيا بموضوعات عديدة هي نسوية بالأساس؛ فإنّ الاهتمام البحثي في مجال أخلاقيات البيولوجيا من جانبهنّ أمرٌ طبيعي وضروري. وبالبحث والتحرّي النسويين، وبالمنهجية النسوية ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015