نوال السعداوي.. مرة أخرى!
غلاف مجلة التايم عام 1981/ د. نوال السعداوي؛ شخصية العام النسائية

فرية النقاش/ موقع (c-we) الإلكتروني- يُنهي “ارنست إيمنيونو” محرر كتاب قراءة في أعمال “نوال السعداوي” مقدمته للكتاب قائلاً: “بالنسبة لنوال السعداوي الكفاح مستمر”. فكيف سيكون شكل هذا الكفاح ومجاله, تردُّ “نوال” قائلةً “يجب أن تبدأ بنفسك, من أرضك, وليس بوجودك في كلّ مكان, ولهذا يجب أن يبدأ الكفاح محليّاً, ثم يتمدّد ليكون عالمياً, يجب أن تبدأ من أرضك, من قريتك, من بلدك, من دولتك لتحرّر نفسك”.

تحرير النفس إذن هو عمل مجتمعي بامتياز, ولطالما أثارت نوال السعداوي القلق, بل قل الخوف في نفوس كلّ ممثلي السلطة الرجعية والاستبدادية بل حتى في نفوس هؤلاء الذين استسلموا لما هو “ثابت” ومتفق عليه يُقنع بعض الخاضعين بخضوعهم باعتباره وضعاً طبيعياً, واطمأن المستبدون لدوام الحال الذي يمنحهم حقوقاً وأماناً، لتأتي مفكّرة ومبدعة شأن نوال السعداوي فتفجّر كل ما هو “ثابت” و”متفق عليه”, أي كل ما يؤكّد اقتناع ملايين المواطنات والمواطنين بأنّ ما يعيشون في ظلّه هو “الأمر الطبيعي” هذا الأمر الطبيعي هو الذي قرّرت “نوال السعداوي” منذ تفتّح وعيها أن تفككه وترجعه لأصوله، شأنها شأن كل المكافحين من أجل تغيير العالم الذين راهنوا جميعاً علي الوعي الجمعي للمواطنات والمواطنين.

وليس بوسعنا إلا أن نرى في دعوتها هؤلاء جميعاً إلى تحرير أنفسهم رجالاً ونساءً, أن نرى في هذه الدعوة غضباً ورفضاً مبكراً جداً لازدواجية بعض الداعين إلى التغيير للأفضل, إذ يفصل هؤلاء بين العام والخاص, ويمارسون في حياتهم الشخصية كل ما ينتقدونه من سلوكيات مريضة, ويفقدون بالتالي أي قدرة على إلهام الآخرين, والذين غالباً ما يتطلّعون إلى القدوة التي من المفترض أن يقدّمها لهم دعاة التغيير.

طالما تمنيتُ أن لا تندرج مسألة التناغم والتوافق بين الأقوال والأفعال في ميدان الأخلاق وحدها -رغم الأهمية البالغة لهذا الميدان- خاصةً فيما يتعلّق بممارسات المناضلين التقدّميين، وإنما تمنيتُ أيضاً أن يصبح هذا التناغم والتوافق عنصراً عضوياً مؤسساً في بنية الرؤى السياسية التقدّمية حتى تتجلى المسافات والفروق الشاسعة بين هذه الرؤية التي تستهدف في نهاية المطاف تغيير العالم إلى الأفضل, وبين الرؤية المُحافظة والرجعية التي تتضمّن في صلبها (كلّ ما يمكننا وصفه بأنه غير أخلاقي) إذ أن شعارها الأساسي هو “اللي تكسب به إلعب به”, أيّاً ما كانت اهداف الكسب او الخسارة.

وربما يستطيع من يتابع المسلسل التلفزيوني “الجماعة”، الذي يُعاد بثه هذه الأيام، أن يجد نموذجاً تطبيقياً واضحاً أثناء معالجة “الأخوان المسلمين” للموقف من الصراع بين “جمال عبد الناصر” ومحمد نجيب في بداية ثورة يوليو 1952. دار البحث في أوساط قيادة الجماعة لا عن أفكار ورؤى هذا أو ذلك, وإنما عن الكاسب/الرابح حتى يقفوا معه وعن الخاسر كي يبتعدوا عنه.

استطاعت نوال السعداوي عبر كلّ من كتاباتها ومسيرتها أن تضع هذه القيمة العليا موضع التطبيق, وأن تصبح بالتالي قدوةً للباحثات و الباحثين عن قدوة متحرّرة حقاً وفعلاً من التناقض بين الافكار والأفعال, سواء عبر كتاباتها الغنية والمتنوّعة أو عبر مواقفها، لا فحسب من الأحداث الكبرى وإنما أيضاً من تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية والانسانية.

أما كُتُب نوال السعداوي، فلم يقرأها النقد بعد قراءة لائقة بأفكارها ومكانتها, وهو ما جعل البعض يختزل أفكارها في مجرد الدفاع عن حقوق المرأة وتحرّرها -وليس تحريرها- كما هو التعبير الشائع, والفرق شاسعٌ بين التحرّر والتحرير, وهو ليس مجرد فرق لغوي بل هو أيضا اختيار ورؤية , لأن التحرّر يعظّم الفاعل, أما التحرير فيضع الانسان المتطلَّع إليه في موضع المفعول به.

والتحرّر هو خطوة أولي في اتجاه التمرّد الذي يفتح الباب واسعاً للابداع الذي سيكون بوسعه إعادة كتابة النصوص التسلّطية المحرّفة من أجل تحقيق الشغف والمعرفة اللازمين لتغيير نظام قوي مستبد في العائلة والحكومة, وأتوقف هنا أمام خط أساسي في العالم الفكري الشاسع والثري لنوال السعداوي ألا وهو الاقتران العضوي بين الطبقية والأبوية. وكان الكشف العميق والمتصل عن مثل هذا الاقتران هو أحد مشاعلها الأساسية, التي كشفت أيضاً عن استخدام النظام الطبقي الأبوي للدين عبر القراءات الحرفية ولتبرير قهر النساء وإبعادهنّ عن المجال العام وأيضاً لاستغلال المهمَّشين والكادحين عامةً وإذلالهم.

قامت نوال السعداوي وحدها بدور مؤسسة كبرى للفكر الحر الذي طالما لاحقته وقيّدته قوى الاستبداد والاستغلال, شأنها شأن العقول الكبيرة في تراثنا الثقافي, فكان “طه حسين” علي سبيل المثال يُحاضر , ويُلقي دروسه في الجامعة, ويطوف بالأقاليم كوزيرٍ للمعارف ليحثّ الأغنياء علي بناء المدراس. بعد أن كان قد أطلق شعاره الملهم “التعليم كالماء والهواء”.

قليلاتٌ هنّ النساء الباحثات والمفكّرات اللاتي حصلن علي الجوائز الحكومية كبيرها وصغيرها. وأظن أنّه قد آن الأوان أن يبادر القائمون على هذه الجوائز ليكرّموا “نوال السعداوي” بأرفعها, ذلك أن أفكارها ورؤاها, ورغم كل أشكال الحصار التي لحِقَتها قد استطاعت أن تحفر عميقاً في الوجدان الجمعي للمصريين والعرب, بل إن هذه الأفكار والرؤى قد اجتازت الحدود لتضع بصمتها على الفكر العالمي كله.

كذلك فإنّ الدساتير والوثائق التقدّمية التي أصدرتها نظمٌ متتابعة لإنصاف النساء والمهمَّشين والكادحين جزئياً لم تنبثق من فراغ, فرغم أنها خرجت في ظلّ صراعٍ ضار، فإنها شكّلت نتاجاً غير مباشر في أحد جوانبها لا فحسب للانتاج الفكري لمثل هذه العقول الكبيرة المبدعة والمتمرّدة, وإنما أيضاً لنشاطها العملي وحضورها الفعّال.

تحية إمتنان لنوال السعداوي.

غلاف مجلة التايم عام 1981/ د. نوال السعداوي؛ شخصية العام النسائية
غلاف مجلة التايم عام 1981/ د. نوال السعداوي؛ شخصية العام النسائية

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر فقط عن رأي كاتبها/كاتبتها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي “تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية”.

أترك تعليق

مقالات
متابعات- لطالما كان انخـراط المرأة فـي الجيوش العربية بطيئـاً وغيـر متسـق ويشـكّل مشـكلة اجتماعية وسياسـية.. وعلى الرغــم مــن ذلــك يشــهد هـذا الوضـع تغيّراً تدريجياً. وعلى الرغم من تزايد انضمام النساء إلى صفوف الجيوش على مرّ التاريخ، فإن الجهود العربية المبذولة حتى الآن لا تكفي ...المزيد ...
المبادرة النسوية الأورومتوسطية   EFI-IFE
تابعونا على فايسبوك
تابعونا على غوغل بلس


روابط الوصول السريع

إقرأ أيضاً

www.cswdsy.org

جميع الحقوق محفوظة تجمّع سوريات من أجل الديمقراطية 2015